28 الدِّينُ يُسْرٌ 5034 أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ عَلِيٍّ ، عَنْ مَعْنِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ سَعِيدٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنَّ هَذَا الدِّينَ يُسْرٌ وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلَّا غَلَبَهُ ، فَسَدِّدُوا ، وَقَارِبُوا ، وَأَبْشِرُوا ، وَيَسِّرُوا ، وَاسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ ، وَشَيْءٍ مِنْ الدَّلْجَةِ . ( إِنَّ هَذَا الدِّينَ يُسْرٌ ) سَمَّاهُ يُسْرًا مُبَالَغَةً بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْأَدْيَانِ قَبْلَهُ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى رَفَعَ عَنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ الْإِصْرَ الَّذِي كَانَ عَلَى مَنْ قَبْلَهُمْ ، وَمِنْ أَوْضَحِ الْأَمْثِلَةِ لَهُ أَنَّ تَوْبَتَهُمْ كَانَتْ بِقَتْلِ أَنْفُسِهِمْ ، وَتَوْبَةُ هَذِهِ الْأُمَّةِ بِالْإِقْلَاعِ وَالْعَزْمِ وَالنَّدَمِ ( وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلَّا غَلَبَهُ ) قَالَ ابْنُ التِّينِ : فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَلَمٌ مِنْ أَعْلَامِ النُّبُوَّةِ ، فَقَدْ رَأَيْنَا وَرَأَى النَّاسُ قَبْلَنَا أَنَّ كُلَّ مُتَنَطِّعٍ فِي الدِّينِ يَنْقَطِع ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ مِنْهُ طَلَبَ الْأَكْمَلِ فِي الْعِبَادَةِ ، فَإِنَّهُ مِنَ الْأُمُورِ الْمَحْمُودَةِ ، بَلْ مَنَعَ مِنْ الْإِفْرَاطِ الْمُؤَدِّي إِلَى الْمَلَالِ ، وَالْمُبَالَغَةِ فِي التَّطَوُّعِ الْمُفْضِي إِلَى تَرْكِ الْأَفْضَلِ ، أَوْ إِخْرَاجِ الْفَرْضِ عَنْ وَقْتِهِ ، كَمَنْ بَاتَ يُصَلِّي اللَّيْلَ كُلَّهُ وَيُغَالِبُ النَّوْمَ إِلَى أَنْ غَلَبَتْهُ عَيْنَاهُ فِي آخِرِ اللَّيْلِ ، فَنَامَ عَنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ ، ( فَسَدِّدُوا ) أَيِ الْزَمُوا السَّدَادَ ، وَهُوَ الصَّوَابُ ، مِنْ غَيْرِ إِفْرَاطٍ وَلَا تَفْرِيطٍ ( وَقَارِبُوا ) أَيْ : إِنْ لَمْ تَسْتَطِيعُوا الْأَخْذَ بِالْأَكْمَلِ فَاعْمَلُوا بِمَا يُقَرِّبُ مِنْهُ ، ( وَأَبْشِرُوا ) أَيْ : بِالثَّوَابِ عَلَى الْعَمَلِ الدَّائِمِ ، وَإِنْ قَلَّ ، أَوِ الْمُرَادُ تَبْشِيرُ مَنْ عَجَزَ عَنِ الْعَمَلِ بِالْأَكْمَلِ بِأَنَّ الْعَجْزَ إِذَا لَمْ يَكُنْ مِنْ صُنْعِهِ لَا يَسْتَلْزِمُ نَقْصَ أَجْرِهِ ، وَأَبْهَمَ الْمُبَشَّرَ بِهِ تَعْظِيمًا لَهُ وَتَفْخِيمًا ( وَاسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ وَشَيْءٍ مِنَ الدُّلْجَةِ ) أَيِ اسْتَعِينُوا عَلَى مُدَاوَمَةِ الْعِبَادَةِ بِإِيقَاعِهَا فِي الْأَوْقَاتِ الْمُنَشِّطَةِ ، وَ الْغَدْوَةُ بِالْفَتْحِ : سَيْرُ أَوَّلِ النَّهَارِ ، وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ : مَا بَيْنَ صَلَاةِ الْغَدَاةِ وَطُلُوعِ الشَّمْسِ ، وَالرَّوْحَةُ بِالْفَتْحِ : السَّيْرُ بَعْدَ الزَّوَالِ ، وَالدُّلْجَةُ بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَفَتْحِهِ وَإِسْكَانِ اللَّامِ : سَيْرُ آخِرِ اللَّيْلِ ، وَقِيلَ : سَيْرُ اللَّيْلِ كُلِّهِ ، وَلِهَذَا عَبَّرَ فِيهِ بِالتَّبْعِيضِ ، وَلِأَنَّ عَمَلَ اللَّيْلِ أَشَقُّ مِنْ عَمَلِ النَّهَارِ ، فَهَذِهِ الْأَوْقَاتُ أَطْيَبُ أَوْقَاتِ الْمُسَافَرَةِ ، فَكَأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَاطَبَ مُسَافِرًا إِلَى مَقْصِدٍ فَنَبَّهَهُ عَلَى أَوْقَاتِ نَشَاطِهِ ؛ لِأَنَّ الْمُسَافِرَ إِذَا سَارَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ جَمِيعًا عَجَزَ وَانْقَطَعَ ، وَإِذَا تَحَرَّى السَّيْرَ فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ الْمُنَشِّطَةِ أَمْكَنَتْهُ الْمُدَاوَمَةُ مِنْ غَيْرِ مَشَقَّةٍ ، وَحُسْنُ هَذِهِ الِاسْتِعَارَةِ أَنَّ الدُّنْيَا فِي الْحَقِيقَةِ دَارُ نُقْلَةٍ إِلَى الْآخِرَةِ .
الشروح
سنن النسائي بشرح جلال الدين السيوطيباب الدِّينُ يُسْرٌ · ص 122 سنن النسائي بشرح جلال الدين السيوطي - حاشية السنديبَاب الدِّينُ يُسْرٌ · ص 122 28 الدِّينُ يُسْرٌ 5034 أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ عَلِيٍّ ، عَنْ مَعْنِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ سَعِيدٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنَّ هَذَا الدِّينَ يُسْرٌ وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلَّا غَلَبَهُ ، فَسَدِّدُوا ، وَقَارِبُوا ، وَأَبْشِرُوا ، وَيَسِّرُوا ، وَاسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ ، وَشَيْءٍ مِنْ الدَّلْجَةِ . قَوْله : ( إِنَّ هَذَا الدِّين يُسْر ) قَالَ السُّيُوطِيُّ : سَمَّاهُ يُسْرًا مُبَالَغَة بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْأَدْيَان قَبْله ؛ لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى رَفَعَ عَنْ هَذِهِ الْأُمَّة الْإِصْر الَّذِي كَانَ عَلَى مَنْ قَبْلهمْ ، ومِنْ أَوْضَح الْأَمْثِلَة لَهُ أَنَّ تَوْبَتهمْ كَانَتْ بِقَتْلِ أَنْفُسهمْ ، وتَوْبَة هَذِهِ الْأُمَّة بِالْإِقْلَاعِ والْعَزْم والنَّدَم. ( ولَنْ يُشَادّ الدِّين أَحَد ) هُوَ بِضَمِّ الْيَاء وتَشْدِيد الدَّال ، لِلْمُبَالَغَةِ مِنْ الشِّدَّة ، وأَصْله : لَا يُقَابِل الدِّين أَحَد بِالشِّدَّةِ ، ولَا يَجْرِي بَيْن الدِّين وبَيْنه مُعَامَلَة بِأَنْ يُشَدِّد كُلّ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبه إِلَّا غَلَبَهُ الدِّين ، والْمُرَاد أَنَّهُ لَا يَفْرُط أَحَد فيهِ ، ولَا يَخْرُج عَنْ حَدّ الِاعْتِدَال ، وقَالَ اِبْن التِّين في هَذَا الْحَدِيث : عَلَم مِنْ أَعْلَام النُّبُوَّة ، فقَدْ عُلِمَ أَنَّ كُلّ مُتَنَطِّع أَيْ مُنْفَرِد في الدِّين يَنْقَطِع ، ولَيْسَ الْمُرَاد مِنْهُ الْمَنْع مِنْ طَلَب الْأَكْمَل في الْعِبَادَة ، فإِنَّهُ مِنْ الْأُمُور الْمَحْمُودَة ، بل الْمَنْع مِنْ الْإِفْرَاط الْمُؤَدِّي إِلَى الْمُلَال ، والْمُبَالَغَة في التَّطَوُّع الْمُفْضِي إِلَى تَرْك الْأَفْضَل ، أو إِخْرَاج الْفَرْض عَنْ وقْته كَمَنْ بَاتَ يُصَلِّي طُول اللَّيْل كُلّه ، ويُغَالِب النَّوْم إِلَى أَنْ غَلَبَتْ عَيْنَاهُ في آخِر اللَّيْل ، فنَامَ عَنْ صَلَاة الصُّبْح. ( فسَدِّدُوا ) أَيْ : اِلْزَمُوا السَّدَاد ، وهُوَ الصَّوَاب مِنْ غَيْر إِفْرَاط ولَا تَفْرِيط. ( وقَارِبُوا ) أَيْ : إِنْ لَمْ تَسْتَطِيعُوا الْأَخْذ بِالْأَكْمَلِ فاعْمَلُوا بِمَا يُقَرِّب مِنْهُ. ( وأَبْشِرُوا ) أَيْ : بِالثَّوَابِ عَلَى الْعَمَل الدَّائِم وإِنْ قَلَّ ، أو الْمُرَاد تَبْشِير مَنْ عَجَزَ عَنْ الْعَمَل بِالْأَكْمَلِ بِأَنَّ الْعَجْز إِذَا لَمْ يَكُنْ مِنْ صُنْعه لَا يَسْتَلْزِم نَقْص الْأَمْر ، وأَبْهَمَ الْمُبَشِّر بِهِ تَعْظِيمًا وتَفْخِيمًا. ( واسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ ) بِالْفَتْحِ سَيْر أَوَّل النَّهَار. ( والرَّوْحَة ) بِالْفَتْحِ السَّيْر بَعْد الزَّوَال. ( والدُّلْجَة ) بِضَمِّ أَوَّله وفَتْحه وإِسْكَان اللَّام سَيْر آخِر اللَّيْل ، أَيْ : اِسْتَعِينُوا عَلَى مُدَاوَمَة الْعِبَادَة بِإِيقَاعِهَا في الْأَوْقَات الْمُنَشِّطَة ، وفِيهِ تَشْبِيه لِلسَّفَرِ إِلَى اللَّه تَعَالَى بِالسَّفَرِ الْحِسِّيّ ، ومَعْلُوم أَنَّ الْمُسَافِر إِذَا اِسْتَمَرَّ عَلَى السَّيْر اِنْقَطَعَ وعَجَزَ ، وإِذَا أَخَذَ الْأَوْقَات الْمُنَشِّطَة نَالَ الْمَقْصِد بِالْمُدَاوَمَةِ ، وغَالِب هَذَا الَّذِي ذَكَرْته في شَرْح هَذَا الْحَدِيث نَقَلْته عَنْ حَاشِيَة السُّيُوطِيّ رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى .