26 - بَاب التَّيَمُّمِ بِالصَّعِيدِ 432 أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ سُلَيْمَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ قَالَ : أَنْبَأَنَا سَيَّارٌ ، عَنْ يَزِيدَ الْفَقِيرِ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِي ؛ نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ ، وَجُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا ، فَأَيْنَمَا أَدْرَكَ الرَّجُلَ مِنْ أُمَّتِي الصَّلَاةُ يُصَلِّي ، وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ وَلَمْ يُعْطَ نَبِيٌّ قَبْلِي ، وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ كَافَّةً ، وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً . 432 ( حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ ، حَدَّثَنَا سَيَّارٌ ، عَنْ يَزِيدَ الْفَقِيرِ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ) قَالَ الْحافِظُ ابْنُ حَجَرٍ : مَدَارُ حَدِيثِ جَابِرٍ هَذَا عَلَى هُشَيْمٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ ، وَلَهُ شَوَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَأَبِي مُوسَى ، وَأَبِي ذَرٍّ ، وَابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ . وَرَوَاهَا كُلَّهَا أَحْمَدُ بِأَسَانِيدَ جِيَادٍ ، وَيَزِيدُ هُوَ ابْنُ صُهَيْبٍ لُقِّبَ الْفَقِيرَ ؛ لِأَنَّهُ شَكَى فَقَارَ ظَهْرِهِ ( قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أُعْطِيتُ خَمْسًا ) بَيَّنَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ ( لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ ) زَادَ الْبُخَارِيُّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ ( قَبْلِي ) زَادَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ : لَا أَقُولُهُنَّ فَخْرًا . قَالَ الْحافِظُ ابْنُ حَجَرٍ : وَمَفْهُومُهُ أَنَّهُ لَمْ يُخَصَّ بِغَيْرِ الْخَمْسِ ، لَكِنْ وَرَدَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ : فُضِّلْتُ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ بِسِتٍّ ، وَوَرَدَتْ أَحَادِيثُ أُخَرُ بِخَصَائِصَ أُخْرَى ، وَطَرِيقُ الْجَمْعِ أَنْ يُقَالَ : لَعَلَّهُ اطَّلَعَ أَوَّلًا عَلَى بَعْضِ مَا اخْتُصَّ بِهِ ثُمَّ اطَّلَعَ عَلَى الْبَاقِي ، وَمَنْ لَا يَرَى مَفْهُومَ الْعَدَدِ حُجَّةً يَدْفَعُ هَذَا الْإِشْكَالِ مِنْ أَصْلِهِ ، ثُمَّ تَتَبَّعَ الْحافِظُ مِنَ الْأَحَادِيثِ خِصَالًا فَبَلَغَتِ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ خَصْلَةً ثُمَّ قَالَ : وَيُمْكِنُ أَنْ يُوجَدَ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ لِمَنْ أَمْعَنَ التَّتَبُّعَ ، وَنُقِلَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ النَّيْسَابُورِيِّ أَنَّهُ قَالَ فِي كِتَابِ شَرَفِ الْمُصْطَفَى : إِنَّ الْخَصَائِصَ الَّتِي فُضِّلَ بِهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى الْأَنْبِيَاءِ سِتُّونَ خَصْلَةً ، قُلْتُ : وَقَدْ دَعَانِي ذَلِكَ لَمَّا أَلَّفْتُ التَّعْلِيقَ الَّذِي عَلَى الْبُخَارِيِّ فِي سَنَةِ بِضْعٍ وَسَبْعِينَ وَثَمَانِمِائَةِ إِلَى تَتَبُّعِهَا ، فَوَجَدْتُ فِي ذَلِكَ شَيْئًا كَثِيرًا فِي الْأَحَادِيثِ وَالْآثَارِ وَكُتُبِ التَّفْسِيرِ وَشُرُوحِ الْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ وَالْأُصُولِ وَالتَّصَوُّفِ ، فَأَفْرَدْتُهَا فِي مُؤَلَّفٍ سَمَّيْتُهُ : أُنْمُوذَجُ اللَّبِيبِ فِي خَصَائِصِ الْحَبِيبِ ، وَقَسَّمْتُهَا قِسْمَيْنِ : مَا خُصَّ بِهِ عَنِ الْأَنْبِيَاءِ وَمَا خُصَّ بِهِ عَنِ الْأُمَّةِ ، وَزَادَتْ عِدَّةُ الْقِسْمَيْنِ عَلَى أَلْفِ خِصِّيصَةٍ ، وَسَارَ الْمُؤَلَّفُ الْمَذْكُورُ إِلَى أَقَاصِي الْمَغَارِبِ وَالْمَشَارِقِ وَاسْتَفَادَهُ كُلُّ عَالِمٍ وَفَاضِلٍ ، وَسَرَقَ مِنْهُ كُلَّ مُدَّعٍ وَسَارِقٍ ( نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ ) زَادَ أَبُو أُمَامَةَ : يُقْذَفُ فِي قُلُوبِ أَعْدَائِي ( وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ ) قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ : الْأَقْرَبُ أَنَّ اللَّامَ فِيهَا لِلْعَهْدِ ، وَالْمُرَادُ الشَّفَاعَةُ الْعُظْمَى فِي إِرَاحَةِ النَّاسِ مِنْ هَوْلِ الْمَوْقِفِ ؛ وَلِذَا جَزَمَ بِهِ النَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُ ، وَقِيلَ : الشَّفَاعَةُ الَّتِي اخْتُصَّ بِهَا أَنَّهُ لَا يُرَدُّ فِيمَا يَسْأَلُ ، وَقِيلَ : الشَّفَاعَةُ فِي خُرُوجِ مَنْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ إِيمَانٍ . قَالَ الْحافِظُ ابْنُ حَجَرٍ : وَاَلَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّ هَذِهِ مُرَادَةٌ مَعَ الْأُولَى ، وَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ : وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ فَأَخَّرْتُهَا لِأُمَّتِي فَهِيَ لِمَنْ لَا يُشْرِكُ بِاَللَّهِ شَيْئًا وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ : فَهِيَ لَكُمْ وَلِمَنْ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، فَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالشَّفَاعَةِ الْمُخْتَصَّةِ بِهِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ إِخْرَاجُ مَنْ لَيْسَ لَهُ عَمَلٌ صَالِحٌ إِلَّا التَّوْحِيدَ ، وَهُوَ مُخْتَصٌّ أَيْضًا بِالشَّفَاعَةِ الْأُولَى ، لَكِنْ جَاءَ التَّنْوِيهُ بِذِكْرِ هَذِهِ ؛ لِأَنَّهَا غَايَةُ الْمَطْلُوبِ مِنْ تِلْكَ لِاقْتِضَائِهَا الرَّاحَةَ الْمُسْتَمِرَّةَ ( وَجُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا ) زَادَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ : وَكَانَ مَنْ قَبْلِي إِنَّمَا كَانُوا يُصَلُّونَ فِي كَنَائِسِهِمْ ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ : مَنْ قَبْلَنَا إِنَّمَا أُبِيحَتْ لَهُمُ الصَّلَوَاتُ فِي أَمَاكِنَ مَخْصُوصَةٍ كَالْبِيَعِ وَالصَّوَامِعِ ( وَطَهُورًا ) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ : وَجُعِلَتْ لَنَا الْأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدًا وَجُعِلَتْ تُرْبَتُهَا لَنَا طَهُورًا ( وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ كَافَّةً ، وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً ) قَالَ الْحافِظُ ابْنُ حَجَرٍ : لَا يُعْتَرَضُ بِأَنَّ نُوحًا كَانَ مَبْعُوثًا إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ بَعْدَ الطُّوفَانِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ إِلَّا مَنْ كَانَ مُؤْمِنًا مَعَهُ ، وَقَدْ كَانَ مُرْسَلًا إِلَيْهِمْ ؛ لِأَنَّ هَذَا الْعُمُومَ لَمْ يَكُنْ فِي أَصْلِ بَعْثَتِهِ ، وَإِنَّمَا اتَّفَقَ بِالْحَادِثِ الَّذِي وَقَعَ ، وَهُوَ انْحِصَارُ الْخَلْقِ فِي الْمَوْجُودِينَ بَعْدَ هَلَاكِ سَائِرِ النَّاسِ ، وَأَمَّا نَبِيُّنَا - صلى الله عليه وسلم - فَعُمُومُ رِسَالَتِهِ مِنْ أَصْلِ الْبَعْثَةِ ، فَإِنْ قِيلَ : يَدُلُّ عَلَى عُمُومِ بَعْثَةِ نُوحٍ كَوْنُهُ دَعَا عَلَى جَمِيعِ مَنْ فِي الْأَرْضِ فَأُهْلِكُوا بِالْغَرَقِ إِلَّا أَهْلَ السَّفِينَةِ ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مَبْعُوثًا إِلَيْهِمْ لَمَا أُهْلِكُوا لِقَوْلِهِ - تَعَالَى - : وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولا وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ أَوَّلُ الرُّسُلِ . فَالْجَوَابُ أَنَّ دُعَاءَهُ قَوْمَهُ إِلَى التَّوْحِيدِ بَلَغَ سَائِرَ النَّاسِ لِطُولِ مُدَّتِهِ ، فَتَمَادَوْا عَلَى الشِّرْكِ فَاسْتَحَقُّوا الْعَذَابَ ، ذَكَرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ . وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ التَّوْحِيدُ عَامًّا فِي بَعْضِ الْأَنْبِيَاءِ ، وَإِنْ كَانَ الْتِزَامُ فُرُوعِ شَرِيعَتِهِ لَيْسَ عَامًّا ؛ لِأَنَّ مِنْهُمْ مَنْ قَاتَلَ غَيْرَ قَوْمِهِ عَلَى الشِّرْكِ ، وَلَوْ لَمْ يَكُنِ التَّوْحِيدُ لَازِمًا لَهُمْ لَمْ يُقَاتِلْهُمْ ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي الْأَرْضِ عِنْدَ إِرْسَالِ نُوحٍ إِلَّا قَوْمَ نُوحٍ فَبَعْثَتُهُ خَاصَّةٌ لِكَوْنِهَا إِلَى قَوْمِهِ فَقَطْ ، وَهِيَ عَامَّةٌ فِي الصُّورَةِ لِعَدَمِ وُجُودِ غَيْرِهِمْ ، لَكِنْ لَوِ اتَّفَقَ وُجُودُ غَيْرِهِمْ لَمْ يَكُنْ مَبْعُوثًا إِلَيْهِمْ . وَقَالَ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ : يُشْكِلُ عَلَى هَذَا أَنَّ سُلَيْمَانَ - عليه السلام - كَانَ يَسِيرُ فِي الْأَرْضِ وَيَأْمُرُ بِالْإِسْلَامِ كَبِلْقِيسَ وَغَيْرِهَا وَيُهَدِّدُهُمْ بِالْقِتَالِ ، وَذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى عُمُومِ الرِّسَالَةِ مَعَ أَنَّهُ مَا أُرْسِلَ إِلَّا إِلَى قَوْمِهِ . قَالَ : وَالْجَوَابُ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِنَا فِي رِسَالَتِهِمْ خَاصَّةً أَيْ فِي الْوَاجِبَاتِ وَالْمُحَرَّمَاتِ ، أَمَّا فِي الْمَنْدُوبَاتِ فَهُمْ مَأْمُورُونَ أَنْ يَأْتُوا بِهَا مُطْلَقًا ، وَأَمَّا التَّهْدِيدُ بِالْقِتَالِ الَّذِي هُوَ مِنْ خَصَائِصِ الْوَاجِبِ فِي بَادِئِ الرَّأْي فَلَا نَقُولُ إِنَّهُ مِنْ خَصَائِصِهِ ، بَلِ الْعِقَابُ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ ، فَأَذِنَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ لَهُ بِالْقِتَالِ عَلَى الْمَنْدُوبِ ، وَلَا يَلْزَمُ اللُّبْسُ لِحُصُولِ الْفَرْقِ بِالْعِقَابِ ( تَنْبِيهٌ ) سَقَطَ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ الْخَصْلَةُ الْخَامِسَةُ ، وَهِيَ ثَابِتَةٌ فِي رِوَايَةِ الصَّحِيحَيْنِ وَهِيَ : وَأُحِلَّتْ لِي الْغَنَائِمُ وَلَمْ تَحِلْ لِنَبِيٍّ قَبْلِي . وَعَلَى هَذَا فَقَوْلُهُ : وَجُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا خَصْلَةٌ وَاحِدَةٌ ؛ لِتَعَلُّقِهَا بِالْأَرْضِ
الشروح
سنن النسائي بشرح جلال الدين السيوطيبَاب التَّيَمُّمِ بِالصَّعِيدِ · ص 210 سنن النسائي بشرح جلال الدين السيوطي - حاشية السنديبَاب التَّيَمُّمِ بِالصَّعِيدِ · ص 210 26 - بَاب التَّيَمُّمِ بِالصَّعِيدِ 432 أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ سُلَيْمَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ قَالَ : أَنْبَأَنَا سَيَّارٌ ، عَنْ يَزِيدَ الْفَقِيرِ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِي ؛ نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ ، وَجُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا ، فَأَيْنَمَا أَدْرَكَ الرَّجُلَ مِنْ أُمَّتِي الصَّلَاةُ يُصَلِّي ، وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ وَلَمْ يُعْطَ نَبِيٌّ قَبْلِي ، وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ كَافَّةً ، وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً . قَوْله ( أُعْطِيت ) عَلَى بِنَاء الْمَفْعُول ( خَمْسًا ) لَمْ يُرِدْ الْحَصْر ، بَلْ ذَكَرَ مَا حَضَرَهُ فِي ذَلِكَ الْوَقْت مِمَّا مَنَّ اللَّه تَعَالَى بِهِ عَلَيْهِ ذَكَرَهُ اِعْتِرَافًا بِالنِّعْمَةِ وأَدَاء لِشُكْرِهَا وامْتِثَالًا لِأَمْرِ : وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ لَا اِفْتِخَارًا ( لَمْ يُعْطَهُنَّ ) عَلَى بِنَاء الْمَفْعُول ، ورَفْع أَحَد أَيْ مِنْ الْأَنْبِيَاء أَوْ مِنْ الْخَلْق ( نُصِرْت ) عَلَى بِنَاء الْمَفْعُول ( بِالرُّعْبِ ) بِضَمِّ الرَّاء وسُكُون عَيْن أَيْ بِقَذْفِهِ مِنْ اللَّه فِي قُلُوب الْأَعْدَاء بِلَا أَسْبَاب ظَاهِرِيَّة ، وآلَات عَادِيَّة لَهُ بَلْ بِضِدِّهَا ، فَإِنَّهُ صَلَّى اللَّه تَعَالَى عليه وسلم كَثِيرًا مَا يَرْبِط الْحَجَر بِبَطْنِهِ مِنْ الْجُوع ، ولَا يُوقَد النَّار فِي بُيُوته ، ومَعَ هَذَا الْحَال كَانَ الْكَفَرَة مَعَ مَا عِنْدهمْ مِنْ الْمَتَاع والْآلَات ، والْأَسْبَاب فِي خَوْف شَدِيد مِنْ بَأْسه صَلَّى اللَّه تَعَالَى عليه وسلم فَلَا يُشْكِل بِأَنَّ النَّاس يَخَافُونَ مِنْ بَعْض الْجَبَابِرَة مَسِيرَة شَهْر وأَكْثَر ، فَكَانَتْ بِلْقِيس تَخَاف مِنْ سُلَيْمَان عليه الصلاة والسلام مَسِيرَة شَهْر ، وهَذَا ظَاهِر ، وقَدْ بَقِيَ آثَار هَذِهِ الْخَاصَّة فِي خُلَفَاء أُمَّته مَا دَامُوا عَلَى حَاله ، واَللَّه تَعَالَى أَعْلَم . ( مَسْجِدًا ) مَوْضِع صَلَاة ( وطَهُورًا ) بِفَتْحِ الطَّاء ، والْمُرَاد أَنَّ الْأَرْض مَا دَامَتْ عَلَى حَالهَا الْأَصْلِيَّة فَهِيَ كَذَلِكَ ، وإِلَّا فَقَدْ تَخْرُج بِالنَّجَاسَةِ عَنْ ذَلِكَ ، والْحَدِيث لَا يَنْفِي ذَلِكَ ، والْحَدِيث يُؤَيِّد الْقَوْل بِأَنَّ التَّيَمُّم يَجُوز عَلَى وجْه الْأَرْض كُلّهَا ولَا يَخْتَصّ بِالتُّرَابِ ، ويُؤَيِّد أَنَّ هَذَا الْعُمُوم غَيْر مَخْصُوص . قَوْله ( فَأَيْنَمَا أَدْرَكَ الرَّجُل ) بِالنَّصْبِ ( الصَّلَاة ) بِالرَّفْعِ ، وهَذَا ظَاهِر سِيَّمَا فِي بِلَاد الْحِجَاز فَإِنَّ غَالِبهَا الْجِبَال والْحِجَارَة ، فَكَيْف يَصِحّ أَوْ يُنَاسِب هَذَا الْعُمُوم إِذَا قُلْنَا إنَّ بِلَاد الْحِجَاز لَا يَجُوز التَّيَمُّم مِنْهَا إِلَّا فِي مَوَاضِع مَخْصُوصَة فَلْيُتَأَمَّلْ . قَوْله ( الشَّفَاعَة ) أَيْ الْعُظْمَى ( وكَانَ النَّبِيّ ) أَيْ قَبْلِي ، وفِيهِمْ نُوح ، فَقَدْ قَالَ تَعَالَى إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ وآدَم ، نَعَمْ قَدْ اِتَّفَقَ فِي وقْت آدَم أَنَّهُ مَا كَانَ عَلَى وجْه الْأَرْض غَيْر أَوْلَاده فَعَمَّتْ نُبُوَّته لِأَهْلِ الْأَرْض اِتِّفَاقًا ، وكَذَا اِتَّفَقَ مِثْله فِي نُوح بَعْد الطُّوفَان حَيْثُ لَمْ يَبْقَ إِلَّا مَنْ كَانَ مَعَهُ فِي السَّفِينَة ، وهَذَا لَا يُؤَدِّي إِلَى الْعُمُوم ، وأَمَّا دُعَاء نُوح عَلَى أَهْل الْأَرْض كُلّهَا وإِهْلَاكهمْ ، فَلَا يَتَوَقَّف عَلَى عُمُوم الدَّعْوَة بَلْ يَكْفِي فِيهِ عُمُوم بُلُوغ الدَّعْوَة ، وقَدْ بَلَغَتْ دَعْوَته الْكُلّ لِطُولِ مُدَّته ، كَيْف والْإِيمَان بِالنَّبِيِّ بَعْد بُلُوغ الدَّعْوَة وثُبُوت النُّبُوَّة واجِب سَوَاء كَانَ مَبْعُوثًا إِلَيْهِمْ أَمْ لَا كَإِيمَانِنَا بِالْأَنْبِيَاءِ السَّابِقِينَ مَعَ عَدَم بَعَثَتْهُمْ إِلَيْنَا ، وفَرْق بَيْن الْمَقَامَيْنِ ، واَللَّه تَعَالَى أَعْلَم . وقَدْ سَقَطَتْ مِنْ هَذِهِ الرِّوَايَة الْخَصْلَة الْخَامِسَة ، وهِيَ ثَابِتَة فِي الصَّحِيحَيْنِ ، وهِيَ : وأُحِلَّتْ لِي الْغَنَائِم ولَمْ تُحَلّ لِنَبِيٍّ قَبْلِي ، وأَمَّا كَوْن الْأَرْض مَسْجِدًا وطَهُورًا فَهُمَا أَمْر واحِد مُتَعَلِّق بِالْأَرْضِ .