أيوب بن أبي تميمة كيسان
( ع ) أيوب بن أبي تميمة كيسان . رأيت بخط علي بن جعفر القطاع الإمام اللغوي مجوداً في كتاب « الأبنية » : وقد أُولعت العامة بقولهم : أيوب السختياني وهو خطأ والصواب السختني نسبة إلى سختن قبيلة باليمن . انتهى كلامه .
وكأنه والله أعلم تبع أبا هلال العسكري ، فإنه قال في كتابه المسمى « الفصيح الثاني » : وفلان السختني منسوب إلى قبيلة من اليمن أو بلد . ولم يضبطه باللفظ فرأى ابن القطاع ذلك في ورقة البلد ، وأفهم النسبة لأيوب ، وكأنه والله أعلم تصحف عليه السحتني بحاء مهملة ، وهي قبيلة من قيس كذا قاله الرشاطي ، وأنكر كلام ابن دريد وغيره حيث جعلوها من اليمن . وأما الذي ذكره فلا أعلم له فيه سلفاً ، ولم أجد في الكتب ما يُشبه ما قاله ، إلا ما ذكرناه قبل ، وسيأتي ما يوضح أنه منسوب إلى السختيان .
والله تعالى أعلم . وفي « تاريخ الدولابي » : ولد سنة ست ويقال : سنة سبع وستين . وفي « تاريخ الرقة » روى عن عمرو بن شعيب وروى عنه زميل بن علي مولى بني عقيل .
وفي « العقد » : سأله شعبة عن حديث ، فقال : أشك فيه . فقال له شعبة : شكك أحب إلي من يقيني ، وقال أيوب : إن من أصحابي من أرجو أن له دعاية ولا أقبل حديثه وذكر الطرطوسي في « فوائده المنتخبة » : أنه مولى لعذرة . وقال الحافظ أبو عمر بن عبد البر : كان أحد أئمة الجماعة في الحديث والأمانة والاستقامة ، ومن عباد العلماء وحفاظهم وخيارهم .
وقال أبو القاسم الجوهري في كتابه « سند حديث مالك بن أنس » : كان من عباد الناس وخيارهم وأشدهم تثبتاً . وذكر أبو عمر : عن شعبة : كان أيوب سيد المسلمين . وفي رواية أبي جعفر البغدادي : قلت لابن معين من أثبت عندك وأكبر أيوب أو ابن عون ؟ قال : أيوب عندهم أعلى وابن عون ثقة ، فيما روى عنه ، وإني رأيت أهل النظر يقدمون أيوب .
وعن يحيى بن سعيد قال : كنا عند مالك فحدثنا عن أيوب ، قال : فانبرى إليه المخزومي فقاله له : يا أبا عبد الله تخطيت من دار الهجرة إلى غيرها . فقال : أما إنكم لو رأيتم أيوب لعلمتم أنه يستحق أن يروى عنه ، كان أيوب من العالمين العاملين الخاشعين . وروى الحسن بن علي عن أبي أسامة قال : قال مالك : ما حدثتكم عن رجل إلا وأيوب أفضل منه .
وقال ابن أبي أويس : سئل مالك متى سمعت من أيوب ؟ فقال : حج حجتين فكنت أرمقه ، ولا أسمع منه غير أنه كان إذا ذكر النبي صلى الله عليه وسلم يبكي حتى أرحمه . وذكر موسى بن هارون أنه سمع العباس بن الوليد يقول : ما كان في زمن هؤلاء الأربعة مثلهم : أيوب وابن عون ويونس والتيمي . وقال ابن قتيبة عن الأصمعي : أفقههم أيوب .
وقال إسماعيل بن إسحاق القاضي : سمعت ابن المديني يقول : أربعة من أهل الأمصار يسكن القلب إليهم في الحديث : يحيى بن سعيد ، وعمرو بن دينار ، وأيوب ، ومنصور بن المعتمر . وفي « تاريخ ابن أبي خيثمة » : قال هشام بن عروة : ما رأيت بالبصرة مثل ذاك السختياني . وفي لفظ : ما رأيت أعجمياً أفضل من أيوب .
قال حماد : وكان ابن عون يحدثني بالحديث فأقول له : يا أبا عون أيوب يحدث بخلافه ، فيدع ذاك الحديث ، ويقول : كان أيوب أعلمنا . وقال حماد يوماً : ثنا أيوب الذي كان يبيع الأدم في السوق المأمون على ما يغيب . قال شعبة : لم أر قط مثل : أيوب ويونس وابن عون .
وقال أبو عوانة : رأيت الناس فلم أر مثل : أيوب ويونس وابن عون . وقال علي : سألت يحيي بن سعيد : من أثبت أصحاب نافع ؟ قال : أيوب ، وعبيد الله ، ومالك ، وفي كتاب « الطبقات لابن سعد » : أيوب مولى تميم . وكناه ابن الحذاء أبا عثمان .
ولما ذكره ابن حبان في جملة « الثقات » قال : قيل : إنه سمع من أنس ولا يصح ذلك عندي ، وكان من سادات أهل البصرة فقهاً وفضلاً وروعاً ، وكان يحلق رأسه كل سنة مرة فإذا طال عليه فرقه ، مات سنة إحدى أو اثنتين وثلاثين يوم الجمعة في شهر رمضان . وقال الحاكم أبو عبد الله : سمعت أبا عبد الله الحافظ ، سمعت أحمد بن سلمة ، سمعت محمد بن يحيى يقول : أصحاب نافع ثلاثة : أيوب ، وعبيد الله ، ومالك ، قال : وسمعت عمرو بن محمد ، سمعت الحسين بن الفضيل ، سمعت عفان بن مسلم يقول : كان حماد بن سلمة لا يقدم أحدا على أيوب . وزعم ابن الأثير وابن أبي أحد عشر في كتاب « الجمع بين الصحيحين » أنه توفي سنة ثلاثين ومائة ، قال ابن الأثير : ويقال : سنة تسع وعشرين .
وفي « كتاب المنتجيلي » قال حماد بن زيد : كان قميص أيوب يَشم الأرض ، هروي جيد ، وطيلسانه كردي وله رداء عدني ونعل +مخمصره حمراء وقلنسوة تركية ، وله شعر وارد ، وشارب واف ، لو استسقاكم على السُنَّة شربة ماء ما سقيتموه . وكان مولى عمار وعمار مولى عنزة فهو مولى مولى ، وكان كثير شحم البطن . قال : وقال ابن مهدي : أيوب حجة أهل البصرة ، وقال شعبة : ما حدثتكم عن أحد ممن تعرفون وممن لا تعرفون إلا وأيوب ويونس وابن عون خير منهم ، وكان أيوب يفتح دكانه ويبسط بساطه ويقول : ما أبالي رزقت أم أرزق فقد تعرضت للرزق .
وقال حميد المجند : مات عمي فدعوت أيوب يغسله فكشف الثوب عن وجهه ليقبله - وكانت عادته - فلما رآه ولى ، فسألته فقال : إن عمك رأيته يمشي مع مبتدع . وكان يحج ويعتمر في كل سنة ، وكان يقول : ليزيدني حُبا لشهود الموسم ، وحضوره أن ألقى إخواني ، وكان يقول : ذكرت وما أحب أن أذكر وقال شعبة : ربما ذهبت مع أيوب في الحاجة فأريد أن أمشي معه فلا يدعني ويخرج فيمشي ها هنا وها هنا لئلا ينظر له . وكان يقول : ينبغي للعالم أن يضع التراب على رأسه تواضعاً لله .
وقال ابن عون : كان محمد بن سيرين يقول لأيوب : ألا تزوج ؟ ألا تزوج ؟ فشكى أيوب ذلك إلي فقال : إذا تزوجت فمن أين أنفق ؟ فذكر ذلك لمحمد فقال : يرزقه الله تعالى . قال : فتزوج فرأيته بعد ذلك وفي سُفرته الدجاج . وبكى أيوب مرة فأمسك بأنفه ، وقال : هذه الزكمة ربما عرضت ، وبكى مرة أخرى فاستبان بكاؤه ، فقال : إن الشيخ إذا كبر مج .
وقال حماد : كان الوليد بن يزيد قد جالس أيوب بمكة قبل الخلافة ، فلما استخلف جعل أيوب يقول في دعائه : اللهم أنسه ذكري . قال ابن مهدي : هذا دعاء العقلاء . وقال حماد : أيوب عندي أفضل من جالسته وأشدهم اتباعاً للسنة .
وقال سفيان بن عيينة : سمعت أيوب يقول : أجرأ الناس على الفتيا أقلهم علما باختلاف العلماء ، وأكف الناس عن الفتيا أعلمهم باختلاف العلماء . وقال حماد : كان يبلغ أيوب بموت الرجل من أهل الحديث فيرى ذلك فيه ، ويبلغه موت الرجل يذكر بعبادة فما يرى ذلك فيه . وقال الجريري : قال لي أيوب : إني أخاف ألا تكون المعرفة أبقت لي عند الله حسنة ، إني أمر بالمجلس فأسلم عليهم وما أرى أن أحد منهم يعرفني ، فيردون علي ويسألوني مسألة كأن كلهم قد عرفني ، وكان تزوج امرأة اسمها : أم نافع ، وكان إذا أتى ابن سيرين يقول : إذا سرت ميلاً أو تغيبت ساعة دعتني دواعي الحب من أم نافع وقال علي بن عبد الله البصري : دعا أيوب ابن عون وأصحابه إلى طعام فجاءت الخادم بقدر تحملها وفي البيت بنية لأيوب تدب قال : فعثرت الجارية فسقطت القدر من يدها على الصبية فماتت ، قال : فوثبوا إليها قال : فجعل أيوب يسكنهم عنها ، ويقول : إنها لم تتعمدها طالما رأيتها تقبلها .
وفي كتاب « سير السلف » : قال عبد الواحد بن زيد : كنت مع أيوب على حراء فعطشت جداً فلما رأى ذلك في وجهي قال : أتستر علي ؟ فحلفت له أن لا أخبر عنه ما دام حياً ، فغمز برجله الجبل فنبع الماء فشربت وحملت معي من الماء ، ولما صرت به مات . وفي « كتاب ابن أبي خيثمة » قال أبو سُليمان النميري : رأيت سالم بن عبد الله يسأل عن منازل البصريين هل قدم أيوب ؟ فلما رآه أيوب جمح إليه فعانقه ، قال : وعجل بضمه إليه قال : وإذا رجل حسن عليه ثياب حسنة فقلت : من هذا ؟ قالوا : سالم بن عبد الله بن عمر . وسئل إسماعيل ابن علية عن حفاظ البصرة فذكر أيوب وابن عون والتيمي والدستوائي وسليمان بن المغيرة ، وفي « تاريخ البخاري » : لحن أيوب عند قتادة فقال : استغفر الله .
قال أبو عبد الله : ويقال : هو مولى طهية ومواليه أحلاف بني الحريش . وقال الباجي عن : قال فيه هشام بن عروة : هو أيوب بن ميسرة ، وكان أبوه من سبي سجستان . وقال الدارقطني : هو من الحفاظ الأثبات .
وقال نافع : اشترى لي هذا الطيلسان خير مشرقي رأيته أيوب . قال ابن أبي خيثمة : قال حماد : كان أيوب يطلب العلم إلى أن مات ، وسمعته يقول : وددت أفلت من هذا العلم كافاً لا لي ولا علي . قال حماد : ما أخاف على أيوب وابن عون إلا في الحديث .
وقال العجلي : أهل البصرة يفتخرون بأربعة : أيوب ، وابن عون ، وسليمان التيمي ، ويونس بن عبيد . وقال الآجري : سمعت أبا داود يحدث عن أيوب عن هارون بن رئاب عن زيد بن سويد الرقاشي عن سعيد بن المسيب فقال : هؤلاء عيون الدنيا ، وفي موضع : قيل لأبي داود : سمع أيوب من عطاء بن يسار ؟ قال : لا . وفي كتاب « القران » لأبي الشيخ : روى عن جرير بن حازم ، وعن هشام بن حسان ، وابن عجلان ، وصخر بن جويرية ، وعبد الله بن عون ، ومعمر بن راشد ، ومحمد بن جابر اليمامي ، وقيس بن الربيع ، وشعبة بن الحجاج .
قال ابن أبي خيثمة : وقال عبد الوهاب الثقفي : ما رأيت مثل أيوب ، وكان كوسجاً ، وكان ابن سيرين ربما يمازحه فيقول له : يا مردقش . وقال سفيان : ثنا أيوب ، قال : ثنا عكرمة أول ما جاء ، ثم قال : يُحسن حَسنكم مثل هذا . وقال أيوب : لأن يُسر الرجل زهده خيرٌ له من أن يظهره .
وفي « تاريخ القراب » : مات في رمضان سنة إحدى ، عن عارم : مات قبل ابن عون بعشرين سنة . وفي كتاب « الجرح والتعديل » عن الدارقطني : أيوب بصري ، سيد من ساداتهم . ولما ذكره ابن شاهين ، قال : قال مالك : ما بالعراق أحدٌ أقدمه على أيوب في محمد بن سيرين ، هذا في زمانه وهذا في زمانه .
والله تعالى أعلم . وذكر ابن النعمان في كتابه « مصباح الظلام » أنه قال : من أحب أبا بكر فقد أقام الدين ومن أحب عمر فقد أوضح السبيل ، ومن أحب عثمان فقد استضاء بنور الله ، ومن أحب علياً فقد أخذ بالعروة الوثقى ، ومن أحسن الثناء على الصحابة فقد برئ من النفاق ، ومن انتقص أحداً منهم فهو مبتدع مخالف للسنة والسلف الصالح ، وأخاف أن لا يصعد له عمل إلى السماء . نحبهم جميعا ، على هذا يخرج الشطت خرج السلف ، وبذلك اقتدى العلماء خلفاً بعد خلف .
وفي كتاب « اللطائف » لأبي يوسف المدائني : مات أيوب في الطاعون الذي لم يصب البصرة بعده طاعون ، وكان ذلك اليوم يعني يوم مات أيوب ما بين السبعة آلاف إلى الثمانية وكان بدؤه في شعبان واخترق شهر رمضان وأبلغ في شهر شوال . وفي « طبقات الفقهاء » لمحمد بن جرير : كان عالماً فاضلاً ديناً ، واختلف في ولائه فقال بعضهم : كان مولى لعنزة ، وقيل : كان مولى لتميم ، وقال بعضهم : للمحرر بن كعب ، ولم يوقف على من له ولاؤه ، وكان أبوه من سبي سجستان .