باب ما جاء في قَتْلِ الْحَيَّاتِ وَمَا يُقَالُ فِي ذَلِكَ
وَحَدَّثَنِي مَالِك ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ سَائِبَةَ مَوْلَاةٍ لِعَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ قَتْلِ الْجِنَّانِ الَّتِي فِي الْبُيُوتِ ، إِلَّا ذَا الطُّفْيَتَيْنِ وَالْأَبْتَرَ ، فَإِنَّهُمَا يَخْطِفَانِ الْبَصَرَ وَيَطْرَحَانِ مَا فِي بُطُونِ النِّسَاءِ . 1827 1780 - ( مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ ) مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ ( عَنْ سَائِبَةَ مَوْلَاةٍ لِعَائِشَةَ ) مُرْسَلٌ ، وَهُوَ مَوْصُولٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ بِنَحْوِهِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ، وَعَائِشَةَ ، وَأَبِي لُبَابَةَ : ( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ قَتْلِ الْجِنَّانِ ) - بِكَسْرِ الْجِيمِ ، وَفَتْحِ النُّونِ الثَّقِيلَةِ - جَمْعُ جَانٍّ ، وَهِيَ الْحَيَّةُ الصَّغِيرَةُ ، وَقِيلَ : الرَّفِيعَةُ الْخَفِيفَةُ ، وَقِيلَ : الرَّقِيقَةُ الْبَيْضَاءُ ، وَقِيلَ : مَا لَا يَتَعَرَّضُ لِإِذَايَةِ النَّاسِ . وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : الْجِنَّانُ مَسْخُ الْجِنِّ ، كَمَا مُسِخَتِ الْقِرَدَةُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ .
وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ : هِيَ عَوَامِرُ الْبُيُوتِ ، فَتُمَثَّلُ فِي صِفَةِ حَيَّةٍ رَقِيقَةٍ بِالْمَدِينَةِ ، وَغَيْرِهَا ، وَهِيَ الَّتِي نَهَى عَنْ قَتْلِهَا حَتَّى تُنْذَرَ . وَذَكَرَ التِّرْمِذِيُّ عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ : إِنَّمَا يُقْتَلُ مِنَ الْحَيَّاتِ الَّتِي تَكُونُ رَقِيقَةً كَأَنَّهَا فِضَّةٌ ، وَلَا تَلْتَوِي فِي مَشْيِهَا ، قَالَهُ عِيَاضٌ . قَالَ الْأَبِيُّ : لَوْلَا تَفْسِيرُ مَنْ فَسَّرَ الْجِنَّانَ بِالْحَيَّاتِ عُمُومًا ، لَتُوُهِّمَ أَنَّهُ لَا يُنْذَرُ مِنْ جِنَّانِ الْبُيُوتِ إِلَّا الصَّغِيرُ عَلَى مَنْ فَسَّرَ الْجِنَّانَ بِالصَّغِيرِ ، ( الَّتِي فِي الْبُيُوتِ ) عُمُومًا أَوْ بُيُوتٍ خَاصَّةٍ عَلَى مَا مَرَّ حَتَّى تُنْذَرَ ، وَيُقْتَلُ مَا وُجِدَ فِي الصَّحَارِي بِلَا إِنْذَارٍ .
قَالَ مَالِكٌ : وَيُقْتَلُ مَا وُجِدَ مِنْهَا فِي الْمَسَاجِدِ ، ( إِلَّا ذَا الطُّفْيَتَيْنِ ) - بِضَمِّ الطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ ، وَسُكُونِ الْفَاءِ - تَثْنِيَةُ طُفْيَةٍ ، وَهُوَ خُوصَةُ الْمُقَلِ شَبَّهَ بِهِ الْخَطَّيْنِ الَّذِينَ عَلَى ظَهْرِ الْحَيَّةِ ، قَالَهُ الْمَازِرِيُّ وَغَيْرُهُ . وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : يُقَالُ : إِنَّ ذَا الطُّفْيَيْنِ جِنْسٌ مِنَ الْحَيَّاتِ يَكُونُ عَلَى ظَهْرِهِ خَطَّانِ أَبْيَضَانِ . ( وَالْأَبْتَرُ ) مَقْطُوعُ الذَّنَبِ أَوِ الْحَيَّةُ الصَّغِيرَةُ الذَّنَبِ .
وَقَالَ الدَّاوُدِيِّ : هُوَ الْأَفْعَى الَّتِي قَدْرُ شِبْرٍ ، أَوْ أَكْثَرُ قَلِيلًا ، وَالْعَطْفُ يَقْتَضِي التَّغَايُرَ بَيْنَهُمَا . وَفِي بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ فِي الصَّحِيحِ : لَا تَقْتُلُوا الْجِنَّانَ إِلَّا كُلَّ أَبْتَرَ ذِي طُفْيَتَيْنِ ، وَظَاهِرُهُ اتِّحَادُهُمَا لَكِنَّهُ لَا يَنْفِي الْمُغَايِرَةَ . وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ : الْوَاوُ لِلْجَمْعِ بَيْنَ الْوَصْفَيْنِ ، لَا بَيْنَ الذَّاتَيْنِ ، فَالْمَعْنَى : اقْتُلُوا الْحَيَّةَ الْجَامِعَةَ بَيْنَ الْأَبْتَرِيَّةِ ، وَكَوْنِهَا ذَاتَ طُفْيَتَيْنِ كَقَوْلِهِمْ : مَرَرْتُ بِالرَّجُلِ الْكَرِيمِ ، وَالنَّسَمَةِ الْمُبَارَكَةِ ، وَلَا مُنَافَاةَ أَيْضًا بَيْنَ الْأَمْرِ بِقَتْلِ مَا اتَّصَفَ بِإِحْدَى الصِّفَتَيْنِ ، وَبِقَتْلِ مَا اتَّصَفَ بِهِمَا مَعًا ؛ لِأَنَّ الصِّفَتَيْنِ قَدْ يَجْتَمِعَانِ فِيهَا ، وَقَدْ يَفْتَرِقَانِ .
( فَإِنَّهُمَا يَخْطَفَانِ ) - بِفَتْحِ الطَّاءِ - الْبَصَرَ ، وَفِي رِوَايَةٍ : يَطْمِسَانِ ( الْبَصَرَ ) أَيْ : يَمْحُوَانِ نُورَهُ ، ( وَيَطْرَحَانِ مَا فِي بُطُونِ النِّسَاءِ ) مِنَ الْحَمْلِ ، وَفِي رِوَايَةٍ : وَيُسْقِطَانِ الْحَبَلَ - بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ - الجنين ، قَالَ الْأَبِيُّ : إِمَّا لِلْفَزَعِ أَوْ لِخَاصِّيَّةٍ فِيهِمَا ، وَقَدْ تَكُونُ الْخَاصِّيَّةُ قَوْلُ ابْنِ شِهَابٍ نَرَى ذَلِكَ مِنْ سُمِّهِمَا . قَالَ الْحَافِظُ : زَعَمَ الدَّاوُدِيُّ أَنَّهُ أُذِنَ فِي قَتْلِهِمَا ؛ لِأَنَّ الْجَانَّ لَا يَتَمَثَّلُ بِهِمَا ، وَإِنَّمَا يَتِمُّ إِنْ جَعَلَ الِاسْتِثْنَاءُ مُنْقَطِعًا ، فَإِنْ كَانَ مُتَّصِلًا فَفِيهِ رَدٌّ عَلَيْهِ ، انْتَهَى . وَبِهِ عُلِمَ قَوْلُ السَّيُوطِيِّ ، إِنَّمَا اسْتُثْنِيَا ؛ لِأَنَّ مُؤْمِنِي الْجِنِّ لَا يَتَصَوَّرُونَ فِي صُوَرِهِمَا لِأَذِيَّتِهِمَا بِنَفْسِ رُؤْيَتِهِمَا ، وَإِنَّمَا يَتَصَوَّرُ مُؤْمِنُو الْجِنِّ بِصُورَةِ مَنْ لَا تَضُرُّ رُؤْيَتُهُ ، فَإِنَّ هَذَا كَلَامَ الدَّاوُدِيِّ ، وَقَدْ عُلِمَ مَا فِيهِ ، وَأَيْضًا تَعْلِيلُهُ بِهَذَا خِلَافُ ظَاهِرِ تَعْلِيلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .