بَاب مَا جَاءَ فِي الصِّدْقِ وَالْكَذِبِ
وَحَدَّثَنِي مَالِك أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ كَانَ يَقُولُ : عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ ؛ فَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ ، وَالْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ ، وَإِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ ، فَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ ، وَالْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ يُقَالُ : صَدَقَ وَبَرَّ وَكَذَبَ وَفَجَرَ . 1859 1812 - ( مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ : أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ كَانَ يَقُولُ ) ، وَصَلَهُ الْبُخَارِيُّ ، وَمُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ شَقِيقٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ( عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ ) أَيِ الْزَمُوهُ ، وَدَاوِمُوا عَلَيْهِ ، أَيِ الْقَوْلِ الْحَقِّ ، وَهُوَ ضِدُّ الْكَذِبِ ، وَقَدْ يُسْتَعْمَلُ فِي أَفْعَالِ الْجَوَارِحِ نَحْوُ صَدَقَ فُلَانٌ فِي الْقِتَالِ ، إِذَا أَوْفَاهُ حَقَّهُ ، ( فَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي ) - بِفَتْحَ أَوَّلِهِ - أَيْ يُوَصِّلُ صَاحِبَهُ ( إِلَى الْبَرِّ ) أَيْ إِلَى الْعَمَلِ الصَّالِحِ الْخَالِصِ ، وَالْبِرُّ اسْمٌ جَامِعٌ لِلْخَيْرِ ، وَقِيلَ اكْتِسَابُ الْحَسَنَاتِ . ( وَالْبِرَّ يَهْدِي ) - بِفَتْحَ أَوَّلِهِ - يُوَصِّلُ صَاحِبَهُ ( إِلَى الْجَنَّةِ ) يَعْنِي أَنَّ الصِّدْقَ الَّذِي هُوَ بِرٌّ يَدْعُو إِلَى مَا يَكُونُ بِرًّا مِثْلَهُ ، وَذَلِكَ يَدْعُو إِلَى دُخُولِ الْجَنَّةِ ، فَهُوَ سَبَبٌ لِدُخُولِهَا ، وَمِصْدَاقُهُ : ﴿إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ ﴾ ( سورة الِانْفِطَارِ : الْآيَةُ 13 ) ، قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ : بَيَّنَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ الصِّدْقَ هُوَ الْأَصْلُ الَّذِي يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ كُلِّهِ ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا تَحَرَّاهُ لَمْ يَعْصِ أَبَدًا ؛ لِأَنَّهُ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَسْرِقَ أَوْ يَزْنِيَ أَوْ يُؤْذِيَ أَحَدًا خَافَ أَنْ يُقَالَ لَهُ زَنَيْتَ أَوْ سَرَقْتَ ، فَإِنْ سَكَتَ جَرَّ الرِّيبَةَ إِلَيْهِ ، وَإِنْ قَالَ : لَا ، كَذَبَ ، وَإِنْ قَالَ : نَعَمْ ، فَسَقَ وَسَقَطَتْ مَنْزِلَتُهُ ، وَذَهَبَتْ حُرْمَتُهُ .
زَادَ فِي رِوَايَةِ الصَّحِيحَيْنِ : وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ ، وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ صَادِقًا . ( وَإِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ ) أَيِ احْذَرُوا الْإِخْبَارَ بِخِلَافِ الْوَاقِعِ ، ( فَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ ) أَيْ يُوَصِّلُ إِلَى الْمَيْلِ عَنْ الِاسْتِقَامَةِ وَالِانْبِعَاثِ فِي الْمَعَاصِي ، وَهُوَ اسْمٌ جَامِعٌ لِكُلِّ شَرٍّ . ( وَالْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ ) أَيْ يُوَصِّلُ إِلَى مَا يَكُونُ سَبَبًا لِدُخُولِهَا ، وَذَلِكَ دَاعٍ لِدُخُولِهَا ، زَادَ فِي رِوَايَةِ الصَّحِيحَيْنِ : وَلَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَكْذِبُ ، وَيَتَحَرَّى الْكَذِبَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذَّابًا ، ( أَلَا تَرَى أَنَّهُ يُقَالُ صَدَقَ وَبَرَّ وَكَذَبَ وَفَجَرَ ) اسْتِظْهَارٌ ؛ لِأَنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ ، وَالْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ ، وَلَمْ يَقَعْ هَذَا فِي الْمَرْفُوعِ عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ ، فَهُوَ مَوْقُوفٌ عَلَى ابْنِ مَسْعُودٍ ؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ ذَكَرَهُ مَوْقُوفًا ، وَفِيهِ الْحَثُّ عَلَى تَحَرِّي الصِّدْقِ وَالِاعْتِنَاءِ بِهِ ، وَهُوَ أَشَدُّ الْأَشْيَاءِ نَفْعًا ، وَلِذَا عَلَتْ رُتْبَتُهُ عَلَى رُتْبَةِ الْإِيمَانِ ؛ لِأَنَّهُ إِيمَانٌ وَزِيَادَةٌ : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ﴾ ( سورة التَّوْبَةِ : الْآيَةُ 119 ) ، وَفِيهِ تَحْذِيرٌ مِنَ الْكَذِبِ وَالتَّسَاهُلِ فِيهِ ، وَهُوَ أَشَدُّ الْأَشْيَاءِ ضَرَرًا ، فَإِنَّهُ إِذَا تَسَاهَلَ فِيهِ أَكْثَرَ مِنْهُ ، وَعُرِفَ بِهِ ، فَلَا يُعْتَمَدُ نُطْقُهُ ، وَلَا يُنْتَفَعُ بِهِ ، فَيَنْسَلِخُ مِنَ الْإِنْسَانِيَّةِ لِخُصُوصِيَّةِ الْإِنْسَانِ بِالنُّطْقِ إِلَى الْبَهِيمِيَّةِ ، فَيَصِيرُ هُوَ وَالْبَهِيمَةُ سَوَاءٌ ، بَلْ هُوَ شَرٌّ مِنْهَا ، لِأَنَّهَا وَإِنْ لَمْ يَنْفَعْ نُطْقُهَا ، لَا يَضُرُّ ، وَالْكَاذِبُ يَضُرُّ وَلَا يَنْفَعُ .