بَاب مَا جَاءَ فِي إِضَاعَةِ الْمَالِ وَذِي الْوَجْهَيْنِ
وَاخْتُلِفَ فِي الْمُرَادِ بِحَبْلِ اللَّهِ ، فَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ ، وَقَتَادَةُ وَغَيْرُهُمَا : هُوَ الْقُرْآنُ وَرُجِّحَ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ هُوَ حَبْلُ اللَّهِ ، وَفِي لَفْظٍ : الْقُرْآنُ حَبْلُ اللَّهِ الْمَتِينُ ، حَتَّى زَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ تَفْسِيرَهُ بِخِلَافِهِ غَفْلَةٌ ، إِذْ لَا عِطْرَ بَعْدَ عَرُوسٍ . وَعَنْ قَتَادَةَ أَيْضًا ، وَغَيْرُهُ : هُوَ عَهْدُ اللَّهِ وَأَمْرُهُ . وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ : أَنَّهُ الْجَمَاعَةُ ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : وَهُوَ الظَّاهِرُ فِي الْحَدِيثِ ، وَالْأَشْبَهُ بِسِيَاقِهِ .
وَأَمَّا الْقُرْآنُ ، فَمَأْمُورٌ بِالِاعْتِصَامِ بِهِ فِي غَيْرِ مَا آيَةٍ ، وَغَيْرِ مَا حَدِيثٍ ، غير أَنَّ الْمُرَادَ هُنَا الْجَمَاعَةُ عَلَى إِمَامٍ يُسْمَعُ لَهُ وَيُطَاعُ ، فَيَكُونُ وَلِيَّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ فِي نِكَاحٍ ، وَتَقْدِيمِ قَضَائِهِ لِلْعَقْدِ عَلَى أَيْتَامٍ ، وَسَائِرِ الْأَحْكَامِ ، وَيُقِيمُ الْجُمُعَةَ وَالْعِيدَ ، وَيَأْمَنُ بِهِ السُّبُلَ ، وَيَنْتَصِفُ بِهِ الْمَظْلُومُ ، وَيُجَاهِدُ عَنِ الْأُمَّةِ عَدُوَّهَا ، وَيَقْسِمُ بَيْنَهُمَا فِيهِمَا ؛ لِأَنَّ الِاخْتِلَافَ وَالْفُرْقَةَ هَلَكَةٌ ، وَالْجَمَاعَةَ نَجَاةٌ ، قَالَ : وَهُوَ عِنْدِي مَعْنًى مُتَدَاخِلٌ مُتَقَارِبٌ ؛ لِأَنَّ الْقُرْآنَ يَأْمُرُ بِالْأُلْفَةِ ، وَيَنْهَى عَنِ الْفُرْقَةِ . ( وَ ) الثَّالِثَةُ : ( أَنْ تَنَاصَحُوا مَنْ وَلَّاهُ اللَّهُ أَمْرَكُمْ ) وَهُوَ الْإِمَامُ ، وَنُوَّابُهُ بِمُعَاوَنَتِهِمْ عَلَى الْحَقِّ ، وَطَاعَتِهِ فِيهِ ، وَأَمْرِهِمْ بِهِ ، وَتَذْكِيرِهِمْ بِرِفْقٍ وَلُطْفٍ ، وَإِعْلَامِهِمْ بِمَا غَفَلُوا عَنْهُ مِنْ حُقُوقِ الْمُسْلِمِينَ ، وَتَرْكِ الْخُرُوجِ عَلَيْهِمْ ، وَالدُّعَاءِ عَلَيْهِمْ ، وَبِتَأَلُّفِ قُلُوبِ النَّاسِ لِطَاعَتِهِمْ ، وَالصَّلَاةِ خَلْفَهُمْ ، وَالْجِهَادِ مَعَهُمْ ، وَأَدَاءِ الصَّدَقَاتِ لَهُمْ ، وَأَنْ لَا يُطْرُوا بِالثَّنَاءِ الْكَاذِبِ ، وَأَنْ يُدْعَى لَهُمْ بِالصَّلَاحِ ، وَقِيلَ : هُمُ الْعُلَمَاءُ ، فَنَصِيحَتُهُمْ قَبُولُ مَا رَوَوْهُ ، وَتَقْلِيدُهُمْ فِي الْأَحْكَامِ ، وَإِحْسَانُ الظَّنِّ بِهِمْ . ( وَيَسْخَطُ ) وَفِي رِوَايَةٍ : وَيَكْرَهُ ( لَكُمْ قِيلَ وَقَالَ ) ، قَالَ مَالِكٌ : هُوَ الْإِكْثَارُ مِنَ الْكَلَامِ نَحْوِ قَوْلِ النَّاسِ : قَالَ فُلَانٌ ، وَفَعَلَ فُلَانٌ ، وَالْخَوْضُ فِيمَا لَا يَنْبَغِي ، فَهُمَا مَصْدَرَانِ أُرِيدَ بِهِمَا الْمُقَاوَلَةُ ، وَالْخَوْضُ فِي أَخْبَارِ النَّاسِ ، وَقِيلَ : فِعْلَانِ مَاضِيَانِ .
( وَإِضَاعَةَ الْمَالِ ) بِصَرْفِهِ فِي غَيْرِ وُجُوهِهِ الشَّرْعِيَّةِ ، وَتَعْرِيضِهِ لِلتَّلَفِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ إِفْسَادٌ ، وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ ؛ لِأَنَّهُ إِذَا ضَاعَ مَالُهُ ، تَعَرَّضَ لِمَا فِي أَيْدِي النَّاسِ . وَحَكَى أَبُو عُمَرَ فِي مَعْنَاهُ ثَلَاثَةَ أَقْوَالٍ : أَحَدُهَا أَنَّهُ الْحَيَوَانُ يُحْسَنُ إِلَيْهِ ، وَلَا يُضَيِّعُهُ مَالِكُهُ فَيَهْلِكُ ، وَحُجَّتُهُ أَنَّ عَامَّةَ الْوَصِيَّةِ النَّبَوِيَّةِ الصَّلَاةُ ، وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ . وَالثَّانِي : تَرْكُ إِصْلَاحِهِ ، وَالنَّظَرِ فِيهِ وَكَسْبِهِ .
وَالثَّالِثُ : إِنْفَاقُهُ فِي غَيْرِ حَقِّهِ مِنَ الْبَاطِلِ ، وَالسَّرَفُ ، انْتَهَى بِاخْتِصَارٍ . ( وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ ) ، قَالَ أَبُو عُمَرَ : مَعْنَاهُ عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ التَّكْثِيرُ مِنَ الْمَسَائِلِ النَّوَازِلِ ، وَالْأُغْلُوطَاتِ ، وَتَشْقِيقِ الْمَوْلُودَاتِ ، وَقِيلَ سُؤَالُ الْمَالِ ، وَالْإِلْحَاحُ فِيهِ عَلَى الْمَخْلُوقِينَ لِعَطْفِهِ عَلَى إِضَاعَةِ الْمَالِ ، وَقَالَ مَالِكٌ : لَا أَدْرِي أَهْوَ مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ مِنْ كَثْرَةِ الْمَسَائِلِ ، أَمْ هُوَ مَسْأَلَةُ النَّاسِ أَمْوَالَهُمْ ؟ إِلَّا أَنَّ الظَّاهِرَ فِي الْحَدِيثِ كَرَاهَةَ السُّؤَالِ عَنِ الْمَسَائِلِ ، إِذَا كَانَ ذَلِكَ الْإِكْثَارُ لَا عَلَى الْحَاجَةِ عِنْدَ نُزُولِ النَّازِلَةِ بَيْنَ كَثِيرَةٍ وَقَلِيلَةٍ ، وَكَانَ أَصْلُ هَذَا أَنَّهُمْ كَانُوا يَسْأَلُونَ عَنْ أَشْيَاءَ ، وَيُلِحُّونَ فِيهَا فَيَنْزِلُ تَحْرِيمُهَا ، قَالَ - تَعَالَى - : لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ ( سورة الْمَائِدَةِ : الْآيَةُ 101 ) الْآيَةَ ، وَالسُّؤَالُ الْيَوْمَ لَا يُخَافُ مِنْهُ نُزُولُ تَحْرِيمٍ وَلَا تَحْلِيلٍ ، فَمَنْ سَأَلَ مُسْتَفْهِمًا رَاغِبًا فِي الْعِلْمِ وَنَفْيِ الْجَهْلِ عَنْ نَفْسِهِ بَاحِثًا عَنْ مَعْنًى يَجِبُ الْوُقُوفُ عَلَيْهِ ، فَلَا بَأْسَ ، فَشِفَاءُ الْعَيِّ السُّؤَالُ مَا لَمْ يَبْلُغِ الْجِدَالَ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ ، وَمَنْ سَأَلَ مُتَعَنِّتًا ، لَمْ يَحِلَّ لَهُ قَلِيلُ السُّؤَالِ ، وَلَا كَثِيرُهُ ، انْتَهَى مُلَخَّصًا . وَقِيلَ : الْمُرَادُ كَثْرَةُ سُؤَالِ الْإِنْسَانِ عَنْ حَالِهِ ، وَتَفَاصِيلِ أَمْرِهِ ، فَيَدْخُلُ فِي سُؤَالِهِ عَمَّا لَا يَعْنِيهِ ، وَيَتَضَمَّنُ حُصُولَ الْحَرَجِ فِي حَقِّ الْمَسْئُولِ ، فَإِنَّهُ قَدْ لَا يُحِبُّ إِخْبَارَهُ بِأَحْوَالِهِ ، فَإِنْ أَخْبَرَ شَقَّ عَلَيْهِ ، وَإِنْ كَذَبَ فِي الْإِخْبَارِ أَوْ تَكَلَّفَ التَّعْرِيضَ لَحِقَتْهُ الْمَشَقَّةُ ، وَإِنْ أَهْمَلَ جَوَابَهُ ارْتَكَبَ سُوءَ الْأَدَبِ ، وَالْحَدِيثُ رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ جَرِيرٍ ، عَنْ سُهَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَوْصُولًا بِهِ ، وَهُوَ يُقَوِّي رِوَايَةَ الْأَكْثَرِ عَنْ مَالِكٍ مَوْصُولًا ، وَلَعَلَّهُ حَدَّثَ بِالْوَجْهَيْنِ : الْوَصْلُ وَالْإِرْسَالُ .