شرح الزرقاني على الموطأ
بَاب مَا جَاءَ فِي الْغِيبَةِ
1806
حَدَّثَنِي مَالِك ، عَنْ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَيَّادٍ : أَنَّ الْمُطَّلِبَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَنْطَبَ الْمَخْزُومِيَّ ، أَخْبَرَهُ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا الْغِيبَةُ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّىاللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَنْ تَذْكُرَ مِنْ الْمَرْءِ مَا يَكْرَهُ أَنْ يَسْمَعَ ، قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَإِنْ كَانَ حَقًّا ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِذَا قُلْتَ بَاطِلًا فَذَلِكَ الْبُهْتَانُ .
4
بَابُ مَا جَاءَفِي الْغِيبَةِ 1853
1806
( مَالِكٌ عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَيَّادٍ ) الْمَدَنِيِّ أَخِي عِمَارَةَ ، لَمْ يَذْكُرْهُ الْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ ، وَلَا ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ ، وَلَا تَرْجَمَ لَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ، لَكِنْ ذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي الثِّقَاتِ ، وَكَفَى بِرِوَايَةِ مَالِكٍ عَنْهُ تَوْثِيقًا ، ( أَنَّ الْمُطَّلِبَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ) بْنِ الْمُطَّلِبِ ( بْنَ حَنْطَبٍ ) - بِفَتْحِ الْمُهْمَلَتَيْنِ بَيْنَهُمَا نُونٌ سَاكِنَةٌ آخِرُهُ مُوَحَّدَةٌ - ابْنِ الْحَارِثِ ( الْمَخْزُومِيِّ ) صَدُوقٌ ، هَكَذَا قَالَ ابْنُ وَهْبٍ ، وَابْنُ الْقَاسِمِ ، وَابْنُ بُكَيْرٍ ، وَالْقَعْنَبِيُّ ، وَغَيْرُهُمْ حَنْطَبٍ ، وَوَقَعَ لِيَحْيَى حُوَيْطَبٍ ، وَالصَّوَابُ الْأَوَّلُ كَمَا قَالَ أَبُو عُمَرَ : ( أَخْبَرَهُ ) مُرْسَلًا ، وَقَدْ وَصَلَهُ الْعَلَاءُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْقُوبَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ ، قَالَ الْحَافِظُ : وَالْمُطَّلِبُ كَثِيرُ الْإِرْسَالِ ، وَلَمْ يَصِحَّ سَمَاعُهُ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، فَلَعَلَّهُ أَخَذَهُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْقُوبَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : ( أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا الْغِيبَةُ ) أَيْ مَا حَقِيقَتُهَا الَّتِي نُهِينَا عَنْهَا بِقَوْلِهِ : وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا ( سورة الْحُجُرَاتِ : الْآيَةُ 12 ) ، ( فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَنْ تَذْكُرَ ) بِلَفْظٍ أَوْ كِتَابَةٍ أَوْ رَمْزٍ أَوْ إِشَارَةٍ أَوْ مُحَاكَاةٍ ( مِنَ الْمَرْءِ ) فِي غَيْبَتِهِ ( مَا يَكْرَهُ أَنْ يَسْمَعَ ) لَوْ بَلَغَهُ ، فِي دِينِهِ أَوْ دُنْيَاهُ أَوْ خُلُقِهِ أَوْ أَهْلِهِ أَوْ خَادِمِهِ أَوْ مَالِهِ أَوْثَوْبِهِ أَوْ حَرَكَتِهِ أَوْ طَلَاقَتِهِ أَوْ عُبُوسَتِهِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِهِ ( قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَإِنْ كَانَ حَقًّا ) بِأَنْ كَانَ فِيهِ مَا ذَكَرْتُهُ بِهِ ، ( قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِذَا قُلْتَ بَاطِلًا فَذَلِكَ الْبُهْتَانُ ) ، أَيِ الْكَذِبُ ، وَهُوَ أَوْلَى مَا فُسِّرَ بِهِ قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ : أَتَدْرُونَ مَا الْغِيبَةُ ؟ قَالُوا : اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ ، قَالَ : ذِكْرُكَ أَخَاكَ بِمَا يَكْرَهُ ، قِيلَ : أَفَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ فِي أَخِي مَا أَقُولُ ؟ قَالَ : إِنْ كَانَ فِيهِ مَا تَقُولُ فَقَدِ اغْتَبْتَهُ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ فَقَدْ بَهَتَّهُ ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ وَغَيْرُهُ بِفَتْحِ الْهَاءِ حَقِيقَةً ، وَشَدِّ التَّاءِ لِإِدْغَامِ تَاءِ الْخِطَابِ فِي تَاءِ لَامِ الْكَلِمَةِ ، يُقَالُ : بَهَتَ فُلَانًا : كَذَبَ عَلَيْهِ فَبُهِتَ ، أَيْ تَحَيَّرَ ، وَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ قُطِعَتْ حُجَّتُهُ ، فَتَحَيَّرَ ، وَالْبُهْتَانُ الْبَاطِلُ الَّذِي يُتَحَيَّرُ فِيهِ . قَالَ عِيَاضٌ : وَالْأَوْلَى فِي تَفْسِيرِهِ أَنَّهُ مِنَ الْبُهْتَانِ لِقَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ فَذَلِكَ الْبُهْتَانُ ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَلَى طَرِيقِ الْوَعْظِ وَالنُّصْحِ ، فَيَجُوزُ ، وَيُنْدَبُ فِيمَا كَانَتْ مِنْهُ زَلَّةُ التَّعْرِيضِ دُونَ التَّصْرِيحِ ؛ لِأَنَّهُ يَهْتِكُ حِجَابَ الْهَيْبَةِ ، ثُمَّ ظَاهِرُ قَوْلِهِ مِنَ الْمَرْءِ وَلَوْ كَافِرًا ، وَظَاهِرُ قَوْلِهِ أَخَاكَ تَخْصِيصُ الْغِيبَةِ بِالْمُسْلِمِ ، إِذِ الْمُرَادُ الْأَخُ فِي الدِّينِ ، وَصَرَّحَ عِيَاضٌ بِأَنَّهُ لَا غَيْبَةَ فِي كَافِرٍ ، وَيُوَافِقُ الْأَوَّلُ قَوْلَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : نَصْرَانِيَّيْنِ لَوْلَا الْغِيبَةُ أَخْبَرْتُكُمْ أَيَّهُمَا طَبٌّ .
قَالَ الْأَبِيُّ : وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بِأَنَّ أَخَاكَ خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ ، أَوْ يَخْرُجُ بِهِ الْكَافِرُ ؛ لِأَنَّهُ لَا غِيبَةَ فِيهِ بِكُفْرِهِ ، بَلْ بِغَيْرِهِ ، وَاسْتَثْنَى مَسَائِلَ تَجُوزُ فِيهَا الْغِيبَةُ ، مَعْلُومَةً . قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : لَيْسَ هَذَا الْحَدِيثُ عِنْدَ الْقَعْنَبِيِّ فِي الْمُوَطَّأِ ، وَهُوَ عِنْدُهُ فِي الزِّيَادَاتِ ، وَهُوَ آخِرُ حَدِيثٍ فِي كِتَابِ الْجَامِعِ فِي مُوَطَّأِ ابْنِ بُكَيْرٍ ، وَهُوَ يَدْخُلُ فِي التَّفْسِيرِ الْمُسْنَدِ .