حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
شرح الزرقاني على الموطأ

بَابُ التَّرْغِيبِ فِي الصَّدَقَةِ

وَحَدَّثَنِي مَالِك ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ : كَانَ أَبُو طَلْحَةَ أَكْثَرَ أَنْصَارِيٍّ بِالْمَدِينَةِ مَالًا مِنْ نَخْلٍ ، وَكَانَ أَحَبَّ أَمْوَالِهِ إِلَيْهِ بَيْرُحَاءَ ، وَكَانَتْ مُسْتَقْبِلَةَ الْمَسْجِدِ ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدْخُلُهَا وَيَشْرَبُ مِنْ مَاءٍ فِيهَا طَيِّبٍ ، قَالَ أَنَسٌ : فَلَمَّا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ : لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ قَامَ أَبُو طَلْحَةَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَقُولُ : لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَإِنَّ أَحَبَّ أَمْوَالِي إِلَيَّ بَيْرُحَاءَ ، وَإِنَّهَا صَدَقَةٌ لِلَّهِ أَرْجُو بِرَّهَا وَذُخْرَهَا عِنْدَ اللَّهِ ، فَضَعْهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ حَيْثُ شِئْتَ . قَالَ : فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : بَخْ ، ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ ، ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ ، وَقَدْ سَمِعْتُ مَا قُلْتَ فِيهِ ، وَإِنِّي أَرَى أَنْ تَجْعَلَهَا فِي الْأَقْرَبِينَ . فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ : أَفْعَلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ - فَقَسَمَهَا أَبُو طَلْحَةَ فِي أَقَارِبِهِ وَبَنِي عَمِّهِ .

1875 1828 - ( مَالِكٌ ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ : كَانَ أَبُو طَلْحَةَ ) زَيْدُ بْنُ سَهْلٍ الْخَزْرَجِيُّ ( أَكْثَرَ أَنْصَارِيٍّ ) أَيْ أَكْثَرَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْأَنْصَارِ ، وَلِذَا لَمْ يَقُلْ أَكْثَرَ الْأَنْصَارِ ، فَهُوَ مِنَ التَّفْضِيلِ عَلَى التَّفْضِيلِ - قَالَهُ الْكِرْمَانِيُّ . ( بِالْمَدِينَةِ مَالًا ) تَمْيِيزٌ ، أَيْ مِنْ حَيْثُ الْمَالُ ( مِنْ نَخْلٍ ) بَيَانٌ لِمَالٍ ، ( وَكَانَ أَحَبَّ أَمْوَالِهِ ) هِيَ حَوَائِطُ ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : كَانَتْ دَارُ أَبِي جَعْفَرٍ وَالدَّارُ الَّتِي تَلِيهَا حَوَائِطَ لِأَبِي طَلْحَةَ ، وَكَانَ قَصْرُ بَنِي حُدَيْلَةَ حَائِطًا لَهُ يُقَالُ لَهَا بَيْرُحَاءُ ، قَالَ الْحَافِظُ : وَمُرَادُهُ بِدَارِ أَبِي جَعْفَرٍ الَّتِي صَارَتْ إِلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ وَعُرِفَتْ بِهِ ، وَهُوَ أَبُو جَعْفَرٍ الْمَنْصُورُ الْخَلِيفَةُ الْعَبَّاسِيُّ ، وَقَصْرُ بَنِي حُدَيْلَةَ - بِحَاءٍ مُهْمَلَةٍ - مُصَغَّرٌ ، وَوَهِمَ مَنْ قَالَ بِجِيمٍ بَطْنٌ مِنَ الْأَنْصَارِ ، فَنُسِبَ إِلَيْهِ بِسَبَبِ الْمُجَاوَرَةِ ، وَإِلَّا فَالَّذِي بَنَاهُ مُعَاوِيَةُ لَمَّا اشْتَرَى حِصَّةَ حَسَّانَ بِمِائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ لِيَكُونَ لَهُ حِصْنًا ، وَجَعَلَ لَهُ بَابَيْنِ أَحَدُهُمَا شَارِعٌ عَلَى خَطِّ بَنِي حُدَيْلَةَ وَالْآخَرُ فِي الزّاوِيَةِ الشَّرْقِيَّةِ ، وَالَّذِي بَنَاهُ لِمُعَاوِيَةَ الطُّفَيْلُ بْنُ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ شَبَّةَ وَغَيْرُهُ . ( بَيْرُحَاءَ ) ، قَالَ الْبَاجِيُّ : قَرَأْنَاهُ عَلَى أَبِي ذَرٍّ بِفَتْحِ الرَّاءِ فِي مَوْضِعِ الرَّفْعِ وَالنَّصْبِ وَالْخَفْضِ وَالْجَمْعِ ، وَاللَّفْظَانِ اسْمٌ لِمَوْضِعٍ وَلَيْسَتْ مُضَافَةً إِلَى مَوْضِعٍ ، وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الصُّورِيُّ : إِنَّمَا هِيَ بِفَتْحِ الْبَاءِ وَالرَّاءِ ، وَاتَّفَقَ هُوَ وَأَبُو ذَرٍّ وَغَيْرُهُمَا مِنَ الْحُفَّاظِ عَلَى أَنَّ مَنْ رَفَعَ الرَّاءَ حَالَ الرَّفْعِ فَقَدْ غَلِطَ ، وَعَلَى ذَلِكَ كُنَّا نَقْرَؤُهُ عَلَى شُيُوخِ بَلَدِنَا ، وَعَلَى الْأَوَّلِ أَدْرَكْتُ أَهْلَ الْعِلْمِ بِالْمَشْرِقِ ، وَهَذَا الْمَوْضِعُ بِقَصْرِ بَنِي حُدَيْلَةَ قِبْلِيَّ مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ .

وَفِي فَتْحِ الْبَارِي : بَيْرَحَاءَ - بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ التَّحْتِيَّةِ وَبِفَتْحِ الرَّاءِ وَبِالْمُهْمَلَةِ وَالْمَدِّ ، وَجَاءَ فِي ضَبْطِهَا أَوْجُهٌ جَمَعَهَا فِي النِّهَايَةِ فَقَالَ : يُرْوَى بِفَتْحِ الْبَاءِ وَكَسْرِهَا ، وَبِفَتْحِ الرَّاءِ وَضَمِّهَا ، وَبِالْمَدِّ وَالْقَصْرِ - فَهَذِهِ ثَمَانِيَةٌ . وَفِي رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ - يَعْنِي فِي مُسْلِمٍ بَرَيْحَا بِفَتْحِ وَكَسْرِ الرَّاءِ مُقَدَّمَةً عَلَى التَّحْتِيَّةِ . وَفِي أَبِي دَاوُدَ : بَأَرْيَحَاءَ - مِثْلُهُ لَكِنْ بِزِيَادَةِ أَلِفٍ ، وَقَالَ الْبَاجِيُّ : أَفْصَحُهَا بِفَتْحِ الْبَاءِ وَسُكُونِ الْيَاءِ وَفَتْحِ الرَّاءِ مَقْصُورٌ ، وَكَذَا جَزَمَ بِهِ الصَّغَانِيُّ وَقَالَ : إِنَّهُ فَعَيْلَا مِنَ الْبَرَاحِ .

قَالَ : وَمَنْ ذَكَرَهُ بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ فَظَنَّ أَنَّهَا بِئْرٌ مِنْ آبَارِ الْمَدِينَةِ فَقَدْ صَحَّفَ ، انْتَهَى . وَتُعُقِّبَ فِيمَا نَسَبَهُ لِلنِّهَايَةِ بِأَنَّ الَّذِي فِيهَا إِنَّمَا هُوَ خَمْسٌ فَقَطْ ، فَنَصَبَهَا بِفَتْحِ الْبَاءِ وَكَسْرِهَا وَبِفَتْحِ الرَّاءِ وَضَمِّهَا وَالْمَدِّ فِيهَا ، وَبِفَتْحِهِمَا وَالْقَصْرِ . وَقَالَ عِيَاضٌ : رُوِّينَا بِفَتْحِ الْبَاءِ وَالرَّاءِ وَبِكَسْرِ الْبَاءِ مَعَ فَتْحِ الرَّاءِ وَضَمِّهَا ، يُسَمَّى بِهِ ، وَلَيْسَ اسْمَ بِئْرٍ ، وَجَزَمَ التَّيْمِيُّ بِأَنَّ الْمُرَادَ الْبُسْتَانُ ، قَالَ : لِأَنَّ بَسَاتِينَ الْمَدِينَةِ تُدْعَى بِآبَارِهَا ، أَيِ الْبُسْتَانَ الَّذِي فِيهِ بَيْرُحَاءُ ، وَجَزَمَ الصَّغَانِيُّ بِأَنَّهَا اسْمُ أَرْضٍ لَا بِئْرٍ ، قَالَ فِي اللَّامِعِ : وَلَا تَنَافِيَ بَيْنَ ذَلِكَ ، فَإِنَّ الْأَرْضَ أَوِ الْبُسْتَانَ تُسَمَّى بَاسِمِ الْبِئْرِ الَّتِي فِيهِ ، وَصَوَّبَ الصَّغَانِيُّ وَالزَّمَخْشَرِيُّ وَالْمَجْدُ الشِّيرَازِيُّ مِنْ هَذَا كُلِّهِ فَتْحَ الْمُوَحَّدَةِ وَالرَّاءِ ، وَقَالَ الْبَاجِيُّ : إِنَّهَا الْمَسْمُوعَةُ عَلَى أَبِي ذَرٍّ وَغَيْرِهِ .

قَالَ فِي الْفَتْحِ : وَاخْتُلِفَ فِي حَاءٍ هَلْ هِيَ اسْمُ رَجُلٍ أَوِ امْرَأَةٍ أَوْ مَكَانٍ أُضِيفَتْ إِلَيْهِ الْبِئْرُ ، أَوْ هِيَ كَلِمَةُ زَجْرٍ لِلْإِبِلِ ؟ فَكَأَنَّ الْإِبِلَ كَانَتْ تَرْعَى هُنَاكَ وَتُزْجَرُ بِهَذِهِ اللَّفْظَةِ ، فَأُضِيفَتِ الْبِئْرُ إِلَى اللَّفْظَةِ الْمَذْكُورَةِ . ( وَكَانَتْ مُسْتَقْبِلَةَ الْمَسْجِدِ ) النَّبَوِيِّ ، أَيْ مُقَابِلَتَهُ قَرِيبَةً مِنْهُ ، ( وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَدْخُلُهَا ) ، زَادَ فِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ : وَيَسْتَظِلُّ فِيهَا ، ( وَيَشْرَبُ مِنْ مَاءٍ فِيهَا ) أَيْ فِي بَيْرُحَاءَ ( طَيِّبٍ ) بِالْجَرِّ صِفَةُ مَاءٍ ، وَفِيهِ إِبَاحَةُ اسْتِعْذَابِ الْمَاءِ ، وَتَفْضِيلُ بَعْضِهِ عَلَى بَعْضٍ ، وَإِبَاحَةُ الشُّرْبِ مِنْ دَارِ الصَّدِيقِ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ حَاضِرًا إِذَا عُلِمَ طِيبُ نَفْسِهِ ، وَاتِّخَاذُ الْحَوَائِطِ وَالْبَسَاتِينِ ، وَدُخُولُ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْفَضْلِ فِيهَا ، وَالِاسْتِظْلَالُ بِظِلِّهَا ، وَالرَّاحَةُ وَالتَّنَزُّهُ فِيهَا ، وَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ مُسْتَحَبًّا يُثَابُ عَلَيْهِ إِذَا قُصِدَ بِهِ إِجْمَامُ النَّفْسِ مِنْ تَعَبِ الْعِبَادَةِ وَتَنْشِيطُهَا فِي الطَّاعَةِ . ( قَالَ أَنَسٌ : فَلَمَّا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ ) أَيْ لَا تَبْلُغُوا حَقِيقَةَ الْبِرِّ الَّذِي هُوَ كَمَالُ الْخَيْرِ ، أَوْ لَنْ تَنَالُوا بِرَّ اللَّهِ الَّذِي هُوَ الرَّحْمَةُ وَالرِّضَا وَالْجَنَّةُ ، ( حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ) ، أَيْ بَعْضَ مَا تُحِبُّونَ مِنَ الْمَالِ ، أَوْ مَا يَعُمُّهُ وَغَيْرُهُ ، كَبَذْلِ الْجَاهِ فِي مُعَاوَنَةِ النَّاسِ وَالْبَدَنِ فِي طَاعَةِ اللَّهِ وَالْمُهْجَةِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ .

( قَامَ أَبُو طَلْحَةَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ) ، زَادَ فِي رِوَايَةٍ عِنْدَ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ : وَرَسُولُ اللَّهِ عَلَى الْمِنْبَرِ ، ( فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - يَقُولُ : لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَإِنَّ أَحَبَّ أَمْوَالِي إِلَيَّ ) بِشَدِّ الْيَاءِ ( بَيْرُحَاءُ ) خَبَرُ إِنَّ ، ( وَإِنَّهَا صَدَقَةٌ لِلَّهِ أَرْجُو بِرَّهَا ) أَيْ خَيْرَهَا ( وَذُخْرَهَا ) بِضَمِّ الذَّالِ وَإِسْكَانِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَتَيْنِ ، أَيْ أُقَدِّمُهَا فَأَدَّخِرُهَا لِأَجِدَهَا ( عِنْدَ اللَّهِ ) تَعَالَى . وَلِمُسْلِمٍ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ لَمَّا أُنْزِلَتِ الْآيَةُ قَالَ أَبُو طَلْحَةَ : أَرَى رَبَّنَا يَسْأَلُنَا مِنْ أَمْوَالِنَا ، فَأَسْتَشْهِدُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنِّي جَعَلْتُ أَرْضِي بَيْرُحَاءَ لِلَّهِ ، ( فَضَعْهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ حَيْثُ شِئْتَ ) ، وَلِلتَّنِّيسِيِّ وَالْقَعْنَبِيِّ : حَيْثُ أَرَاكَ اللَّهُ ، فَوَّضَ أَبُو طَلْحَةَ تَعْيِينَ مَصْرِفِهَا لَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . لَكِنْ لَا تَصْرِيحَ فِيهِ بِأَنَّهُ جَعَلَهَا وَقْفًا ، وَلِذَا قِيلَ : لَا يَنْهَضُ الِاسْتِدْلَالُ بِهَذِهِ الْقِصَّةِ لِشَيْءٍ مِنْ مَسَائِلِ الْوَقْفِ .

( قَالَ ) أَنَسٌ : ( فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَبَخْ ) بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ وَقَدْ تُنَوَّنُ مَعَ التَّثْقِيلِ وَالتَّخْفِيفِ بِالْكَسْرِ وَبِالرَّفْعِ وَالسُّكُونِ ، وَيَجُوزُ التَّنْوِينُ - لُغَاتٌ ، وَلَوْ كُرِّرَتْ فَالْمُخْتَارُ تَنْوِينُ الْأُولَى وَتَسْكِينُ الثَّانِيَةِ ، وَمَعْنَاهُ تَفْخِيمُ الْأَمْرِ وَالْإِعْجَابُ بِهِ - قَالَهُ الْحَافِظُ . ( ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ ، ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ ) مَرَّتَيْنِ ، قَالَ الْبَاجِيُّ : رَوَاهُ يَحْيَى وَجَمَاعَةٌ بِتَحْتِيَّةٍ وَجِيمٍ ، أَيْ يَرُوحُ ثَوَابُهُ فِي الْآخِرَةِ ، انْتَهَى . وَهُوَ مُخَالِفٌ لِقَوْلِ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ - رَوَاهُ يَحْيَى وَجَمَاعَةٌ : رَابِحٌ ، مِنَ الرِّبْحِ ، أَيْ رَابِحٌ صَاحِبُهُ وَمُعْطِيهِ .

وَرَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ وَغَيْرُهُ بِتَحْتِيَّةٍ ، أَيْ يَرُوحُ عَلَى صَاحِبِهِ بِالْأَجْرِ الْعَظِيمِ ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى عِنْدِي ، انْتَهَى . وَنَحْوُهُ قَوْلُ أَبِي الْعَبَّاسِ الدَّانِيِّ فِي أَطْرَافِ الْمُوَطَّأِ - رَوَاهُ يَحْيَى الْأَنْدَلُسِيُّ بِالْمُوَحَّدَةِ وَالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ ، وَتَابَعَهُ جَمَاعَةٌ ، وَرَوَاهُ يَحْيَى النَّيْسَابُورِيُّ بِالتَّحْتِيَّةِ وَالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ ، وَتَابَعَهُ إِسْمَاعِيلُ وَابْنُ وَهْبٍ ، وَرَوَاهُ الْقَعْنَبِيُّ بِالشَّكِّ ، انْتَهَى . وَمَعْنَى رَابِحٍ بِمُوَحَّدَةٍ : ذُو رِبْحٍ كَلَابِنٍ وَتَامِرٍ ، أَيْ يَرْبَحُ صَاحِبُهُ فِي الْآخِرَةِ ، وَقِيلَ فَاعِلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ ، أَيْ مَالٌ مَرْبُوحٌ فِيهِ ، وَمَعْنَاهُ بِتَحْتِيَّةٍ اسْمُ فَاعِلٍ مِنَ الرَّوَاحِ نَقِيضُ الْغَدِ ، وَأَنَّهُ قَرِيبُ الْفَائِدَةِ يَصِلُ نَفْعُهُ إِلَى صَاحِبِهِ كُلَّ رَوَاحٍ ، لَا يَحْتَاجُ أَنْ يَتَكَلَّفَ فِيهِ إِلَى مَشَقَّةٍ وَسَيْرٍ ، أَوْ يَرُوحُ بِالْأَجْرِ وَيَغْدُو بِهِ ، وَاكْتَفَى بِالرَّوَاحِ عَنِ الْغُدُوِّ لِعِلْمِ السَّامِعِ ، أَوْ مَنْ شَأْنُهُ الرَّوَاحُ وَهُوَ الذَّهَابُ وَالْفَوَاتُ ، فَإِذَا ذَهَبَ فِي الْخَيْرِ فَهُوَ أَوْلَى ، وَادَّعَى الْإِسْمَاعِيلِيُّ أَنَّ رِوَايَةَ التَّحْتِيَّةِ تَصْحِيفٌ .

( وَقَدْ سَمِعْتُ ) أَنَا ( مَا قُلْتَ ) أَنْتَ ( فِيهِ ، وَإِنِّي أَرَى أَنْ تَجْعَلَهَا فِي الْأَقْرَبِينَ ) ، وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ : قَبِلْنَاهُ مِنْكَ ، وَرَدَدْنَاهُ عَلَيْكَ فَاجْعَلْهُ فِي الْأَقْرَبِينَ ، ( فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ : أَفْعَلُ ) بِضَمِّ اللَّامِ مُضَارِعٌ - ( يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَقَسَمَهَا أَبُو طَلْحَةَ فِي أَقَارِبِهِ وَبَنِي عَمِّهِ ) عَطْفُ خَاصٍّ عَلَى عَامٍّ . وَفِي الْبُخَارِيِّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَنَسٍ : فَجَعَلَهَا لِحَسَّانَ وَأُبَيٍّ ، وَأَنَا أَقْرَبُ إِلَيْهِ ، وَلَمْ يَجْعَلْ لِي مِنْهَا ، فَبَاعَ حَسَّانُ ، فَقِيلَ لَهُ : أَتَبِيعُ صَدَقَةَ أَبِي طَلْحَةَ ؟ فَقَالَ : أَلَا أَبِيعُ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ بِصَاعٍ مِنْ دَرَاهِمَ ؟ وَفِي مُرْسَلِ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ : فَرَدَّهُ عَلَى أَقَارِبِهِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ، وَحَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ ، وَأَخِيهِ ، أَوِ ابْنِ أَخِيهِ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ ، وَنُبَيْطِ بْنِ جَابِرٍ ، فَتَقَاوَمُوهُ فَبَاعَ حَسَّانُ حِصَّتَهُ مِنْ مُعَاوِيَةَ بِمِائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ ، أَيْ بَعْدِ ذَلِكَ فِي خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ . قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : رَوَى إِسْمَاعِيلُ الْقَاضِي عَنِ الْقَعْنَبِيِّ عَنْ مَالِكٍ بِلَفْظِ : فَقَسَمَهَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي أَقَارِبِهِ وَبَنِي عَمِّهِ ، أَيْ أَقَارِبِ أَبِي طَلْحَةَ ، وَإِضَافَةُ الْقَسْمِ إِلَى الْمُصْطَفَى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى أَنَّهُ الْآمِرُ بِهِ ، وَإِنْ شَاعَ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ ، لَكِنَّ أَكْثَرَ الرُّوَاةِ لَمْ يَقُولُوا ذَلِكَ ، وَالصَّوَابُ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ عن القعنبي فَقَسَمَهَا أَبُو طَلْحَةَ كَرِوَايَةِ الْجَمَاعَةِ ، وَفِيهِ التَّمَسُّكُ بِالْعُمُومِ ؛ لِأَنَّ أَبَا طَلْحَةَ فَهِمْ مِنَ الْآيَةِ تَنَاوُلَ ذَلِكَ الْجَمْعِ أَفْرَادَهُ ، فَلَمْ يَقِفْ حَتَّى يَرُدَّ عَلَيْهِ الْبَيَانَ عَنْ شَيْءٍ بِعَيْنِهِ بَلْ بَادَرَ إِلَى إِنْفَاقِ مَا يُحِبُّهُ وَأَقَرَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَفِيهِ فَضِيلَةٌ لِأَبِي طَلْحَةَ لِأَنَّ الْآيَةَ تَضَمَّنَتِ الْحَثَّ عَلَى الْإِنْفَاقِ مِنَ الْمَحْبُوبِ ، فَتَرَقَّى هُوَ إِلَى إِنْفَاقِ أَحَبِّ الْمَحْبُوبِ فَصَوَّبَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَشَكَرَ فِعْلَهُ ، ثُمَّ أَمَرَهُ أَنْ يَخُصَّ بِهَا أَهْلَهُ ، وَكَنَّى عَنْ رِضَاهُ بِذَلِكَ بِقَوْلِهِ : بَخْ ، وَزِيَادَةُ صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ عَلَى نِصَابِ الزَّكَاةِ ، خِلَافًا لِمَنْ قَيَّدَهَا بِهِ ، وَصَدَقَةُ الصَّحِيحِ بِأَكْثَرِ مِنْ ثُلُثِهِ ؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَسْتَفْصِلْ أَبَا طَلْحَةَ عَنْ قَدْرِ مَا تَصَدَّقَ بِهِ ، وَقَالَ لِسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ : الثُّلُثُ وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ ، وَفِيهِ جَوَازُ حُبِّ الْمَالِ لِلرَّجُلِ الْفَاضِلِ الْعَالِمِ ، وَأَنَّهُ لَا نَقْصَ عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ ، وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ عَنِ الْإِنْسَانِ بِقَوْلِهِ : ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ ( سورة الْعَادِيَاتِ : الْآيَةُ 8 ) ، وَالْخَيْرُ : الْمَالُ اتِّفَاقًا ، وَفِيهِ غَيْرُ ذَلِكَ .

وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الزَّكَاةِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ ، وَفِي الْوِكَالَةِ عَنْ يَحْيَى النَّيْسَابُورِيِّ ، وَفِي الْوَقْفِ وَفِي الْأَشْرِبَةِ عَنِ الْقَعْنَبِيِّ ، وَفِي التَّفْسِيرِ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي أُوَيْسٍ ، وَمُسْلِمٌ فِي الزَّكَاةِ عَنْ يَحْيَى النَّيْسَابُورِيِّ - أَرْبَعَتُهُمْ عَنْ مَالِكٍ بِهِ ، وَتَابَعَهُ عَبْدُ الْعَزِيزِ الْمَاجِشُونُ عَنْ إِسْحَاقَ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث