بَابُ مَا يُتَّقَى مِنْ دَعْوَةِ لْمَظْلُومِ
1890 1843 - ( مَالِكٌ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ) فِي خِلَافَتِهِ ( اسْتَعْمَلَ مَوْلًى لَهُ يُدْعَى ) يُسَمَّى ( هُنَيًّا ) بِضَمِّ الْهَاءِ وَفَتْحِ النُّونِ وَشَدِّ التَّحْتِيَّةِ وَقَدْ تُهْمَزُ ، قَالَ فِي الْفَتْحِ : لَمْ أَرَ مَنْ ذَكَرَهُ فِي الصَّحَابَةِ مَعَ إِدْرَاكِهِ ، وَوَجَدْتُ لَهُ رِوَايَةً عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعَمْرِو بْنِ الْعَاصِي ، رَوَى عَنْهُ ابْنَهُ عُمَيْرٌ وَشَيْخٌ مِنَ الْأَنْصَارِ وَغَيْرُهُمَا ، وَشَهِدَ صِفَّينَ مَعَ مُعَاوِيَةَ ، ثُمَّ تَحَمَّلَ إِلَى عَلِيٍّ لَمَّا قُتِلَ عَمَّارٌ ، وَفِي كِتَابِ مَكَّةَ لِعُمَرَ بْنِ شَبَّةَ أَنَّ آلَ هُنَيٍّ يُنْسَبُونَ فِي هَمْدَانَ وَهُمْ مَوَالِي آلِ عُمَرَ ، وَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْفُضَلَاءِ النُّبَلَاءِ الموثق بِهِمْ لِمَا اسْتَعْمَلَهُ عُمَرَ ( عَلَى الْحِمَى ) بِكَسْرِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الْمِيمِ مَقْصُورٌ ؛ مَوْضِعٌ يُعَيِّنُهُ الْإِمَامُ لِنَحْوِ نَعَمِ الصَّدَقَةِ مَمْنُوعًا مِنَ الْغَيْرِ ، وَلِابْنِ سَعْدٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ هُنَيٍّ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ كَانَ عَلَى حِمَى الرَّبْذَةِ ، ( فَقَالَ ) عُمَرُ ( لَهُ : يَا هُنَيُّ ، اضْمُمْ جَنَاحَكَ عَنِ النَّاسِ ) أَيِ اكْفُفْ يَدَكَ عَنْ ظُلْمِهِمْ . وَلِلْأُوَيْسِيِّ عَنْ مَالِكٍ فِي غَرَائِبِ الدَّارَقُطْنِيِّ : اضْمُمْ جَنَاحَكَ لِلنَّاسِ ، وَعَلَى هَذَا فَمَعْنَاهُ اسْتُرْهُمْ بِجَنَاحِكَ ، وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنِ الرَّحْمَةِ وَالشَّفَقَةِ . ( وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ ) أَيِ اجْتَنِبِ الظُّلْمَ لِئَلَّا يَدْعُوَ عَلَيْكَ مَنْ تَظْلِمُهُ ، وَذَلِكَ مُسْتَلْزِمٌ لِتَجَنُّبِ جَمِيعِ أَنْوَاعِ الظُّلْمِ عَلَى أَبْلَغِ دَرَجَةٍ ، وَأَوْجَزِ إِشَارَةٍ ، وَأَفْصَحِ عِبَارَةٍ كَأَنَّهُ إِذَا اتَّقَى دُعَاءَ الْمَظْلُومِ ، لَمْ يَظْلِمْ ، فَهُوَ أَبْلَغُ مِنْ أَنْ لَوْ قَالَ : لَا تَظْلِمْ ، ( فَإِنَّ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ مُجَابَةٌ ) ، أَيْ مَقْبُولَةٌ ، وَإِنْ كَانَ عَاصِيًا كَمَا فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَعِنْدَ أَحْمَدَ مَرْفُوعًا : دَعْوَةُ الْمَظْلُومِ مُسْتَجَابَةٌ وَإِنْ كَانَ فَاجِرًا ، فَفُجُورُهُ عَلَى نَفْسِهِ ، وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ ، وَإِنْ كَانَ كَافِرًا ، كَمَا مَرَّ فِي خَبَرِ أَنَسٍ .
وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى : وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلا فِي ضَلالٍ ( سورة غَافِرٍ : الْآيَةُ 50 ) فَذَاكَ فِي دُعَائِهِمْ لِلنَّجَاةِ مِنْ نَارِ الْآخِرَةِ ، أَمَّا دُعَاؤُهُمْ لِطَلَبِ الِانْتِصَافِ مِمَّنْ ظَلَمَهُمْ فِي الدُّنْيَا كَمَا فِي الْحَدِيثِ فَلَا تُنَافِيهِ الْآيَةُ . ( وَأَدْخِلْ ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ ، وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ ، وَكَسْرِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ ، حُذِفَ مُتَعَلِّقُهُ ، أَيْ فِي الرَّعْيِ ، ( رَبَّ ) أَيْ صَاحِبَ ( الصُّرَيْمَةِ ) بِضَمِّ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ ، وَفَتْحِ الرَّاءِ ، الْقِطْعَةُ الْقَلِيلَةُ مِنَ الْإِبِلِ نَحْوُ الثَّلَاثِينَ ، وَقِيلَ : مِنْ عِشْرِينَ إِلَى أَرْبَعِينَ . ( وَالْغُنَيْمَةِ ) بِضَمِّ الْمُعْجَمَةِ ، وَفَتْحِ النُّونِ تَصْغِيرُ غَنَمٍ ، قِيلَ : إِنَّهَا أَرْبَعُونَ ، وَالْمُرَادُ الْقَلِيلُ مِنْهَا ، كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ التَّصْغِيرُ ، ( وَإِيَّايَ وَنَعَمَ ) عُثْمَانَ ( بْنِ عَفَّانَ وَ ) نَعَمَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ( بْنِ عَوْفٍ ) وَفِيهِ تَحْذِيرُ الْمُتَكَلِّمِ نَفْسَهُ ، وَهُوَ شَاذٌّ عِنْدَ النُّحَاةِ كَذَا قِيلَ ، وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الشُّذُوذَ فِي لَفْظِهِ ، وَإِلَّا فَالْمُرَادُ فِي التَّحْقِيقِ ، إِنَّمَا هُوَ تَحْذِيرُ الْمُخَاطَبِ ، وَكَأَنَّهُ بِتَحْذِيرِ نَفْسِهِ حَذَّرَهُ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى فَيَكُونُ أَبْلَغَ ، وَنَحْوُهُ نَهْيُ الْمَرْءِ نَفْسَهُ ، وَمُرَادُهُ نَهْيُ مَنْ يُخَاطِبُهُ قَالَهُ الْحَافِظُ ، قَالَ : وَخَصَّهُمَا بِالذِّكْرِ عَلَى طَرِيقِ الْمِثَالِ لِكَثْرَةِ نَعَمِهِمَا ، لِأَنَّهُمَا كَانَا مِنْ مَيَاسِيرِ الصَّحَابَةِ ، وَلَمْ يُرِدْ مَنْعَهُمَا الْبَتَّةَ ، وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَسْمَحْ لِرَعْيِ نَعَمِ أَحَدِ الْفَرِيقَيْنِ فَنَعَمُ الْمُقِلِّينَ أَوْلَى ، فَنَهَى عَنْ إِيثَارِهِمَا عَلَى غَيْرِهِمَا ، أَوْ تَقْدِيمِهِمَا قَبْلَ غَيْرِهِمَا ، وَبَيَّنَ حِكْمَةَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ : ( فَإِنَّهُمَا إِنْ يهْلِكْ ) - بِكَسْرِ اللَّامِ - ( مَاشِيَتُهُمَا يَرْجِعَانِ إِلَى الْمَدِينَةِ إِلَى ) غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَمْوَالِهِمَا مِنْ ( زَرْعٍ وَنَخْلٍ ) وَغَيْرِهِمَا ، ( وَإِنَّ رَبَّ الصُّرَيْمَةِ وَالْغُنَيْمَةِ إِنْ تَهْلِكْ مَاشِيَتُهُ يَأْتِنِي ) مَجْزُومٌ بِحَذْفِ الْيَاءِ ( بِبَنِيهِ ) بِنُونٍ فَتَحْتِيَّةٍ ، جَمْعُ ابْنٍ ، وَفِي رِوَايَةٍ : بِتَحْتِيَّةٍ فَفَوْقِيَّةٍ مُفْرَدُ بُيُوتٍ ، قَالَ الْحَافِظُ : وَالْمَعْنَى مُتَقَارِبٌ ( فَيَقُولُ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ) مَرَّتَيْنِ ، وَحُذِفَ الْمَقُولُ لِدَلَالَةِ السِّيَاقِ عَلَيْهِ ، وَلِأَنَّهُ لَا يَتَعَيَّنُ فِي لَفْظٍ ، أَيْ أَنَا فَقِيرٌ أَنَا أَحَقُّ ، وَنَحْوُ ذَلِكَ .
( أَفَتَارِكُهُمْ أَنَا ) اسْتِفْهَامُ إِنْكَارٍ مَعْنَاهُ : لَا أَتْرُكُهُمْ مُحْتَاجِينَ ، وَلَا أُجَوِّزُ ذَلِكَ ، فَلَا بُدَّ لِي مِنْ إِعْطَاءِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ لَهُمْ بَدَلَ الْمَاءِ وَالْكَلَأِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ ، ( لَا أَبَا لَكَ ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ ، وَالْمُوَحَّدَةِ بِلَا تَنْوِينٍ ؛ لِأَنَّهُ صَارَ شَبِيهًا بِالْمُضَافِ ، وَأَصْلُهُ لَا أَبَ لَكَ ، وَظَاهِرُهُ الدُّعَاءُ عَلَيْهِ ، لَكِنَّهُ عَلَى مَجَازِهِ لَا حَقِيقَتِهِ . ( فَالْمَاءُ وَالْكَلَأُ أَيْسَرُ ) أَهْوَنُ ( عَلَيَّ مِنَ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ ) الْفِضَّةِ ، أَيْ مِنْ إِنْفَاقِهِمَا لَهُمْ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُعَارِضُهُ عَارِضٌ فِي مُهِمٍّ آخَرَ ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : وَفِيهِ مَا كَانَ عَلَيْهِ عُمَرُ مِنَ التُّقَى ، وَأَنَّهُ لَا يَخَافُ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُدَاهِنْ عُثْمَانَ ، وَلَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ ، وَلَا آثَرَ الضُّعَفَاءَ وَالْمَسَاكِينِ ، وَبَيَّنَ وَجْهَ ذَلِكَ ، وَامْتَثَلَ قَوْلَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَا حِمَى إِلَّا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ ، يَعْنِي إِبِلَ الصَّدَقَةِ . ( وَايْمُ اللَّهِ إِنَّهُمْ ) أَيْ أَرْبَابَ الْمَوَاشِي الْقَلِيلَةِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ، وَقَرَأَهَا ( لَيُرَوْنَ ) بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ ، أَيْ يَظُنُّونَ ، وَبِفَتْحِهَا ، أَيْ يَعْتَقِدُونَ ( أَنْ قَدْ ظَلَمْتُهُمْ ) قَالَ ابْنُ التِّينِ : يُرِيدُ أَرْبَابَ الْمَوَاشِي الْكَثِيرَةِ ، قَالَ الْحَافِظُ : وَالَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّهُ يُرِيدُ أَرْبَابَ الْمَوَاشِي الْقَلِيلَةِ لِأَنَّهُمُ الْمُعْظَمُ وَالْأَكْثَرُ ، وَهُمْ أَهْلُ تِلْكَ الْبِلَادِ مِنْ بَوَادِي الْمَدِينَةِ ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُ عُمَرَ : ( إِنَّهَا لَبِلَادُهُمْ وَمِيَاهُهُمْ قَاتَلُوا عَلَيْهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، وَأَسْلَمُوا عَلَيْهَا فِي الْإِسْلَامِ ) فَكَانَتْ لَهُمْ ، وَإِنَّمَا سَاغَ لِعُمَرَ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ كَانَ مَوَاتًا ، فَحَمَاهُ لِنَعَمِ الصَّدَقَةِ ، وَلِمَصْلَحَةِ عُمُومِ الْمُسْلِمِينَ ، وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ فِي الطَّبَقَاتِ عَنْ مَعْنِ بْنِ عِيسَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ أَبِيهِ : أَنَّ عُمَرَ أَتَاهُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ ، فَقَالَ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، بِلَادُنَا قَاتَلْنَا عَلَيْهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، وَأَسْلَمْنَا عَلَيْهَا فِي الْإِسْلَامِ ، بِمَ تُحْمَى عَلَيْنَا ؟ فَجَعَلَ عُمَرُ يَنْفُخُ وَيَفْتِلُ شَارِبَهُ .
وَأَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي الْغَرَائِبِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ ، عَنْ مَالِكٍ بِنَحْوِهِ ، وَزَادَ : فَلَمَّا رَأَى الرَّجُلُ ذَلِكَ . إِلَخْ ، فَلَمَّا أَكْثَرَ عَلَيْهِ قَالَ : الْمَالُ مَالُ اللَّهِ ، وَالْعِبَادُ عِبَادُ اللَّهِ مَا أَنَا بِفَاعِلٍ . وَقَالَ ابْنُ التِّينِ : لَمْ يَدْخُلِ ابْنُ عَفَّانَ وَلَا ابْنُ عَوْفٍ فِي قَوْلِهِ : قَاتَلُوا عَلَيْهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، فَالْكَلَامُ عَائِدٌ عَلَى عُمُومِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لَا عَلَيْهِمَا .
وَقَالَ الْمُهَلَّبُ : إِنَّمَا قَالَ عُمَرُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ أَهْلَ الْمَدِينَةِ أَسْلَمُوا عَفْوًا ، فَكَانَتْ أَمْوَالُهُمْ لَهُمْ ، وَلِذَا سَاوَمَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَنِي النَّجَّارِ بِمَكَانِ مَسْجِدِهِ ، قَالَ : فَاتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ مَنْ أَسْلَمَ مِنْ أَهْلِ الصُّلْحِ ، فَهُوَ أَحَقُّ بِأَرْضِهِ ، وَمَنْ أَسْلَمَ مِنْ أَهْلِ الْعَنْوَةِ ، فَأَرْضُهُ لِلْمُسْلِمِينَ ؛ لِأَنَّ أَهْلَ الْعَنْوَةِ غُلِبُوا عَلَى بِلَادِهِمْ ، كَمَا غُلِبُوا عَلَى أَمْوَالِهِمْ ، بِخِلَافِ أَهْلِ الصُّلْحِ فِي ذَلِكَ . وَفِي نَقْلِ الِاتِّفَاقِ نَظَرٌ ؛ لِأَنَّ الْحَنَفِيَّةَ يَقُولُونَ : إِذَا أَسْلَمَ الْحَرْبِيُّ فِي دَارِ الْحَرْبِ ، وَأَقَامَ بِهَا حَتَّى غَلَبَ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهَا ، فَهُوَ أَحَقُّ بِجَمِيعِ أَمْوَالِهِ ، إِلَّا أَرْضَهُ وَعَقَارَهُ فَفَيْءٌ لِلْمُسْلِمِينَ ، وَخَالَفَهُمْ أَبُو يُوسُفَ ، فَوَافَقَ الْجُمْهُورَ ، وَالْمُهَلَّبُ وَمَنْ بَعْدَهُ حَمَلُوا الْأَرْضَ عَلَى أَرْضِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ الَّتِي أَسْلَمَ أَهْلُهَا ، وَهِيَ فِي مِلْكِهم ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ ذَلِكَ هُنَا ، وَإِنْ حَمَى عُمَرُ بَعْضَ الْمَوَاتِ مِمَّا فِيهِ نَبَاتٌ مِنْ غَيْرِ مُعَالِجَةِ أَحَدٍ ، وَخَصَّ إِبِلَ الصَّدَقَةِ ، وَخُيُولَ الْمُجَاهِدِينَ وَأَذِنَ لِمَنْ كَانَ مُقِلًّا أَنْ يَرْعَى فِيهِ مَوَاشِيَهُ رِفْقًا بِهِ فَلَا حُجَّةَ فِيهِ لِلْمُخَالِفِ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : يُرَوْنَ أَنْ قَدْ ظَلَمْتُهُمْ فَإِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُمْ يَدَّعُونَ أَنَّهُمْ أَوْلَى بِهَا ، لَا أَنَّهُمْ مُنِعُوا حَقَّهَمُ الْوَاجِبَ لَهُمْ ، انْتَهَى .
( وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْلَا الْمَالُ الَّذِي أَحْمِلُ عَلَيْهِ ) أَيِ الْإِبِلُ وَالْخَيْلُ الَّتِي كَانَ يَحْمِلُ عَلَيْهَا مَنْ لَا يَجِدُ مَا يَرْكَبُ ( فِي سَبِيلِ اللَّهِ ) الْجِهَادِ ( مَا حَمَيْتُ عَلَيْهِمْ مِنْ بِلَادِهِمْ شِبْرًا ) وَجَاءَ عَنْ مَالِكٍ : أَنَّ عِدَّةَ مَا كَانَ فِي الْحِمَى فِي عَهْدِ عُمَرَ بَلَغَ أَرْبَعِينَ أَلْفًا مِنْ إِبِلٍ وَخَيْلٍ وَغَيْرِهِمَا . وَفِي الْحَدِيثِ : مَا كَانَ عَلَيْهِ عُمَرُ مِنَ الْقُوَّةِ ، وَجَوْدَةِ النَّظَرِ وَالشَّفَقَةِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ . وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْجِهَادِ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي أُوَيْسٍ ، عَنْ مَالِكٍ بِهِ ، وَوَقَعَ فِي فَتْحِ الْبَارِي ، وَهَذَا الْحَدِيثُ لَيْسَ فِي الْمُوَطَّأِ ، قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : هُوَ حَدِيثٌ غَرِيبٌ صَحِيحٌ ، انْتَهَى .
وَإِنَّ هَذَا لِشَيْءٌ عُجَابٌ نَفَى كَوْنَهُ فِي الْمُوَطَّأِ ، لَكِنَّ الْجَوَادَ قَدْ يَكْبُو ، وَالْكَمَالُ لِلَّهِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .