بَاب ما يؤمر به من التَّحَفُّظِ فِي الْكَلَامِ
وَحَدَّثَنِي مَالِك ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ : إِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مَا يُلْقِي لَهَا بَالًا يَهْوِي بِهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مَا يُلْقِي لَهَا بَالًا يَرْفَعُهُ اللَّهُ بِهَا فِي الْجَنَّةِ . 1849 1802 - ( مَالِكٌ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ ) مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ ، ( عَنْ أَبِي صَالِحٍ ) ذَكْوَانَ ( السَّمَانِ ) بَائِعِ السَّمْنِ : ( أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ ) مَوْقُوفًا ، وَقَدْ رَوَاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا ، أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الرِّقَاقِ ، وَأَحْمَدُ ، وَالْبَزَّارُ ، وَرَوَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ مِنْ طَرِيقِ الْحُسَيْنِ الْمَرْوَزِيِّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ ، عَنْ مَالِكٍ عَنِ ابْنِ دِينَارٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : ( إِنَّ الرَّجُلَ ) ، وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ : إِنِ الْعَبْدَ ، فَالْمُرَادُ الْإِنْسَانُ حُرًّا أَوْ قِنًّا ( لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ ) عِنْدَ ذِي سُلْطَانٍ جَائِرٍ مُرِيدًا بِهَا هَلَاكَ مُسْلِمٍ ، أَوِ الْمُرَادُ يَتَكَلَّمُ بكلمة غَيْرَ حَسْنَاءَ ، وَيُعَرِّضُ بِمُسْلِمٍ بِكَبِيرَةٍ أَوْ بِمُجُونٍ أَوِ اسْتِخْفَافٍ بِشَرِيعَةٍ ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُعْتَقِدٍ ، وَغَيْرَ ذَلِكَ ( مَا يُلْقِي ) بِضَمِّ الْيَاءِ ، وَكَسْرِ الْقَافِ فِي جَمِيعِ الرِّوَايَاتِ ، ( لَهَا بَالًا ) أَيْ : لَا يَتَأَمَّلُهَا بِخَاطِرِهِ ، وَلَا يَتَفَكَّرُ فِي عَاقِبَتِهَا ، وَلَا يَظُنُّ أَنَّهَا تُؤَثِّرُ شَيْئًا ، وَهُوَ مِنْ نَحْوِ قَوْلِهِ تَعَالَى : وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ ( سورة النُّورِ : الْآيَةُ 15 ) ، ( يَهْوِي ) بِفَتْحِ الْيَاءِ ، وَسُكُونِ الْهَاءِ وَكَسْرِ الْوَاوِ ( فِي نَارِ جَهَنَّمَ ) قَالَ عِيَاضٌ : أَيْ : يَنْزِلُ فِيهَا سَاقِطًا ، وَجَاءَ بِلَفْظِ : يَنْزِلُ بِهَا فِي النَّارِ ؛ لِأَنَّ دَرَكَاتِ النَّارِ إِلَى أَسْفَلَ ، فَهُوَ نُزُولُ سُقُوطٍ ، وَقِيلَ : أَهْوَى مِنْ قَرِيبٍ ، وَهَوَى مِنْ بَعِيدٍ . ( وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ ) بِالْكَلَامِ الْمُفِيدِ رِضْوَانَ اللَّهِ ، مَا يُرْضِي اللَّهَ تَعَالَى ( مَا يُلْقِي لَهَا بَالًا يَرْفَعُهُ اللَّهُ بِهَا فِي الْجَنَّةِ ) ، زَادَ فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ : دَرَجَاتٌ .
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : الْكَلِمَةُ الْأُولَى هِيَ الَّتِي يَقُولُهَا عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ ، زَادَ ابْنُ بَطَّالٍ : بِالْبَغْيِ أَوْ بِالسَّعْيِ عَلَى الْمُسْلِمِ ، فَتَكُونُ سَبَبًا لِهَلَاكِهِ ، وَإِنْ لَمْ يُرِدِ الْقَائِلُ ذَلِكَ ، لَكِنَّهَا رُبَّمَا أَدَّتْ إِلَيْهِ فَيُكْتَبُ عَلَى الْقَائِلِ إِثْمُهَا ، وَالْكَلِمَةُ الَّتِي يُرْفَعُ بِهَا الدَّرَجَاتُ ، وَيُكْتَبُ بِهَا الرِّضْوَانُ هِيَ الَّتِي يَدْفَعُ بِهَا عَنْ مُسْلِمٍ مَظْلَمَةً ، أَوْ يُفَرِّجُ بِهَا عَنْهُ كُرْبَةً ، أَوْ يَنْصُرُ بِهَا مَظْلُومًا . وَقَالَ غَيْرُهُ : الْأُولَى هِيَ الْكَلِمَةُ عِنْدَ ذِي سُلْطَانٍ يُرْضِيهِ بِهَا فِيمَا يَسْخَطُ اللَّهُ ، قَالَ ابْنُ التِّينِ : هَذَا هُوَ الْغَالِبُ ، وَرُبَّمَا كَانَتْ عِنْدَ غَيْرِ السُّلْطَانِ مِمَّنْ يَتَأَتَّى مِنْهُ ذَلِكَ . وَنُقِلَ عَنِ ابْنِ وَهْبٍ : أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا : التَّلَفُّظُ بِالسُّوءِ وَالْفُحْشِ مَا لَمْ يُرِدْ بِذَلِكَ الْحُجَّةَ لِأَمْرِ اللَّهِ فِي الدِّينِ .
وَقَالَ عِيَاضٌ : يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ الْكَلِمَةُ مِنَ الْخَنَا وَالرَّفَثِ ، وَأَنْ يَكُونَ فِي التَّعْرِيضِ بِالْمُسْلِمِ بِكَبِيرَةٍ ، أَوْ مُجُونٍ ، أَوِ اسْتِخْفَافٍ بِحَقِّ النُّبُوَّةِ وَالشَّرِيعَةِ ، وَإِنْ لَمْ يَعْتَقِدْ ذَلِكَ . وَقَالَ الْعِزُّ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ : هِيَ الْكَلِمَةُ الَّتِي لَا يَعْرِفُ قَائِلُهَا حُسْنَهَا مِنْ قُبْحِهَا قَالَ : فَيَحْرُمُ عَلَى الْإِنْسَانِ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِمَا لَا يَعْرِفُ حُسْنَهُ مِنْ قُبْحِهِ ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ : فِيهِ حِفْظُ اللِّسَانِ ، فَيَنْبَغِي لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَنْطِقَ أَنْ يَتَدَبَّرَ مَا يَقُولُ قَبْلَ أَنْ يَنْطِقَ ، فَإِنْ ظَهَرَتْ فِيهِ مَصْلَحَةٌ تَكَلَّمَ ، وَإِلَّا أَمْسَكَ . وَقَالَ الْغَزَالِيُّ : عَلَيْكَ بِالتَّأَمُّلِ وَالتَّدَبُّرِ فِي كُلِّ قَوْلٍ وَفِعْلٍ ، فَقَدْ يَكُونُ فِي جَزَعٍ وَتَسَخُّطٍ ، فَتَظُنُّهُ تَضَرُّعًا وَابْتِهَالًا ، وَيَكُونُ فِي رِيَاءٍ مَحْضٍ ، وَتَحْسَبُهُ حَمْدًا وَشُكْرًا ، أَوْ دَعْوَةً لِلنَّاسِ إِلَى الْخَيْرِ ، فَتَعُدُّ الْمَعَاصِي طَاعَاتٍ ، وَتَحْسِبُ الثَّوَابَ الْعَظِيمَ فِي مَوْضِعِ الْعُقُوبَاتِ ، فَتَكُونُ فِي غُرُورٍ شَنِيعٍ ، وَغَفْلَةٍ قَبِيحَةٍ مُغْضِبَةٍ لِلْجَبَّارِ مُوقِعَةٍ فِي النَّارِ وَبِئْسَ الْقَرَارِ .