الفصل الثالث في بيان حال الصحابة من العدالة
الفصل الثالث : في بيان حال الصحابة من العدالة اتفق أهل السنة على أن الجميع عدول ، ولم يخالف في ذلك إلا شذوذ من المبتدعة ، وقد ذكر الخطيب في الكفاية فصلا نفيسا في ذلك . فقال : عدالة الصحابة ثابتة معلومة بتعديل الله لهم ، وإخباره عن طهارتهم واختياره لهم ؛ فمن ذلك قوله تعالى : كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ وقوله : وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا وقوله : لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ وقوله : وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وقوله : ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾وقوله : ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ ﴾إلى قوله : إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ في آيات كثيرة يطول ذكرها ، وأحاديث شهيرة يكثر تعدادها ، وجميع ذلك يقتضي القطع بتعديلهم ، ولا يحتاج أحد منهم مع تعديل الله له إلى تعديل أحد من الخلق على أنه لو لم يرد من الله ورسوله فيهم شيء مما ذكرناه ، لأوجبت الحال التي كانوا عليها من الهجرة والجهاد ونصرة الإسلام وبذل المهج والأموال ، وقتل الآباء والأولاد ، والمناصحة في الدين وقوة الإيمان واليقين ، القطع على تعديلهم ، والاعتقاد لنزاهتهم ، وأنهم أفضل من جميع الخالفين بعدهم ، والمعدلين الذين يجيئون من بعدهم . هذا مذهب كافة العلماء ، ومن يعتمد قوله .
ثم روى بسنده إلى أبي زرعة الرازي ، قال : إذا رأيت الرجل ينتقص أحدا من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاعلم أنه زنديق ، وذلك أن الرسول حق ، والقرآن حق ، وما جاء به حق ، وإنما أدى إلينا ذلك كله الصحابة ، وهؤلاء يريدون أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسنة ، والجرح بهم أولى وهم زنادقة . انتهي . والأحاديث الواردة في تفضيل الصحابة كثيرة ، من أدلها على المقصود ما رواه الترمذي ، وابن حبان في صحيحه من حديث عبد الله بن مغفل قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : الله الله في أصحابي ، لا تتخذوهم غرضا ، فمن أحبهم فبحبي أحبهم ، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم ، ومن آذاهم فقد آذاني ، ومن آذاني فقد آذى الله ، ومن آذى الله فيوشك أن يأخذه .
وقال أبو محمد بن حزم : الصحابة كلهم من أهل الجنة قطعا ، قال الله تعالى : لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وقال تعالى : ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ ﴾فثبت أن الجميع من أهل الجنة ، وأنه لا يدخل أحد منهم النار ؛ لأنهم المخاطبون بالآية السابقة ، فإن قيل : التقييد بالإنفاق والقتال يخرج من لم يتصف بذلك ، وكذلك التقييد بالإحسان في الآية السابقة ، وهي قوله - تعالى - : وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ الآية . يخرج من لم يتصف بذلك ، وهي من أصرح ما ورد في المقصود ، ولهذا قال المازري في شرح البرهان : لسنا نعني بقولنا : الصحابة عدول . كل من رآه - صلى الله عليه وسلم - يوما ما ، أو زاره لماما ، أو اجتمع به لغرض ، وانصرف عن كثب ، وإنما نعني به الذين لازموه ، وعزروه ونصروه ، واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون .
والجواب عن ذلك : أن التقييدات المذكورة خرجت مخرج الغالب ، وإلا فالمراد من اتصف بالإنفاق والقتال بالفعل ، أو القوة . وأما كلام المازري فلم يوافق عليه ، بل اعترضه جماعة من الفضلاء ، وقال الشيخ صلاح الدين العلائي : هو قول غريب ، يخرج كثيرا من المشهورين بالصحبة والرواية عن الحكم بالعدالة ؛ كوائل بن حجر ، ومالك بن الحويرث ، وعثمان بن أبي العاصي ، وغيرهم ممن وفد عليه - صلى الله عليه وسلم - ولم يقم عنده إلا قليلا وانصرف ، وكذلك من لم يعرف إلا برواية الحديث الواحد ، ولم يعرف مقدار إقامته من أعراب القبائل ، والقول بالتعميم هو الذي صرح به الجمهور ، وهو المعتبر ، والله سبحانه وتعالى أعلم . وقد كان تعظيم الصحابة ، ولو كان اجتماعهم به - صلى الله عليه وسلم - قليلا مقررا عند الخلفاء الراشدين ، وغيرهم ، فمن ذلك ما قرأت في كتاب أخبار الخوارج تأليف محمد بن قدامة المروزي بخط بعض من سمعه منه في سنة سبع وأربعين ومائتين قال : حدثنا علي بن الجعد ، قال : حدثنا زهير هو الجعفي ، عن الأسود بن قيس ، عن نبيح العنزي ، قال : كنت عند أبي سعيد الخدري ، وقرأت على أبي الحسن علي بن أحمد المرداوي بدمشق عن زينب بنت الكمال ، سماعا ، عن يحيى بن القميرة ، إجازة ، عن شهدة الكاتبة ، سماعا ، قالت : أخبرنا الحسين بن أحمد بن طلحة ، أخبرنا أبو عمر بن مهدي ، حدثنا محمد بن أحمد بن يعقوب ، حدثنا جدي يعقوب بن شيبة ، حدثنا محمد بن سعيد القزويني أبو سعيد ، حدثنا أبو خيثمة زهير بن معاوية الجعفي ، عن الأسود - يعني : ابن قيس - عن نبيح - يعني العنزي - عن أبي سعيد الخدري ، قال : كنا عنده ، وهو متكئ فذكرنا عليا ومعاوية ، فتناول رجل معاوية ، فاستوى أبو سعيد الخدري جالسا ، ثم قال : كنا ننزل رفاقا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فكنا في رفقة فيها أبو بكر ، فنزلنا على أهل أبيات ، وفيهم امرأة حبلى ، ومعنا رجل من أهل البادية ، فقال للمرأة الحامل : أيسرك أن تلدي غلاما ؟ قالت : نعم .
قال : إن أعطيتني شاة ولدت غلاما فأعطته ، فسجع لها أسجاعا ، ثم عمد إلى الشاة ، فذبحها وطبخها ، وجلسنا نأكل منها ، ومعنا أبو بكر ، فلما علم بالقصة قام فتقيأ كل شيء أكله . قال : ثم رأيت ذلك البدوي قد أتي به عمر بن الخطاب ، وقد هجا الأنصار فقال لهم عمر : لولا أن له صحبة من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما أدري ما نال فيها لكفيتكموه ، ولكن له صحبة من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . لفظ علي بن الجعد ، ورجال هذا الحديث ثقات ، وقد توقف عمر عن معاتبته ، فضلا عن معاقبته ؛ لكونه علم أنه لقي النبي - صلى الله عليه وسلم - .
وفي ذلك أبين شاهد على أنهم كانوا يعتقدون أن شأن الصحبة لا يعدله شيء ، كما ثبت في الصحيحين ، عن أبي سعيد من قوله - صلى الله عليه وسلم - : والذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ، ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه . وتواتر عنه - صلى الله عليه وسلم - قوله : خير الناس قرني ، ثم الذين يلونهم . وقال بهز بن حكيم ، عن أبيه ، عن جده ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : أنتم توفون سبعين أمة ، أنتم خيرها وأكرمها على الله - عز وجل - .
وروى البزار في مسنده بسند رجاله موثقون ، من حديث سعيد بن المسيب ، عن جابر ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إن الله اختار أصحابي على العالمين ، سوى النبيين والمرسلين . وقال عبد الله بن هاشم الطوسى : حدثنا وكيع ، سمعت سفيان يقول في قوله تعالى : قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى قال : هم أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - والأخبار في هذا كثيرة جدا ، فلنقتصر على هذا القدر ففيه مقنع . فائدة : أكثر الصحابة فتوى مطلقا سبعة : عمر ، وعلي ، وابن مسعود ، وابن عمر ، وابن عباس ، وزيد بن ثابت ، وعائشة .
قال ابن حزم : يمكن أن يجمع من فتيا كل واحد من هؤلاء مجلد ضخم ، قال : ويليهم عشرون ؛ وهم : أبو بكر وعثمان وأبو موسى ومعاذ وسعد بن أبي وقاص وأبو هريرة وأنس وعبد الله بن عمرو بن العاصي وسلمان وجابر وأبو سعيد وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف وعمران بن حصين وأبو بكرة وعبادة بن الصامت ومعاوية وابن الزبير وأم سلمة ، قال : يمكن أن يجمع من فتيا كل واحد منهم جزء صغير ، قال : وفي الصحابة نحو من مائة وعشرين نفسا مقلون في الفتيا جدا ، لا يروى عن الواحد منهم إلا المسألة والمسألتان والثلاث ، يمكن أن يجمع من فتيا جميعهم جزء صغير بعد البحث كأُبي بن كعب ، وأبي الدرداء ، وأبي طلحة ، والمقداد ، وغيرهم ، وسرد الباقين . قلت : وسأذكر في ترجمة كل من ذكره من هذا القسم ، أن ابن حزم ذكر أنه من فقهاء الصحابة ، فإن ذلك من جملة المناقب . وقد جعلت على كل اسم أوردته زائدا على ما في تجريد الذهبي وأصله .
والله المسؤول أن يهدينا سواء الطريق ، وأن يسلك بنا مسالك أولي التحقيق . وأن يرزقنا التسديد والتوفيق . وأن يجعلنا في الذين أنعم عليهم مع خير فريق وأعلى رفيق .
آمين آمين .