37 جَامِعُ مَا جَاءَ فِي الْقُرْآنِ 933 - أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : أَنْبَأَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ سَأَلَ الْحَارِثُ بْنُ هِشَامٍ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَيْفَ يَأْتِيكَ الْوَحْيُ ؟ قَالَ : فِي مِثْلِ صَلْصَلَةِ الْجَرَسِ ، فَيَفْصِمُ عَنِّي وَقَدْ وَعَيْتُ عَنْهُ وَهُوَ أَشَدُّهُ عَلَيَّ ، وَأَحْيَانًا يَأْتِينِي فِي مِثْلِ صُورَةِ الْفَتَى فَيَنْبِذُهُ إِلَيَّ . 933 - ( كَيْفَ يَأْتِيكَ الْوَحْيُ ) يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمَسْئُولُ عَنْهُ صِفَةً لِلْوَحْيِ نَفْسِهِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ صِفَةَ حَامِلِهِ أَوْ مَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ ( قَالَ : أَحْيَانًا ) نُصِبَ عَلَى الظَّرْفِ وَعَامِلِهِ ( يَأْتِينِي ) مُؤَخَّرٌ عَنْهُ ( فِي مِثْلِ صَلْصَلَةِ الْجَرَسِ ) بصَادَيْنِ مُهْمَلَتَيْنِ مَفْتُوحَتَيْنِ بَيْنَهُمَا لَامٌ سَاكِنَةٌ ، وَهِيَ فِي الْأَصْلِ صَوْتُ وُقُوعِ الْحَدِيدِ بَعْضِهِ عَلَى بَعْضٍ ، ثُمَّ أُطْلِقَ عَلَى كُلِّ صَوْتٍ لَهُ طَنِينٌ . وَقِيلَ : هُوَ صَوْتٌ مُتَدَارَكٌ لَا يُدْرَكُ فِي أَوَّلِ وَهْلَةٍ ، وَالْجَرَسُ الْجُلْجُلُ الَّذِي يُعَلَّقُ فِي رُءُوسِ الدَّوَابِّ ، فَإِنْ قِيلَ : كَيْفَ شَبَّهَ الْمَحْمُودَ بِالْمَذْمُومِ؟ فَإِنَّ صَوْتَ الْجَرَسِ مَذْمُومٌ لِصِحَّةِ النَّهْي عَنْهُ ، وَالْإِعْلَامِ بِأَنَّ الْمَلَائِكَةَ لَا تَصْحَبُ رُفْقَةً فِيهَا جَرَسٌ ، فَالْجَوَابُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ فِي التَّشْبِيهِ تَسَاوِي الْمُشَبَّهِ بِالْمُشَبَّهِ بِهِ فِي كُلِّ صِفَاتِهِ ، بَلْ يَكْفِي اشْتِرَاكُهُمَا فِي صِفَةٍ مَا ، وَالْمَقْصُودُ هُنَا بَيَانُ الْحِسِّ ، فَذَكَرَ مَا أَلِفَ السَّامِعُونَ سَمَاعَهُ تَقْرِيبًا لِأَفْهَامِهِمْ ، وَأُخِذَ مِنْ هَذَا جَوَازُ تَشْبِيهِ الشُّعَرَاءِ رِيقَ الْمَحْبُوبَةِ وَنَحْوِهِ بِالْخَمْرِ ، وَاسْتُدِلَّ عَلَيْهِ بِقَوْلِ كَعْبٍ : كَأَنَّهُ مَنْهَلٌ بِالرَّاحِ مَعْلُولُ وَقَدْ أَنْشَدَهُ فِي حَضْرَةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَقَرَّهُ ، وَالصَّلْصَلَةُ الْمَذْكُورَةُ : صَوْتُ الْمَلَكِ بِالْوَحْيِ . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : يُرِيدُ أَنَّهُ صَوْتٌ مُتَدَارَكٌ يَسْمَعُهُ وَلَا يُثْبِتُهُ أَوَّلَ مَا يَسْمَعُهُ حَتَّى يَفْهَمَهُ بَعْدُ ، وَقِيلَ : بَلْ هُوَ صَوْتُ حَفِيفِ أَجْنِحَةِ الْمَلَكِ . وَالْحِكْمَةُ فِي تَقَدُّمِهِ أَنْ يُفَرِّغَ سَمْعَهُ لِلْوَحْيِ فَلَا يَبْقَى فِيهِ مَكَانٌ لِغَيْرِهِ ( وَهُوَ أَشَدُّهُ عَلَيَّ ) قَالَ الْبُلْقِينِيُّ : سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ الْكَلَامَ الْعَظِيمَ لَهُ مُقَدِّمَاتٌ تُؤْذِنُ بِتَعْظِيمِهِ لِلِاهْتِمَامِ بِهِ ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ : إِنَّمَا كَانَ شَدِيدًا عَلَيْهِ لِيَسْتَجْمِعَ قَلْبَهُ فَيَكُونُ أَوْعَى لِمَا سَمِعَ ، وَقِيلَ : إِنَّمَا كَانَ يَنْزِلُ هَكَذَا إِذَا نَزَلَتْ آيَةُ وَعِيدٍ أَوْ تَهْدِيدٍ ، وَفَائِدَةُ هَذِهِ الشِّدَّةِ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى الْمَشَقَّةِ مِنْ زِيَادَةِ الزُّلْفَى وَالدَّرَجَاتِ .
الشروح
سنن النسائي بشرح جلال الدين السيوطيبَاب جَامِعُ مَا جَاءَ فِي الْقُرْآنِ · ص 146 سنن النسائي بشرح جلال الدين السيوطي - حاشية السنديباب جَامِعُ مَا جَاءَ فِي الْقُرْآنِ · ص 146 37 جَامِعُ مَا جَاءَ فِي الْقُرْآنِ 933 - أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : أَنْبَأَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ سَأَلَ الْحَارِثُ بْنُ هِشَامٍ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَيْفَ يَأْتِيكَ الْوَحْيُ ؟ قَالَ : فِي مِثْلِ صَلْصَلَةِ الْجَرَسِ ، فَيَفْصِمُ عَنِّي وَقَدْ وَعَيْتُ عَنْهُ وَهُوَ أَشَدُّهُ عَلَيَّ ، وَأَحْيَانًا يَأْتِينِي فِي مِثْلِ صُورَةِ الْفَتَى فَيَنْبِذُهُ إِلَيَّ . قَوْله : ( كَيْف يَأْتِيك الْوَحْي ) ، ظَاهِره أَنَّ السُّؤَال عَنْ كَيْفِيَّة الْوَحْي نَفْسه لَا عَنْ كَيْفِيَّة الْمَلَك الْحَامِل لَهُ ، وَيَدُلّ عَلَيْهِ أَوَّل الْجَوَاب ، لَكِنَّ آخِر الْجَوَاب يَمِيل إِلَى أَنَّ الْمَقْصُود بَيَان كَيْفِيَّة الْمَلَك الْحَامِل ، فَيُقَال : يَلْزَم مِنْ كَوْن الْمَلَك فِي صُورَة الْإِنْسَان كَوْن الْوَحْي في صُورَة مَفْهُوم مُتَبَيَّن أَوَّل الْوَهْلَة ، فَبِالنَّظَرِ إِلَى هَذَا اللَّازِم صَارَ بَيَانًا لِكَيْفِيَّةِ الْوَحْي فَلِذَلِكَ قُوبِلَ بِصَلْصَلَةِ الْجَرَس ، وَيَحْتَمِل أَنَّ الْمُرَاد لِلسُّؤَالِ عَنْ كَيْفِيَّة الْحَامِل ، أَيْ : كَيْف يَأْتِيك حَامِل الْوَحْي . وقَوْله : ( فِي مِثْل صَلْصَلَة الْجَرَس ) يَأْتِينِي فِي صَوْت مُتَدَارَك لَا يُدْرَك فِي أَوَّل الْوَهْلَة كَصَوْتِ الْجَرَس ، أَيْ : يَجِيء فِي صُورَة وَهَيْئَة لَهَا مِثْل هَذَا الصَّوْت ، فَنَبَّهَ بِالصَّوْتِ الْغَيْر الْمَعْهُود عَلَى أَنه يَجِيء فِي هَيْئَة غَيْر مَعْهُودَة ، فَلِذَا قَابَلَهُ بِقَوْلِهِ : فِي صُورَة الْفَتَى ، وَعَلَى الْوَجْهَيْنِ فَصَلْصَلَة الْجَرَس مِثَال لِصَوْتِ الْوَحْي ، وَالصَّلْصَلَة بِصَادَيْنِ مُهْمَلَتيْنِ مَفْتُوحَتَيْنِ بَيْنهمَا لَام سَاكِنَة : صَوْت وُقُوع الْحَدِيد بَعْضه عَلَى بَعْض ، وَالْجَرَس بِفَتْحَتَيْنِ الْجُلْجُل الَّذِي يُعَلَّق فِي رُءُوس الدَّوَابّ ، وَوَجْه الشَّبَه هُوَ أَنَّهُ صَوْت مُتَدَارَك لَا يُدْرَك فِي أَوَّل الْوَهْلَة ( فَيَفْصِمُ ) يَضْرِب ، أَيْ : فَيَقْطَع عَنِّي حَامِل الْوَحْي الْوَحْي ( وَقَدْ وَعَيْت عَنْهُ ) ، أَيْ : حَفِظْت عَنْهُ ، أَيْ : أَجِدهُ فِي قَلْبِي مَكْشُوفًا مُتَبَيَّنًا بِلَا اِلْتِبَاس وَلَا إِشْكَال ( فَيَنْبِذهُ ) كَيَضْرِب ، أَيْ : يُلْقِيه إِلَيَّ فِي صَوْت إِنْسَان ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَم .