14- كِتَاب الْجُمْعَةِ 1 - إِيجَابُ الْجُمْعَةِ 1367 - أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَخْزُومِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنْ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - وَابْنُ طَاوُسٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : نَحْنُ الْآخِرُونَ السَّابِقُونَ ، بَيْدَ أَنَّهُمْ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِنَا وَأُوتِينَاهُ مِنْ بَعْدِهِمْ ، وَهَذَا الْيَوْمُ الَّذِي كَتَبَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْهِمْ فَاخْتَلَفُوا فِيهِ فَهَدَانَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَهُ - يَعْنِي يَوْمَ الْجُمُعَةِ - فَالنَّاسُ لَنَا فِيهِ تَبَعٌ ؛ الْيَهُودُ غَدًا ، وَالنَّصَارَى بَعْدَ غَدٍ . كتاب الجمعة ( نَحْنُ الْآخِرُونَ السَّابِقُونَ ) ؛ أَيِ : الْآخِرُونَ زَمَانًا الْأَوَّلُونَ مَنْزِلَةً , وَالْمُرَادُ أَنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ وَإِنْ تَأَخَّرَ وُجُودُهَا فِي الدُّنْيَا عَنِ الْأُمَمِ الْمَاضِيَةِ فَهِيَ سَابِقَةٌ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ بِأَنَّهُمْ أَوَّلُ مَنْ يُحْشَرُ وَأَوَّلُ مَنْ يُحَاسَبُ وَأَوَّلُ مَنْ يُقْضَى بَيْنَهُمْ وَأَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ , وَفِي حَدِيثِ حُذَيْفَةَ الْآتِي : الْآخِرُونَ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا , وَالْأَوَّلُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْمَقْضِيُّ لَهُمْ قَبْلَ الْخَلَائِقِ . وَقِيلَ : الْمُرَادُ بِالسَّبْقِ إِحْرَازُ فَضِيلَةِ الْيَوْمِ السَّابِقِ بِالْفَضْلِ وَهُوَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ . وَقِيلَ : الْمُرَادُ بِهِ السَّبْقُ إِلَى الْقَبُولِ وَالطَّاعَةِ الَّتِي حُرِمَهَا أَهْلُ الْكِتَابِ فَقَالُوا : سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا . وَالْأَوَّلُ أَقْوَى . ( بَيْدَ ) بِمُوَحَّدَةٍ ثُمَّ تَحْتِيَّةٍ سَاكِنَةٍ ، مِثْلُ غَيْرَ وَزْنًا وَمَعْنًى وَإِعْرَابًا , وَبِهِ جَزَمَ الْخَلِيلُ وَالْكِسَائِيُّ , وَرَجَّحَهُ ابْنُ سِيدَهْ . وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي مَنَاقِبِ الشَّافِعِيِّ عَنِ الرَّبِيعِ عَنْهُ أَنَّ مَعْنَى بَيْدَ مِنْ أَجْلِ , وَكَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالْبَغَوِيُّ عَنِ الْمُزَنِيِّ عَنِ الشَّافِعِيِّ , وَقَدِ اسْتَبْعَدَهُ عِيَاضٌ وَلَا بُعْدَ فِيهِ , وَالْمَعْنَى : إِنَّا سَبَقْنَا بِالْفَضْلِ إِذْ هُدِينَا لِلْجُمُعَةِ مَعَ تَأَخُّرِنَا فِي الزَّمَانِ بِسَبَبِ أَنَّهُمْ ضَلُّوا عَنْهَا مَعَ تَقَدُّمِهِمْ , وَيَشْهَدُ لَهُمْ مَا فِي فَوَائِدِ الْمُقْرِي بِلَفْظِ : نَحْنُ الْآخِرُونَ فِي الدُّنْيَا , وَنَحْنُ أَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ ؛ لِأَنَّهُمْ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِنَا . وَقَالَ الرَّاوِدِيُّ : هِيَ بِمَعْنَى عَلَى أَوْ مَعَ . قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : إِنْ كَانَتْ بِمَعْنَى غَيْرَ فَنَصْبٌ عَلَى الِاسْتِثْنَاءِ , وَإِنْ كَانَتْ بِمَعْنَى مَعَ فَنَصْبٌ عَلَى الظَّرْفِ . وَقَالَ الطِّيبِيُّ : هِيَ لِلِاسْتِثْنَاءِ , وَهُوَ مِنْ بَابِ تَأْكِيدِ الْمَدْحِ بِمَا يُشْبِهُ الذَّمَّ . ( أَنَّهُمْ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِنَا ) اللَّامُ لِلْجِنْسِ , وَالْمُرَادُ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ . ( وَأُوتِينَاهُ ) ، الْمُرَادُ الْكِتَابُ مُرَادًا بِهِ الْقُرْآنُ . ( وَهَذَا الْيَوْمُ الَّذِي كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ) ؛ أَيْ فَرَضَ تَعْظِيمَهُ . ( فَاخْتَلَفُوا فِيهِ ) ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : لَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فُرِضَ عَلَيْهِمْ بِعَيْنِهِ فَتَرَكُوهُ ; لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَتْرُكَ مَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ , وَإِنَّمَا يَدُلُّ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّهُ فَرَضَ عَلَيْهِمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَوَكَّلَ عَلَى اخْتِيَارِهِمْ لِيُقِيمُوا فِيهِ شَرِيعَتَهُمْ ، فَاخْتَلَفُوا فِي أَيِّ الْأَيَّامِ هُوَ وَلَمْ يَهْتَدُوا لِيَوْمِ الْجُمُعَةِ . وَقَالَ النَّوَوِيُّ : يُمْكِنُ أَنْ يَكُونُوا أُمِرُوا بِهِ صَرِيحًا فَاخْتَلَفُوا هَلْ يَلْزَمُ تَعْيِينُهُ أَمْ يَسُوغُ إِبْدَالُهُ بِيَوْمٍ آخَرَ ؟ فَاجْتَهَدُوا فِي ذَلِكَ فَأَخْطَئوا , وَقَدْ رَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ قَالَ : إِنَّ اللَّهَ فَرَضَ عَلَى الْيَهُودِ الْجُمُعَةَ فَأَتَوْا وَقَالُوا : يَا مُوسَى ، إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَخْلُقْ يَوْمَ السَّبْتِ شَيْئًا فَاجْعَلْهُ لَنَا ! فَجَعَلَهُ عَلَيْهِمْ . ( الْيَهُودُ غَدًا ، وَالنَّصَارَى بَعْدَ غَدٍ ) ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : غَدًا مَنْصُوبٌ عَلَى الظَّرْفِ وَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ الْيَهُودُ يُعَظِّمُونَ غَدًا ، وَكَذَا بَعْدَ غَدٍ ، وَلَا بُدَّ مِنْ هَذَا التَّقْدِيرِ ؛ لِأَنَّ ظَرْفَ الزَّمَانِ لَا يَكُونُ خَبَرًا عَنِ الْجُثَّةِ ، وَقَدَّرَ ابْنُ مَالِكٍ تَقْيِيدَ الْيَهُودِ غَدًا .
الشروح
سنن النسائي بشرح جلال الدين السيوطيبَاب إِيجَابُ الْجُمْعَةِ · ص 85 سنن النسائي بشرح جلال الدين السيوطي - حاشية السنديباب إِيجَابُ الْجُمْعَةِ · ص 85 1 - إِيجَابُ الْجُمْعَةِ 1367 - أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَخْزُومِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنْ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - وَابْنُ طَاوُسٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : نَحْنُ الْآخِرُونَ السَّابِقُونَ ، بَيْدَ أَنَّهُمْ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِنَا وَأُوتِينَاهُ مِنْ بَعْدِهِمْ ، وَهَذَا الْيَوْمُ الَّذِي كَتَبَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْهِمْ فَاخْتَلَفُوا فِيهِ فَهَدَانَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَهُ - يَعْنِي يَوْمَ الْجُمُعَةِ - فَالنَّاسُ لَنَا فِيهِ تَبَعٌ ؛ الْيَهُودُ غَدًا ، وَالنَّصَارَى بَعْدَ غَدٍ . كتاب الجمعة ( قَوْله نَحْنُ الْآخِرُونَ السَّابِقُونَ ) أَيْ الْآخِرُونَ زَمَانًا فِي الدُّنْيَا الْأَوَّلُونَ مَنْزِلَة وَكَرَامَة يَوْم الْقِيَامَة ، وَالْمُرَاد أَنَّ هَذِهِ الْأُمَّة وَإِنْ تَأَخَّرَ وُجُودهَا فِي الدُّنْيَا عَنْ الْأُمَم الْمَاضِيَة فَهِيَ سَابِقَة إِيَّاهُمْ فِي الْآخِرَة بِأَنَّهُمْ أَوَّل مَنْ يُحْشَر وَأَوَّل مَنْ يُحَاسَب وَأَوَّل مَنْ يُقْضَى بَيْنهمْ وَأَوَّل مَنْ يَدْخُل الْجَنَّة ، وَفِي مُسْلِم : نحن الْآخِرُونَ مِنْ أَهْل الدُّنْيَا وَالسَّابِقُونَ يَوْم الْقِيَامَة الْمَقْضِيّ لَهُمْ قَبْل الْخَلَائِق ، وَبِمَعْنَاهُ مَا رَوَاهُ الْمُصَنِّف بَعْد هَذَا ، وَقِيلَ : الْمُرَاد بِالسَّبْقِ إِحْرَاز فَضِيلَة الْيَوْم السَّابِق بِالْفَضْلِ وَهُوَ يَوْم الْجُمْعَة ، وَقِيلَ : الْمُرَاد بِهِ السَّبْق إِلَى الْقَبُول وَالطَّاعَة الَّتِي حُرِمَهَا أَهْل الْكِتَاب ، فَقَالُوا : سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا . وَالْأَوَّل أَقْوَى ، ( بَيْد ) مِثْل غَيْر وَزْنًا وَمَعْنًى وَإِعْرَابًا ، ( أُوتُوا الْكِتَاب ) اللَّام لِلْجِنْسِ فَيُحْمَل بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِمْ عَلَى كِتَابهمْ وَبِالنِّسْبَةِ إِلَيْنَا عَلَى كِتَابنَا ، وَهَذَا بَيَان زِيَادَة شَرَف آخَر لَنَا أَيْ فَصَارَ كِتَابنَا نَاسِخًا لِكِتَابِهِمْ وَشَرِيعَتنَا نَاسِخَة لِشَرِيعَتِهِمْ ، وَلِلنَّاسِخِ فَضْل عَلَى الْمَنْسُوخ فَهُوَ مِنْ بَاب تَأْكِيد الْمَدْح بِمَا يُشْبِه الذَّمّ أَوْ الْمُرَاد بَيَان أَنَّ هَذَا يَرْجِع إِلَى مُجَرَّد تَقَدُّمهمْ عَلَيْنَا فِي الْوُجُود وَتَأَخُّرنَا عَنْهُمْ فِيهِ ، وَلَا شَرَف لَهُمْ فِيهِ أَوْ هُوَ شَرَف لَنَا أَيْضًا مِنْ حَيْثُ قِلَّة اِنْتِظَارنَا أَمْوَاتًا فِي الْبَرْزَخ ، وَمِنْ حَيْثُ حِيَازَة الْمُتَأَخِّر عُلُوم الْمُتَقَدِّم دُون الْعَكْس فَقَوْلهمْ الْفَضْل لِلْمُتَقَدِّمِ لَيْسَ بِكُلِّيٍّ ، ( وَهَذَا الْيَوْم ) الظَّاهِر أَنَّهُ أَوْجَبَ عَلَيْهِمْ يَوْم الْجُمْعَة بِعَيْنِهِ وَالْعِبَادَة فِيهِ فَاخْتَارُوا لِأَنْفُسِهِمْ أَنْ يُبَدِّل اللَّه لَهُمْ يَوْم السَّبْت فَأُجِيبُوا إِلَى ذَلِكَ ، وَلَيْسَ بِمُسْتَبْعَدٍ مِنْ قَوْم قَالُوا لِنَبِيِّهِمْ : اِجْعَلْ لَنَا إِلَهًا ذَلِكَ ، ( فَهَدَانَا اللَّهُ ) بِالثَّبَاتِ عَلَيْهِ حِين شَرَعَ لَنَا الْعِبَادَة فِيهِ ، ( الْيَهُود غَدًا ) أَيْ يَعْبُدُونَ اللَّه فِي يَوْم بَعْد يَوْم الْجُمْعَة ، فَأَخَذَ الْمُصَنِّف قَوْله كَتَبَ اللَّهُ الْوُجُوبَ ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْحُكْم بِالنَّظَرِ إِلَى الْكُلّ وَاحِد ؛ فَحَيْثُ إنَّ ذَلِكَ الْحُكْم هُوَ الْوُجُوب بِالنِّسْبَةِ إِلَى قَوْم تَعَيَّنَ أَنَّهُ الْوُجُوب بِالنَّظَرِ إِلَى الْآخَرِينَ ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ .