باب مَا جَاءَ فِي أَمْرِ الْكِلَابِ
( أَخْبَرَهُ : أَنَّهُ سَمِعَ سُفْيَانَ بْنَ أَبِي زُهَيْرٍ ) - بِضَمِّ الزَّايِ - قَالَ ابْنُ الْمَدِينِيِّ : وَخَلِيفَةٌ اسْمُ أَبِيهِ الْفَرْدُ ، وَقِيلَ : نُمَيْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَالِكٍ ، وَيُقَالُ لَهُ النُّمَيْرِيُّ ؛ لِأَنَّهُ مِنْ وَلَدَ النَّمِرُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ نَصْرِ بْنِ زَهْرَانَ نَزَلَ الْمَدِينَةَ ، ( وَهُوَ رَجُلٌ مَنْ أَزْدِ ) - بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ ، وَسُكُونِ الزَّايِ ، فَدَالٍ مُهْمَلَةٍ ( شَنُوءَةَ ) بِفَتْحِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَضَمِّ النُّونِ ، بَعْدَهَا هَمْزَةٌ مَفْتُوحَةٌ - ابْنُ الْغَوْثِ بْنِ نَبْتِ بْنِ مَالِكِ بْنِ زَيْدِ بْنِ كَهْلَانَ بْنِ سَبَأٍ ، ( مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) يُعَدُّ فِي أَهْلِ الْمَدِينَةِ ، ( وَهُوَ يُحَدِّثُ نَاسًا مَعَهُ عِنْدَ بَابِ الْمَسْجِدِ ) النَّبَوِيِّ ، ( فَقَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : مَنِ اقْتَنَى ) - بِالْقَافِ - افْتِعَالٌ مِنَ الْقِنْيَةِ - بِالْكَسْرِ - وَهِيَ الِاتِّخَاذُ ، أَيْ : مَنِ اتَّخَذَ ( كَلْبًا لَا يُغْنِي عَنْهُ ) أَيْ : لَا يَحْفَظُ لَهُ ( زَرْعًا ، وَلَا ضَرْعًا ) - بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ - كِنَايَةً عَنِ الْمَوَاشِي ، وَفِي الْقَامُوسِ : الضَّرْعُ مَعْرُوفٌ لِلظِّلْفِ وَالْخُفِّ ، أَوْ لِلشَّاةِ وَالْبَقْرِ وَنَحْوِهَا ، قَالَ عِيَاضٌ : الْمُرَادُ بِكَلْبِ الزَّرْعِ الَّذِي يَحْفَظُهُ مِنَ الْوَحْشِ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ ، لَا الَّذِي يَحْفَظُهُ مِنَ السَّارِقِ ، وَكَلْبُ الْمَاشِيَةِ الَّذِي يَسْرَحُ مَعَهَا ، لَا الَّذِي يَحْفَظُهَا مِنَ السَّارِقِ ، وَقَدْ أَجَازَ مَالِكٌ اتِّخَاذَهَا لِلْحِفْظِ مِنَ السَّارِقِ ، انْتَهَى . يَعْنِي إِلْحَاقًا لِمَا فِي مَعْنَى الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ بِهِ ، كَمَا أَشَارَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ، وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْمَأْذُونَ فِي اتِّخَاذِهِ هُوَ مَا لَمْ يُتَّفَقْ عَلَى قَتْلِهِ ، وَهُوَ الْكَلْبُ الْعَقُورُ ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى طَهَارَةِ الْكَلْبِ الْجَائِزُ اتِّخَاذَهُ ؛ لِأَنَّ فِي مُلَابَسَتِهِ مَعَ الِاحْتِرَازِ عَنْهُ مَشَقَّةٌ شَدِيدَةٌ ، فَالْإِذْنُ فِي اتِّخَاذِهِ إِذَنٌ فِي مُكَمِّلَاتِ مَقْصُودِهِ ، كَمَا أَنَّ الْمَنْعَ مِنْ لَوَازِمِهِ مُنَاسِبٌ لِلْمَنْعِ مِنْهُ ، وَاسْتِدْلَالٌ قَوِيٌّ لَا يُعَارِضُهُ إِلَّا عُمُومُ الْخَبَرِ الْوَارِدِ فِي الْأَمْرِ بِغَسْلِ مَا وَلَغَ فِيهِ الْكَلْبُ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ ، وَتَخْصِيصُ الْعُمُومِ غَيْرُ مُسْتَنْكَرٍ إِذَا سَوَّغَهُ الدَّلِيلُ ، قَالَهُ فِي الْفَتْحِ ، يَعْنِي تَخْصِيصَ عُمُومِ حَدِيثِ الْوُلُوغِ الْمُقْتَضِي لِنَجَاسَتِهِ عِنْدَهُ بِغَيْرِ مَا أُذِنَ فِي اتِّخَاذِهِ لِأَحَادِيثِ الْإِذْنِ الْمُسَوِّغَةِ لِتَخْصِيصِهِ ، فَلَيْسَ مُرَادُ الْجَوَابِ عَنِ الِاسْتِدْلَالِ كَمَا تَوَهَّمَ بَلْ تَقْوِيَتُهُ ، ثُمَّ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ حَدِيثَ الْوُلُوغِ يَقْتَضِي النَّجَاسَةَ ؛ لِأَنَّهُ تَعَبُّدِيٌّ ، أَوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ مَعْلُومٌ ، ( نَقَصَ مِنْ أَجْرِ عَمَلِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطٌ ) قَدْرٌ لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ ، قَالَهُ الْبَاجِيُّ . ( قَالَ ) السَّائِبُ لِسُفْيَانَ يَتَثَبَّتُ مِنْهُ الْحَدِيثَ : ( أَنْتَ سَمِعْتَ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ؟ قَالَ : إِي ) - بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ ، وَسُكُونِ الْيَاءِ - حَرْفُ جَوَابٍ بِمَعْنَى نَعَمْ ، فَيَكُونُ لِتَصْدِيقِ الْخَبَرِ ، وَإِعْلَامِ الْمُسْتَخْبِرِ ، وَلِوَعْدِ الطَّالِبِ ، وَيُوصَلُ بِالْيَمِينِ كَمَا هُنَا ، أَيْ : نَعَمْ سَمِعْتُهُ ( وَرَبِّ هَذَا الْمَسْجِدِ ) أَقْسَمَ تَأْكِيدًا ، وَفِي رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ : وَرَبِّ هَذِهِ الْقِبْلَةِ ، قَالَ أَبُو عُمَرَ : احْتَجَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ ، وَمِثْلِهِ مَنْ أَجَازَ بِيعَ الْكَلْبِ الْمُتَّخَذِ لِزَرْعٍ وَمَاشِيَةٍ وَصَيْدٍ ؛ لِأَنَّهُ يُنْتَفَعُ بِهِ ، وَكُلُّ مَا انْتُفِعَ بِهِ جَازَ شِرَاؤُهُ وَبَيْعُهُ وَلَزِمَ قَاتِلَهُ الْقِيمَةُ ؛ لِأَنَّهُ أَتْلَفَ مَنْفَعَةَ أَخِيهِ اهـ .
وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْمُزَارِعَةِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ ، وَمُسْلِمٌ فِي الْبَيْعِ عَنْ يَحْيَى كِلَاهُمَا عَنْ مَالِكٍ بِهِ ، وَتَابَعَهُ سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ ، وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ .