117 - أَرْوَاحُ الْمُؤْمِنِينَ 2073 أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ابْنِ كَعْبٍ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَاهُ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ كَانَ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : إِنَّمَا نَسَمَةُ الْمُؤْمِنِ طَائِرٌ فِي شَجَرِ الْجَنَّةِ حَتَّى يَبْعَثَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَى جَسَدِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ . 2073 ( إِنَّ نَسَمَةُ الْمُؤْمِنِ ) قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : أَيْ : رُوحُ الْمُؤْمِنِ الشَّهِيدِ ( طَائِرٌ فِي شَجَرِ الْجَنَّةِ ) قَالَ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ : هَذَا الْعُمُومُ مَحْمُولٌ عَلَى الْمُجَاهِدِينَ , وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ : هَذَا الْحَدِيثُ , وَنَحْوُهُ مَحْمُولٌ عَلَى الشُّهَدَاءِ , وَأَمَّا غَيْرُهُمْ فَتَارَةً تَكُونُ فِي السَّمَاءِ , لَا فِي الْجَنَّةِ , وَتَارَةً تَكُونُ عَلَى أَفْنِيَةِ الْقُبُورِ قَالَ : وَلَا يُتَعَجَّلُ الْأَكْلُ وَالنَّعِيمُ لِأَحَدٍ , إِلَّا لِلشَّهِيدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِإِجْمَاعٍ مِنَ الْأُمَّةِ , حَكَاهُ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ , وَغَيْرُ الشُّهَدَاءِ بِخِلَافِ هَذَا الْوَصْفِ إِنَّمَا يُمْلَأُ عَلَيْهِ قَبْرُهُ وَيُفْسَحُ لَهُ فِيهِ , قُلْتُ : وَقَدْ وَرَدَ التَّصْرِيحُ بِأَنَّ هَذَا الْحَدِيثِ فِي الشُّهَدَاءِ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ , فَأَخْرَجَ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ , عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ , عَنِ ابْنِ شِهَابٍ , عَنِ ابْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ , عَنْ أَبِيهِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- : أَرْوَاحُ الشُّهَدَاءِ فِي طَيْرٍ خُضْرٍ تَعْلَقُ حَيْثُ شَاءَتْ , وَقَالَ الْإِمَامُ شَمْسُ الدِّينِ بْنُ الْقَيِّمِ : عَرْضُ الْمَقْعَدِ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْأَرْوَاحَ فِي الْقَبْرِ , وَلَا عَلَى فِنَائِهِ , بَلْ عَلَى أَنَّ لَهَا اتِّصَالًا بِهِ يَصِحُّ أَنْ يُعْرَضَ عَلَيْهَا مَقْعَدُهَا , فَإِنَّ لِلرُّوحِ شَأْنًا آخَرَ فَتَكُونُ فِي الرَّفِيقِ الْأَعْلَى , وَهِيَ مُتَّصِلَةٌ بِالْبَدَنِ بِحَيْثُ إِذَا سَلَّمَ الْمُسْلِمُ عَلَى صَاحِبِهِ رَدَّ عَلَيْهِ السَّلَامُ , وَهِيَ فِي مَكَانِهَا هُنَاكَ , وَهَذَا جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ رَآهُ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَلَهُ سِتُّمِائَةِ جَنَاحٍ ، مِنْهَا جَنَاحَانِ سَدَّا الْأُفُقَ , وَكَانَ يَدْنُو مِنَ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- حَتَّى يَضَعَ رُكْبَتَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ وَيَدَيْهِ عَلَى فَخْذَيْهِ , وَقُلُوبُ الْمُخْلِصِينَ تَتَّسِعُ لِلْإِيمَانِ بِأَنَّهُ مِنَ الْمُمْكِنِ أَنَّهُ كَانَ هَذَا الدُّنُوُّ , وَهُوَ فِي مُسْتَقَرِّهِ مِنَ السَّمَاوَاتِ , وَفِي الْحَدِيثِ فِي رُؤْيَةِ جِبْرِيلَ : فَرَفَعْتُ رَأْسِي , فَإِذَا جِبْرِيلُ صَافٌّ قَدَمَيْهِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ يَقُولُ : يَا مُحَمَّدُ أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ , وَأَنَا جِبْرِيلُ فَجَعَلْتُ لَا أَصْرِفُ بَصَرِي إِلَى نَاحِيَةٍ , إِلَّا رَأَيْتُهُ كَذَلِكَ , وَهَذَا مَحْمَلُ تَنَزُّلِهِ تَعَالَى إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا وَدُنُوِّهِ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ وَنَحْوَهُ , فَهُوَ مُنَزَّهٌ عَنِ الْحَرَكَةِ وَالِانْتِقَالِ , وَإِنَّمَا يَأْتِي الْغَلَطُ هُنَا مِنْ قِيَاسِ الْغَائِبِ عَلَى الشَّاهِدِ , فَيُعْتَقَدُ أَنَّ الرُّوحَ مِنْ جِنْسِ مَا يُعْهَدُ مِنَ الْأَجْسَامِ الَّتِي إِذَا شَغَلَتْ مَكَانًا - لَمْ يُمْكِنْ أَنْ تَكُونَ فِي غَيْرِهِ , وَهَذَا غَلَطٌ مَحْضٌ , وَقَدْ رَأَى النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي لَيْلَةِ الْإِسْرَاءِ مُوسَى قَائِمًا يُصَلِّي فِي قَبْرِهِ , وَيَرُدُّ عَلَى مَنْ يُسَلِّمُ عَلَيْهِ , وَهُوَ فِي الرَّفِيقِ الْأَعْلَى , وَلَا تَنَافِي بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ , فَإِنَّ شَأْنَ الرُّوحِ غَيْرُ شَأْنِ الْأَبَدَانِ , وَقَدْ مَثَّلَ ذَلِكَ بَعْضُهُمْ بِالشَّمْسِ فِي السَّمَاءِ وَشُعَاعِهَا فِي الْأَرْضِ , وَإِنْ كَانَ غَيْرَ تَامِّ الْمُطَابَقَةِ مِنْ حَيْثُ إِنَّ الشُّعَاعَ إِنَّمَا هُوَ عَرَضٌ لِلشَّمْسِ , وَأَمَّا الرُّوحُ فَهِيَ نَفْسُهَا تَنْزِلُ وَكَذَلِكَ رُؤْيَةُ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- الْأَنْبِيَاءَ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ فِي السَّمَاوَاتِ , الصَّحِيحُ أَنَّهُ رَأَى فِيهَا الْأَرْوَاحَ فِي مِثَالِ الْأَجْسَادِ مَعَ وُرُودِ أَنَّهُمْ أَحْيَاءٌ فِي قُبُورِهِمْ يُصَلُّونَ , وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- : مَنْ صَلَّى عَلَيَّ عِنْدَ قَبْرِي سَمِعْتُهُ , وَمَنْ صَلَّى عَلَيَّ نَائِيًا بُلِّغْتُهُ , وَقَالَ : إِنَّ اللَّهَ وَكَّلَ بِقَبْرِي مَلَكًا أَعْطَاهُ أَسْمَاعَ الْخَلَائِقِ , فَلَا يُصَلِّي عَلَيَّ أَحَدٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ , إِلَّا أَبْلَغَنِي بِاسْمِهِ وَاسْمِ أَبِيهِ , هَذَا مَعَ الْقَطْعِ بِأَنَّ رُوحَهُ فِي أَعْلَى عِلِّيِّينَ مَعَ أَرْوَاحِ الْأَنْبِيَاءِ , وَهُوَ الرَّفِيقُ الْأَعْلَى فَثَبَتَ بِهَذَا أَنَّهُ لَا مُنَافَاةَ بَيْنَ كَوْنِ الرُّوحِ فِي عِلِّيِّينَ أَوِ الْجَنَّةِ أَوِ السَّمَاءِ , وَأَنَّ لَهَا بِالْبَدَنِ اتِّصَالًا بِحَيْثُ تُدْرِكُ وَتَسْمَعُ وَتُصَلِّي وَتَقْرَأُ , وَإِنَّمَا يُسْتَغْرَبُ هَذَا لِكَوْنِ الشَّاهِدِ الدُّنْيَوِيِّ لَيْسَ فِيهِ مَا يُشَاهِدُ بِهِ هَذَا , وَأُمُورُ الْبَرْزَخِ , وَالْآخِرَةِ عَلَى نَمَطِ غَيْرِ الْمَأْلُوفِ فِي الدُّنْيَا . إِلَى أَنْ قَالَ : وَلِلرُّوحِ مِنْ سُرْعَةِ الْحَرَكَةِ , وَالِانْتِقَالِ الَّذِي كَلَمْحِ الْبَصَرِ مَا يَقْتَضِي عُرُوجَهَا مِنَ الْقَبْرِ إِلَى السَّمَاءِ فِي أَدْنَى لَحْظَةٍ , وَشَاهِدُ ذَلِكَ رُوحُ النَّائِمِ , فَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ رُوحَ النَّائِمِ تَصْعَدُ حَتَّى تَخْتَرِقَ السَّبْعَ الطِّبَاقَ ، وَتَسْجُدُ لِلَّهِ بَيْنَ يَدَيِ الْعَرْشِ , ثُمَّ تُرَدَّ إِلَى جَسَدِهِ فِي أَيْسَرِ الزَّمَانِ . ( وَهِلَ ابْنُ عُمَرَ ) بِكَسْرِ الْهَاءِ أَيْ : غَلِطَ وَزْنًا وَمَعْنًى .
الشروح
سنن النسائي بشرح جلال الدين السيوطيبَاب أَرْوَاحُ الْمُؤْمِنِينَ · ص 108 سنن النسائي بشرح جلال الدين السيوطي - حاشية السنديبَاب أَرْوَاحُ الْمُؤْمِنِينَ · ص 108 117 - أَرْوَاحُ الْمُؤْمِنِينَ 2073 أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ابْنِ كَعْبٍ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَاهُ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ كَانَ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : إِنَّمَا نَسَمَةُ الْمُؤْمِنِ طَائِرٌ فِي شَجَرِ الْجَنَّةِ حَتَّى يَبْعَثَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَى جَسَدِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ . ( إِنَّمَا نَسَمَةُ الْمُؤْمِنِ ) هِيَ بِفَتْحَتَيْنِ الرُّوح ، والْمُرَاد رُوح الْمُؤْمِن الشَّهِيد كَمَا جَاءَ في رِوَايَات الْحَدِيث . ( طَائِر ) ظَاهِره أَنَّ الرُّوح يَتَشَكَّلُ ، ويَتَمَثَّل بِأَمْرِ اللَّه تَعَالَى طَائِرًا كَتَمَثُّلِ الْمَلَكِ بَشَرًا ، ويَحْتَمِل أَنَّ الْمُرَاد أَنَّ الرُّوح يَدْخُلُ في بَدَنِ طَائِرٍ كَمَا في رِوَايَاتٍ . قَالَ السُّيُوطِيّ في حَاشِيَة أَبِي دَاوُدَ : إِذَا فسَّرْنَا الْحَدِيث بِأَنَّ الرُّوح يَتَشَكَّل طَيْرًا ، فالْأَشْبَه أَنَّ ذَلِكَ في الْقُدْرَة عَلَى الطَّيَرَان فقَطْ ، لَا في صُورَة الْخِلْقَة ؛ لِأَنَّ شَكْلَ الْإِنْسَانِ أَفْضَلُ الْأَشْكَال . قُلْت : هَذَا إِذَا كَانَ الرُّوح الْإِنْسَانِيُّ لَهُ شَكْلٌ في نَفْسِهِ ، ويَكُون عَلَى شَكْل الْإِنْسَان ، وأَمَّا إِذَا كَانَ في نَفْسِهِ لَا شَكْلَ لَهُ بَلْ يَكُون مُجَرَّدًا ، وأَرَادَ اللَّه تَعَالَى أَنْ يَتَشَكَّل ذَلِكَ الْمُجَرَّدُ لِحِكْمَةٍ مَا ، فلَا يَبْعُدُ أَنْ يَتَشَكَّلَ أَوَّل الْأَمْر عَلَى شَكْلِ الطَّائِرِ ، وأَمَّا عَلَى الثَّانِي فقَدْ أَوْرَدَ عَلَيْهِ الشَّيْخ عَلَمُ الدِّينِ الْعِرَاقِيّ أَنَّهُ لَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَحْصُلَ لِلطَّيْرِ الْحَيَاة بِتِلْكَ الْأَرْوَاحِ أَوْ لَا ، والْأَوَّلُ عَيْنُ مَا تَقُولُهُ التَّنَاسُخِيَّة ، والثَّانِي مُجَرَّد حَبْسٍ لِلْأَرْوَاحِ وتَسَجُّنٍ ، وأَجَابَ السُّبْكِيّ بِاخْتِيَارِ الثَّانِي ، ومَنَعَ كَوْنَهُ حَبْسًا وتَسَجُّنًا لِجَوَازِ أَنْ يُقَدِّرَ اللَّهُ تَعَالَى في تِلْكَ الْأَجْوَاف مِنْ السُّرُور والنَّعِيم مَا لَا يَجِدهُ في الْفَضَاء الْوَاسِع . ولِهَذَا الْكَلَام بَسْطٌ ذَكَرْته في حَاشِيَة أَبِي دَاوُدَ . ( تَعْلَق في شَجَرِ الْجَنَّةِ ) هَكَذَا في بَعْض النُّسَخِ بِثُبُوتِ قَوْلِهِ تَعْلَق ، وسَقَطَ في بَعْضِهَا ، وهُوَ بِضَمِّ اللَّام ، وقيل : أَوْ بِفَتْحِهَا ، ومَعْنَاهُ تَأْكُلُ وتَرْعَى .