بَاب مَا جَاءَ فِيمَا يُخَافُ مِنْ اللِّسَانِ
( فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ ) الْمَذْكُورُ : ( لَا تُخْبِرْنَا ) بِالْجَزْمِ نَهْيًا ، وَالْقَعْنَبِيُّ : أَلَا تُخْبِرُنَا ( يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَلِكَ أَيْضًا ، فَقَالَ الرَّجُلُ : لَا تُخْبِرْنَا ) نَهْيًا أَوْ عَرْضًا ( يَا رَسُولَ اللَّهِ ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِثْلَ ذَلِكَ أَيْضًا ، ثُمَّ ذَهَبَ الرَّجُلُ يَقُولُ مِثْلَ مَقَالَتِهِ الْأُولَى ) ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : هَكَذَا قَالَ يَحْيَى : لَا تُخْبِرْنَا عَلَى لَفْظِ النَّهْيِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ، وَأَعَادَ الْكَلَامَ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ ، وَتَابَعَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَغَيْرُهُ عَلَى لَفْظِ : لَا تُخْبِرْنَا عَلَى النَّهْيِ إِلَّا أَنَّ إِعَادَةَ الْكَلَامِ عِنْدَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ . وَقَالَ الْقَعْنَبِيُّ : أَلَا تُخْبِرُنَا عَلَى لَفْظِ الْعَرْضِ ، وَالْقِصَّةُ مُعَادَةٌ عِنْدَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ أَيْضًا ، وَكُلُّهُمْ قَالَ مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ ، وَمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ، ( فَأَسْكَتَهُ رَجُلٌ إِلَى جَنْبِهِ ) تَفْوِيضًا لَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيمَا يُرِيدُ مِنَ الْإِخْبَارِ وَتَرْكِهِ . ( فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَنْ وَقَاهُ اللَّهُ شَرَّ اثْنَيْنِ وَلَجَ ) أَيْ دَخَلَ ( الْجَنَّةَ مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ ) بِفَتْحِ اللَّامِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ مُثَنًّى ، هُمَا الْعَظْمَانِ فِي جَانِبِ الْفَمِ ، وَمَا بَيْنَهُمَا هُوَ اللِّسَانُ ( وَمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ ) فَرْجُهُ لَمْ يُصَرِّحْ بِهِ اسْتِهْجَانًا لَهُ وَاسْتِحْيَاءً ؛ لِأَنَّهُ كَانَ أَشَدَّ حَيَاءً مِنَ الْبِكْرِ فِي خِدْرِهَا ، ( مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ ، وَمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ ، مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ ، وَمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ ) ذَكَرَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ بِاتِّفَاقِ الرُّوَاةِ لِلتَّأْكِيدِ ، قَالَ الدَّاوُدِيُّ : الْمُرَادُ بِمَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ : الْفَمُ بِتَمَامِهِ فَتَنَاوَلَ الْأَقْوَالَ كُلَّهَا ، وَالْأَكْلَ وَالشُّرْبَ ، وَسَائِرَ مَا يَتَأَتَّى بِالْفَمِ ، أَيْ مِنَ النُّطْقِ وَالْفِعْلِ كَتَقْبِيلٍ وَعَضٍّ وَشَتْمٍ ، قَالَ : وَمَنْ يَحْفَظُ مِنْ ذَلِكَ أَمِنَ مِنَ الشَّرِّ كُلِّهِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ إِلَّا السَّمْعُ وَالْبَصَرُ .
قَالَ الْحَافِظُ : وَخَفَى عَلَيْهِ أَنَّهُ بَقِيَ الْبَطْشُ بِالْيَدَيْنِ ، وَإِنَّمَا مَحْمَلُ الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ النُّطْقَ بِاللِّسَانِ أَصْلٌ فِي حُصُولِ كُلِّ مَطْلُوبٍ ، فَإِنْ لَمْ يَنْطِقْ بِهِ إِلَّا فِي خَيْرٍ سَلِمَ . وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : دَلَّ الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّ أَعْظَمَ الْبَلَايَا عَلَى الْمَرْءِ فِي الدُّنْيَا لِسَانُهُ وَفَرْجُهُ ، فَمَنْ وُقِيَ شَرَّهُمَا وُقِيَ أَعْظَمَ الشَّرِّ ، انْتَهَى . فَخَصَّهُمَا بِالذِّكْرِ لِذَلِكَ ، وَالْحَدِيثُ مَعْدُودٌ مِنْ جَوَامِعِ الْكَلِمِ .