بَابُ التَّرْغِيبِ فِي الصَّدَقَةِ
وَحَدَّثَنِي مَالِك ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : أَعْطُوا السَّائِلَ ، وَإِنْ جَاءَ عَلَى فَرَسٍ . 1876 1829 - ( مَالِكٌ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : أَعْطُوا السَّائِلَ ) الَّذِي يَسْأَلُ التَّصَدُّقَ عَلَيْهِ ( وَإِنْ جَاءَ عَلَى فَرَسٍ ) ؛ يَعْنِي لَا تَرُدُّوهُ وَإِنْ جَاءَ عَلَى حَالَةٍ تَدُلُّ عَلَى غِنَاهُ كَرُكُوبِ فَرَسٍ ، فَإِنَّهُ لَوْلَا حَاجَتُهُ لِلسُّؤَالِ مَا بَذَلَ وَجْهَهُ ، بَلْ هَذَا وَشِبْهُهُ مِنَ الْمَسْتُورِينَ الَّذِينَ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ . وَقَدْ حُكِيَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ بَعَثَ مَالًا يُفَرَّقُ بِالرِّقَّةِ ، فَقَالَ لَهُ الَّذِي بَعَثَ مَعَهُ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، تَبْعَثُنِي إِلَى قَوْمٍ لَا أَعْرِفُهُمْ وَفِيهِمْ غَنِيٌّ وَفَقِيرٌ ! فَقَالَ : كُلُّ مَنْ مَدَّ يَدَهُ إِلَيْكَ فَأَعْطِهِ .
وَزُعِمَ أَنَّ الْمُرَادَ وَإِنْ جَاءَ عَلَى فَرَسٍ يَطْلُبُ عَلَفَهُ وَطَعَامَهُ - تَعَسُّفٌ رَكِيكٌ . قَالَ الْحَرَّانِيُّ : وَلَوْ فِي مِثْلِهِ تَجِيءُ مُنَبِّهَةً عَلَى أَنَّ مَا قَبْلَهَا جَاءَ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِقْصَاءِ ، وَمَا بَعْدَهَا جَاءَ نَصًّا عَلَى الْحَالَةِ الَّتِي يُظَنُّ أَنَّهَا لَا تَنْدَرِجُ فِيمَا قَبْلَهَا ، فَكَوْنُهُ عَلَى فَرَسٍ يُؤْذِنُ بِغِنَاهُ فَلَا يَلِيقُ إِعْطَاؤُهُ دَفْعًا لِلتَّوَهُّمِ . وَقَالَ أَبُو حَيَّانِ : هَذِهِ الْوَاوُ لِعَطْفِ حَالٍ عَلَى حَالٍ مَحْذُوفَةٍ تَضَمَّنَهَا السَّابِقُ ، وَالْمَعْنَى أَعْطُوهُ كَائِنًا مَنْ كَانَ ، وَلَا تَجِيءُ هَذِهِ الْحَالُ إِلَّا مُنَبِّهَةً عَلَى مَا يُتَوَهَّمُ أَنَّهُ لَا يَنْدَرِجُ تَحْتَ عُمُومِ الْحَالِ الْمَحْذُوفَةِ فَأُدْرِجَ تَحْتَهُ ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يَحْسُنُ أَعْطِ السَّائِلَ وَلَوْ كَانَ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا ، انْتَهَى .
وَمَقْصُودُ الْحَدِيثِ الْحَثُّ عَلَى إِعْطَاءِ السَّائِلِ وَإِنْ جَلَّ ، وَلَوْ مَا قَلَّ كَمَا يُفِيدُهُ حَذْفُ الْمُتَعَلِّقِ ، لَكِنْ إِذَا وَجَدَهُ وَلَمْ يُعَارِضْهُ مَا هُوَ أَهَمُّ ، وَإِلَّا فَلَا ضَيْرَ فِي رَدِّهِ كَمَا يُفِيدُهُ أَحَادِيثُ أُخَرُ . قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : لَا أَعْلَمُ فِي إِرْسَالِ هَذَا الْحَدِيثِ خِلَافًا عَنْ مَالِكٍ ، وَلَيْسَ فِيهِ مُسْنَدٌ يُحْتَجُّ بِهِ فِيمَا أَعْلَمُ ، انْتَهَى . وَقَدْ وَصَلَهُ ابْنُ عَدِيٍّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَلَكِنَّ عَبْدَ اللَّهِ ضَعِيفٌ ، نَعَمْ لَهُ شَاهِدٌ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَقَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ مَرْفُوعًا : لِلسَّائِلِ حَقٌّ وَإِنْ جَاءَ عَلَى فَرَسٍ ، وَسَنَدُهُ جَيِّدٌ - قَالَهُ الْعِرَاقِيُّ وَغَيْرُهُ .
وَلَكِنْ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : سَنَدُهُ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ . وَجَاءَ بِلَفْظِ الْمُوَطَّأِ وَجْهٌ آخَرُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ ابْنِ عَدِيٍّ وَضَعَّفَهُ ، وَمِنْ وَجْهٍ آخَرَ عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمُرْسَلَ صَحِيحٌ ، وَتَتَقَوَّى رِوَايَةُ الْوَصْلِ بِتَعَدُّدِ الطُّرُقِ وَاعْتِضَادِهَا بِالْمُرْسَلِ .