حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
الإصابة في تمييز الصحابة

الفصل الثاني في الطريق إلى معرفة كون الشخص صحابيا

الفصل الثاني : في الطريق إلى معرفة كون الشخص صحابيا وذلك بأشياء ؛ أولها : أن يثبت بطريق التواتر أنه صحابي ، ثم بالاستفاضة والشهرة ، ثم بأن يروى عن آحاد الصحابة أن فلانا له صحبة مثلا ، وكذا عن آحاد التابعين بناء على قبول التزكية من واحد ، وهو الراجح ، ثم بأن يقول هو إذا كان ثابت العدالة والمعاصرة : أنا صحابي . أما الشرط الأول وهو العدالة ، فجزم به الآمدي وغيره ؛ لأن قوله قبل أن تثبت عدالته : أنا صحابي ، أو ما يقوم مقام ذلك ، يلزم من قبول قوله إثبات عدالته ؛ لأن الصحابة كلهم عدول ، فيصير بمنزلة قول القائل : أنا عدل ، وذلك لا يقبل . وأما الشرط الثاني : وهو المعاصرة ، فيعتبر بمضي مائة سنة وعشر سنين من هجرة النبي - صلى الله عليه وسلم - لقوله صلى الله عليه وسلم في آخر عمره لأصحابه : أرأيتكم ليلتكم هذه ؟ فإن على رأس مائة سنة منها لا يبقى على وجه الأرض ممن هو اليوم عليها أحد .

رواه البخاري ومسلم من حديث ابن عمر ، زاد مسلم من حديث جابر أن ذلك كان قبل موته - صلى الله عليه وسلم - بشهر ولفظه : سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول قبل أن يموت بشهر : أقسم بالله ما على الأرض من نفس منفوسة اليوم ، يأتي عليها مائة سنة ، وهي حية يومئذ ، ولهذه النكتة لم تصدق الأئمة أحدا ادعى الصحبة بعد الغاية المذكورة ، وقد ادعاها جماعة فكذبوا ، وكان آخرهم رتن الهندي على ما سنذكر تراجمهم كلهم في القسم الرابع ؛ لأن الظاهر كذبهم في دعواهم على ما قررته . ثم من لم يعرف حاله إلا من جهة نفسه فمقتضى كلام الآمدي الذي سبق ومن تبعه ألا تثبت صحبته ، ونقل أبو الحسن ابن القطان فيه الخلاف ، ورجح عدم الثبوت ، وأما ابن عبد البر فجزم بالقبول بناء على أن الظاهر سلامته من الجرح ، وقوى ذلك بتصرف أئمة الحديث في تخريجهم أحاديث هذا الضرب في مسانيدهم ، ولا ريب في انحطاط رتبة من هذا سبيله عمن مضى ، ومن صور هذا الضرب أن يقول التابعي : أخبرني فلان - مثلا - أنه سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول ، سواء أسماه أم لا . أما إذا قال : أخبرني رجل - مثلا - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بكذا ، فثبوت الصحبة بذلك بعيد لاحتمال الإرسال ، ويحتمل التفرقة بين أن يكون القائل من كبار التابعين فيترجح القبول أو صغارهم ، فيترجح الرد ، ومع ذلك فلم يتوقف من صنف في الصحابة في إخراج من هذا سبيله في كتبهم ، والله أعلم .

ضابط يستفاد من معرفته صحبة جمع كثير يكتفى فيهم بوصف يتضمن أنهم صحابة ، وهو مأخوذ من ثلاثة آثار : الأول : أخرج ابن أبي شيبة من طريق لا بأس به قال : كانوا لا يؤمرون في المغازي إلا الصحابة ، فمن تتبع الأخبار الواردة في الردة والفتوح وجد من ذلك شيئا كثيرا ، وهم من القسم الأول . الثاني : أخرج الحاكم من حديث عبد الرحمن بن عوف ، قال : كان لا يولد لأحد مولود إلا أتى به النبي - صلى الله عليه وسلم - فدعا له ، وهذا يؤخذ منه شيء كثير أيضا ، وهم من القسم الثاني . الثالث : وأخرج ابن عبد البر من طريق قال : لم يبق بمكة والطائف أحد في سنة عشر إلا أسلم ، وشهد حجة الوداع .

هذا وهم في نفس الأمر عدد لا يحصون ، لكن يعرف الواحد منهم بوجود ما يقتضي أنه كان في ذلك الوقت موجودا ، فيلحق بالقسم الأول أو الثاني لحصول رؤيتهم للنبي - صلى الله عليه وسلم - وإن لم يرهم هو ، والله أعلم .

موقع حَـدِيث