محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان
محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن السائب بن عبيد بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب بن عبد مناف القرشي المطلبي ، أبو عبد الله الشافعي المكي ، نزيل مصر . روى عن : مسلم بن خالد الزنجي ، ومالك بن أنس ، وإبراهيم بن سعد ، وسعيد بن سالم القداح ، والدراوردي ، وعبد الوهاب الثقفي ، وابن علية ، وابن عيينة ، وأبي ضمرة ، وحاتم بن إسماعيل ، وإبراهيم بن محمد بن أبي يحيى ، وإسماعيل بن جعفر ، ومحمد بن خالد الجندي ، وعمه محمد بن علي بن شافع ، وعطاف بن خالد المخزومي ، وهشام بن يوسف الصنعاني ، وجماعة . وعنه : سليمان بن داود الهاشمي ، وأبو بكر عبد الله بن الزبير الحميدي ، وإبراهيم بن المنذر الحزامي ، وأبو ثور إبراهيم بن خالد ، وأحمد بن حنبل ، وأبو يعقوب يوسف بن يحيى البويطي ، وحرملة ، وأبو الطاهر بن السرح ، وأبو إبراهيم بن إسماعيل بن يحيى المزني ، والربيع بن سليمان المرادي ، والربيع بن سليمان الجيزي ، وعمرو بن سواد العامري ، والحسن بن محمد بن الصباح الزعفراني ، وأبو الوليد موسى بن أبي الجارود المكي ، ويونس بن عبد الأعلى ، وأبو يحيى محمد بن سعيد بن غالب العطار ، وآخرون .
قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، سمعت عمرو بن سواد يقول : قال لي الشافعي : ولدت بعسقلان ، فلما أتى علي سنتان حملتني أمي إلى مكة ، وكانت نهمتي في شيئين في الرمي ، وطلب العلم ، فنلت من الرمي حتى كنت أصيب من عشرة عشرة ، وسكت عن العلم ، فقلت له : أنت والله في العلم أكثر منك في الرمي . وقال نصر بن مكي : حدثنا ابن عبد الحكم قال : قال لي الشافعي : ولدت بغزة سنة ( 50 ) ، وحملت إلى مكة وأنا ابن سنتين . وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو عبيد الله أخي ابن وهب ، سمعت الشافعي يقول : ولدت باليمن فخافت علي أمي الضيعة ، فقالت : الحق بأهلك ، فجهزتني إلى مكة فقدمتها ، وأنا يومئذ ابن عشر .
وقال أبو الحسن المغازلي : سمعت المزني يقول : سمعت الشافعي : رأيت علي بن أبي طالب في النوم فسلم علي ، وصافحني ، وخلع خاتمه فجعله في إصبعي ، وكان لي عم ففسرها لي فقال لي : أما مصافحتك لعلي فأمان من العذاب ، وأما خلع خاتمه وجعله في إصبعك ، فسيبلغ اسمك ما بلغ اسم علي . وقال نصر بن مكي : سمعت ابن عبد الحكم يقول : لما أن حملت أم الشافعي به رأت كأن المشتري خرج من فرجها حتى انقض بمصر ، ثم وقع في كل بلد منه شظية . فتأول أصحاب الرؤيا أنه يخرج عالم يخص علمه أهل مصر ثم يتفرق في سائر البلدان .
وقال أبو نعيم عبد الملك بن محمد في قوله صلى الله عليه وآله وسلم اللهم اهد قريشا فإن عالمها يملأ طباق الأرض علما ، الحديث . قال : في هذا الحديث علامة بينة للميز أن المراد بذلك رجل من علماء هذه الأمة من قريش قد ظهر علمه وانتشر في البلاد ، وهذه صفة لا نعلمها قد أحاطت إلا بالشافعي ، إذ كان كل واحد من قريش من الصحابة والتابعين ومن بعدهم ، وإن كان علمه قد ظهر وانتشر فإنه لم يبلغ مبلغا يقع تأويل كل هذه الرواية عليه ، إذ كان لكل واحد منهم نتف وقطع من العلم ومسائل ، وليس في كل بلد من بلاد المسلمين مدرس ومفت ومصنف يصنف على مذهب قرشي إلا على مذهب الشافعي ، فعلم أنه يعنيه لا غيره . وقال أبو سعيد الفريابي : قال أحمد بن حنبل : إن الله يقيض للناس في كل رأس مائة سنة من يعلمهم السنن ، وينفي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الكذب ، فنظرنا فإذا في رأس المائة عمر بن عبد العزيز ، وفي رأس المائتين الشافعي .
وقال الفضل بن زياد : سمعت أحمد بن حنبل يقول : هذا الذي ترون كله أو عامته من الشافعي ، وما بت منذ ثلاثين سنة إلا وأنا أدعو الله للشافعي ، وأستغفر له . وقال المزني : سمعت الشافعي يقول : حفظت القرآن وأنا ابن سبع سنين ، وحفظت الموطأ وأنا ابن عشر . وقال الباغندي : حدثني الربيع بن سليمان الجيزي ، حدثنا الحميدي ، سمعت مسلم بن خالد ، ومر على الشافعي ، وهو يفتي ، وهو ابن خمس عشرة سنة ، فقال له : أفت فقد آن لك أن تفتي .
ورواه غيره عن الربيع قال : سمعت الحميدي يقول : قال مسلم فذكره ، وهو الصواب . وقال دعلج بن أحمد : سمعت جعفر بن أحمد الشاماتي يقول : سمعت جعفر ابن أخي أبي ثور ، سمعت عمي يقول : كتب عبد الرحمن بن مهدي إلى الشافعي وهو شاب أن يضع له كتابا فيه معاني القرآن ، ويجمع قبول الأخبار فيه ، وحجة الإجماع ، وبيان الناسخ والمنسوخ ، فوضع له كتاب الرسالة . فكان عبد الرحمن يقول : ما أصلي صلاة إلا وأنا أدعو للشافعي فيها .
وقال أبو نعيم : حدثنا ابن حيان - يعني : أبا الشيخ - سمعت عبدان بن أحمد ، سمعت عمرو بن العباس ، سمعت عبد الرحمن بن مهدي ، وذكر الشافعي فقال : كان شابا مفهما . وقال زكريا الساجي : حدثني الزعفراني قال : حج بشر المريسي ، ثم قدم فقال : لقد رأيت بالحجاز رجلا ما رأيت مثله سائلا ولا مجيبا ، قال : فقدم الشافعي بعد ذلك فاجتمع الناس ، وخفوا عن بشر ، فجئت إلى بشر فقلت : هذا الشافعي قد قدم ، فقال : إنه قد تغير . قال الزعفراني : فما كان مثله إلا مثل اليهود في ابن سلام .
وقال الميموني سمعت أحمد بن حنبل يقول : ستة أدعو لهم سحرا أحدهم الشافعي . وقال الآجري : سمعت أبا داود يقول : ما رأيت أحمد بن حنبل يميل إلى أحد ميله إلى الشافعي . وقال ابن أبي حاتم : كتب إلي أبو عثمان الخوارزمي ، حدثنا أبو أيوب حميد بن أحمد البصري قال : كنت عند أحمد بن حنبل نتذاكر في مسألة ، فقال رجل لأحمد : يا أبا عبد الله ، لا يصح فيه حديث .
قال : إن لم يصح فيه حديث ، ففيه قول الشافعي وحجته أثبت شيء فيه . وقال علي بن عثمان : سمعت أبا عبيد يقول : ما رأيت رجلا أعقل من الشافعي . وقال البوشنجي : سمعت قتيبة يقول : الشافعي إمام .
وقال الزبير بن عبد الواحد : حدثنا الحسن بن سفيان ، حدثنا أبو ثور قال : من زعم أنه رأى مثل محمد بن إدريس في علمه وفصاحته وثباته وتمكنه ومعرفته ، فقد كذب ، كان منقطع القرين في حياته ، فلما مضى لسبيله لم يعتض منه . وقال زكريا الساجي : سمعت أبا الوليد بن أبي الجارود يقول : ما رأيت أحدا إلا وكتبه أكثر من مشاهدته إلا الشافعي ، فإن لسانه كان أكبر من كتابه . وقال أحمد بن علي الجرجاني : كان الحميدي إذا جرى عنده ذكر الشافعي قال : حدثنا سيد الفقهاء الإمام الشافعي .
وقال حرملة : سمعت الشافعي يقول : سميت ببغداد ناصر الحديث . وقال الزعفراني : قدم علينا الشافعي بغداد سنة ( 195 ) فأقام سنتين ، ثم خرج إلى مكة ، ثم قدم علينا سنة ( 98 ) ، فأقام عندنا أشهرا ثم خرج . قال ابن أبي حاتم : حدثنا ابن عبد الحكم قال : ولد الشافعي في سنة ( 150 ) ، ومات في آخر يوم من رجب سنة ( 204 ) .
وفيها أرخه غير واحد . ومناقبه وفضائله كثيرة جدا . قلت : حذفت مما أورده المؤلف أشياء رواتها غير ثقات ، ومناقب الشافعي كثيرة شهيرة قد جمعها ابن أبي حاتم ، وزكريا الساجي ، والحاكم ، والبيهقي ، والهروي ، وابن عساكر ، وغيرهم .
قال الحاكم في المناقب : سمعت أبا نصر أحمد بن الحسين ، سمعت أبا بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة يقول : كان يونس بن عبد الأعلى يقول : أم الشافعي فاطمة بنت عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب . وذكر الحاكم مما يدل على تبحر الشافعي في الحديث أنه حدث بالكثير عن مالك ، ثم روى عن الثقة عنده عن مالك ، وأكثر عن ابن عيينة ، ثم روى عن رجل عنه . وقال المبرد : كان الشافعي من أشعر الناس ، وأعلمهم بالقراءات .
وقال الحسين الكرابيسي : ما كنا ندري ما الكتاب والسنة نحن والأولون حتى سمعنا من الشافعي . قال : وسئل أبو موسى الضرير عن كتب الشافعي كيف سارت في الناس ؟ فقال : أراد الله بعلمه فرفعه الله . قال : وسئل إسحاق بن راهويه كيف وضع الشافعي هذه الكتب وكان عمره يسيرا ؟ فقال : جمع الله تعالى له عقله لقلة عمره .
وقال الجاحظ : نظرت في كتب الشافعي فإذا هو در منظوم لم أر أحسن تأليفا منه . وقال هلال بن العلاء : لقد من الله على الناس بأربعة : بالشافعي فقه الناس في حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم . وقال أحمد بن سيار المروزي : لولا الشافعي لدرس الإسلام .
وقال أبو زرعة الرازي : ما عند الشافعي حديث غلط فيه . وقال يحيى بن أكثم : ما رأيت أعقل منه . وقال أبو داود : ليس للشافعي حديث أخطأ فيه .
وقال الزعفراني ، عن يحيى بن معين : لو كان الكذب له مطلقا لكانت مروءته تمنعه أن يكذب . وقال مسلم بن الحجاج في كتابه الانتفاع بجلود السباع : وهذا قول أهل العلم بالأخبار ممن يعرف بالتفقه فيها ، والاتباع لها منهم : يحيى بن سعيد ، وابن مهدي ، ومحمد بن إدريس الشافعي ، وأحمد ، وإسحاق . ولما ذكر في موضع آخر قول من عاب الشافعي أنشد : ورب عياب له منظر مشتمل الثوب على العيب وقال علي ابن المديني لابنه : لا تدع للشافعي حرفا إلا كتبته فإن فيه معرفة .
وقال أبو حاتم : فقيه البدن صدوق . وقال أيوب بن سويد : ما ظننت أني أعيش حتى أرى مثله . وعن يحيى بن سعيد القطان قال : ما رأيت أعقل ولا أفقه من الشافعي ، وأنا أدعو الله له أخصه به وحده في كل صلاة .
وقال الأصمعي : صححت أشعار الهذليين على شاب من قريش يقال له : محمد بن إدريس . وقال عبد الملك بن هشام : الشافعي بصير باللغة يؤخذ عنه ، ولسانه لغة فاكتبوه . وقال مصعب الزبيري : ما رأيت أعلم بأيام الناس منه .
وقال أبو الوليد بن أبي الجارود : كان يقال : إن الشافعي لغة وحده يحتج بها . وقال ابن عبد الحكم : إن كان أحد من أهل العلم حجة فالشافعي حجة في كل شيء . وقال الزعفراني : ما رأيته لحن قط .
وقال يونس بن عبد الأعلى : كان إذا أخذ في العربية قيل : هذه صناعته . وقال النسائي : كان الشافعي عندنا أحد العلماء ثقة مأمونا . وروى الخليلي ، عن أحمد بن حنبل قال : سمعت الموطأ من بضعة عشر نفسا من حفاظ أصحاب مالك ، فأعدته على الشافعي لأني وجدته أقومهم .
وقال المزني : كان بصيرا بالفروسية ، والرمي ، وصنف كتاب السبق والرمي ، ولم يسبقه إليه أحد . وقال ابن عبد البر في كتاب جامع بيان العلم : كان الأمير عبد الله بن الناصر يقول : رأيت أصل محمد بن وضاح الذي كتبه بالمشرق ، وفيه سألت يحيى بن معين عن الشافعي فقال : ثقة . وقال الحاكم : تتبعنا التواريخ ، وسواد الحكايات عن يحيى بن معين ، فلم نجد في رواية واحد منهم طعنا على الشافعي ، ولعل من حكى عنه غير ذلك قليل المبالاة بالوضع على يحيى ، والله أعلم .
وقال الأستاذ أبو منصور البغدادي : بالغ مسلم في تعظيم الشافعي في كتاب الانتفاع بجلود السباع ، وفي كتاب الرد على محمد بن نصر ، وعده في هذا الكتاب من الأئمة الذين يرجع إليهم في الحديث وفي الجرح والتعديل .