ذكر من ذهب إلى أن الخضر مات
ذكر من ذهب إلى أن الخضر مات نقل أبو بكر النقاش في تفسيره عن علي بن موسى الرضا ، وعن محمد بن إسماعيل البخاري أن الخضر مات ، وأن البخاري سئل عن حياة الخضر ، فأنكر ذلك ، واستدل بالحديث : إن على رأس مائة سنة لا يبقى على وجه الأرض ممن هو عليها أحد . وهذا أخرجه هو في الصحيح عن ابن عمر ، وهو عمدة من تمسك بأنه مات ، وأنكر أن يكون باقيا . وقال أبو حيان في تفسيره : الجمهور على أنه مات ، ونقل عن ابن أبي الفضل المرسي أن الخضر صاحب موسى مات ؛ لأنه لو كان حيا لزمه المجيء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - والإيمان به واتباعه ، وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : لو كان موسى حيا ما وسعه إلا اتباعي ، وأشار إلى أن الخضر غير صاحب موسى ، وقال غيره : لكل زمان خضر ، وهي دعوى لا دليل عليها ، ونقل أبو الحسين بن المنادي في كتابه الذي جمعه في ترجمة الخضر عن إبراهيم الحربي أن الخضر مات ، وبذلك جزم ابن المنادي المذكور .
ونقل أيضا عن علي بن موسى الرضا عن سالم بن عبد الله بن عمر ، عن أبيه ، قال : صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذات ليلة صلاة العشاء في آخر حياته ، فلما سلم قال : أرأيتكم ليلتكم هذه ، فإن على رأس مائة سنة لا يبقى على وجه الأرض أحد ، أخرجاه . وأخرجه مسلم من حديث جابر قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قبل موته بشهر : تسألوني الساعة ، وإنما علمها عند الله ، أقسم بالله ما على الأرض نفس منفوسة يأتي عليها مائة سنة . هذه رواية أبي الزبير عنه ، وفي رواية أبي نضرة عنه ، قال : قبل موته بقليل أو بشهر : ما من نفس .
وزاد في آخره : وهي يومئذ حية ، وأخرجه الترمذي من طريق أبي سفيان عن جابر نحو رواية أبي الزبير . وذكر ابن الجوزي في جزئه الذي جمعه في ذلك عن أبي يعلى بن الفراء الحنبلي ، قال : سئل بعض أصحابنا عن الخضر هل مات ؟ فقال : نعم ، قال : وبلغني مثل هذا عن أبي طاهر بن العبادي ، وكان يحتج بأنه لو كان حيا لجاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم . قلت : ومنهم أبو الفضل بن ناصر ، والقاضي أبو بكر بن العربي ، وأبو بكر محمد بن الحسن النقاش .
واستدل ابن الجوزي بأنه لو كان حيا مع ما ثبت أنه كان في زمن موسى وقبل ذلك لكان قدر جسده مناسبا لأجساد أولئك ، ثم ساق بسند له إلى أبي عمران الجوني . قال : كان أنف دانيال ذراعا ، ولما كشف عنه في زمن أبي موسى ، قام رجل إلى جنبه فكانت ركبة دانيال محاذية لرأسه . قال : والذين يدعون رؤية الخضر في سائر أخبارهم ما يدل على أن جسده نظير أجسادهم .
ثم استدل بما أخرجه أحمد من طريق مجاهد ، عن الشعبي ، عن جابر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : والذي نفسي بيده ، لو أن موسى كان حيا ما وسعه إلا أن يتبعني . قال : فإذا كان هذا في حق موسى فكيف لم يتبعه الخضر ، أن لو كان حيا ، فيصلي معه الجمعة والجماعة ، ويجاهد تحت رايته . كما ثبت أن عيسى يصلي خلف إمام هذه الأمة .
واستدل أيضا بقوله تعالى وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ الآية . قال ابن عباس : ما بعث الله نبيا إلا أخذ عليه الميثاق ، لئن بعث محمد وهو حي ، ليؤمنن به ، ولينصرنه ، فلو كان الخضر موجودا في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - لجاء إليه ، ونصره بيده ولسانه ، وقاتل تحت رايته ، وكان من أعظم الأسباب في إيمان معظم أهل الكتاب الذي يعرفون قصته مع موسى . وقال أبو الحسين بن المنادي : بحثت عن تعمير الخضر ، وهل هو باق أم لا ، فإذا أكثر المغفلين مغرورون بأنه باق ؛ من أجل ما روي في ذلك .
قال : والأحاديث المرفوعة في ذلك واهية ، والسند إلى أهل الكتاب ساقط ؛ لعدم ثقتهم ، وخبر مسلمة بن مصقلة كالخرافة ، وخبر رياح كالريح ، قال : وما عدا ذلك كله من الأخبار كلها واهية الصدور والأعجاز ، لا يخلو حالها من أحد أمرين ؛ إما أن تكون أدخلت على الثقات استغفالا ، أو يكون بعضهم تعمد ذلك ، وقد قال الله تعالى وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ قال : وأهل الحديث يتفقون على أن حديث أنس منكر السند سقيم المتن ، وأن الخضر لم يراسل نبيا ، ولم يلقه . قال : ولو كان الخضر حيا لما وسعه التخلف عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والهجرة إليه . قال : وقد أخبرني بعض أصحابنا أن إبراهيم الحربي سئل عن تعمير الخضر ، فأنكر ذلك .
وقال : هو متقادم الموت . قال : وروجع غيره في تعميره فقال : من أحال على غائب حي أو مفقود ميت لم ينتصف منه ، وما ألقى هذا بين الناس إلا الشيطان ، انتهى . وقد ذكرت الأخبار التي أشار إليها ، وأضفت إليها أشياء كثيرة من جنسها وغالبها لا يخلو طريقه من علة ، وبالله المستعان .
وفي تفسير الأصبهاني : روي عن الحسن أنه كان يذهب إلى أن الخضر مات ، وروي عن البخاري أنه سئل عن الخضر وإلياس هل هما في الأحياء . فقال : كيف يكون ذلك ، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - في آخر عمره : أرأيتكم ليلتكم هذه ، فإن على رأس مائة سنة لا يبقى على وجه الأرض ممن هو اليوم عليها أحد . واحتج ابن الجوزي أيضا بما ثبت في صحيح البخاري أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال يوم بدر : اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض .
ولم يكن الخضر فيهم ، ولو كان يومئذ حيا لورد على هذا العموم ، فإنه كان ممن يعبد الله قطعا . واستدل غيره بقوله - صلى الله عليه وسلم - : لا نبي بعدي . وبسط ابن دحية القول في ذلك ، وهو معترض بعيسى ابن مريم فإنه نبي قطعا ، وثبت أنه ينزل إلى الأرض في آخر الزمان ، ويحكم بشريعة النبي - صلى الله عليه وسلم - فوجب حمل النفي على إنشاء النبوة لأحد من الناس ، لا على نفي وجود نبي كان قد نبئ قبل ذلك .