داود بن نصير
1467 - ( س ) داود بن نصير ، أبو سليمان الطائي الكوفي .
ذكر الخطيب في «تاريخه» عن أبي نعيم قال : كنت ببغداد عند داود وبها المهدي عشرين ليلة ، فسمع يوما ضوضاء فقال ما هذا ؟ قالوا : أمير المؤمنين .
قال : وهو هنا ؟!
وعن وكيع قال : قيل لداود : حدثنا . فقال : أريد أن أقعد مثل المكتب مع قوم يتحفظون سقط كلامي ؟
وقال الوليد بن عقبة : لم يكن في حلقة أبي حنيفة أرفع صوتا من داود .
وقال ابن المبارك قيل له - وحائطه قد تصدع - : لو أمرت برمه ؟ فقال : داود كانوا يكرهون فضول النظر .
وفي «تاريخ ابن أبي خيثمة» : كان داود من أبصر الناس بالنحو ، وكلم الحجاج بن أرطأة يوما ، فقال له الحجاج : الكلام كلام عربي ، والوجه وجه نبطي . فقال داود : إن قومي ليعرفون نسبي ، وما أدعي لغير أبي .
وأتاه الحسين بن قحطبة الأمير يسأله عن مسألة مرارا فلم يجبه ، وقيل له : يا أبا سليمان لو مشيت . فقال : لو كنت ماشيا لمشيت إلى الصلاة .
وقال الخطيب : وعن الوليد قال : رأيت رجلا قال لداود : ألا تسرح لحيتك ؟
قال : إنني عنها مشغول .
واحتجم يوما فدفع إلى الحجام دينارا ، فقيل له : هذا إسراف . فقال : لا عبادة لمن لا مروءة له .
وقالت له أخته : لو تنحيت من الشمس إلى الظل ؟ فقال : هذه خطا لا أدري كيف تكتب .
وقال له إنسان عنده - وقد أكربه الحر - : لو خرجنا من الدار نستروح ؟ فقال : إني لأستحي من الله أن أخطو خطوة لذة .
ودخل عليه أبو الربيع الأعرج بعد المغرب فقرب إليه كسيرات يابسة قال : فعطشت فقمت إلى دن فيه ماء حار ، فقلت : رحمك الله لو اتخذت إناء غير هذا يكون فيه الماء ؟ فقال : إذا كنت لا أشرب إلا باردا ولا آكل إلا طيبا ، ولا ألبس إلا لينا ، فما أبقيت لآخرتي .
وقالت جارية له : مكث عشرين سنة لا يرفع رأسه إلى السماء .
وورث داود من ابن عم له نحوا من مائة ألف درهم ، وعروضا وغيرها ، فقال : قد جعلت ما أصابني من ميراثي صدقة على أهل الحاجة . فقال له حماد بن أبي حنيفة : لو أبقيت بعضها لخلة تكون ؟ قال : إني أحتسب بها صلة الرحم .
وقالت له دايته : أما تشتهي الخبز ؟ فقال : يا داية بين مضغ الخبز وشرب الفتيت قراءة خمسين آية .
وقال محارب بن دثار : لو كان داود في الأمم الماضية لقص الله تعالى علينا من خبره .
وذكره ابن حبان في «جملة الثقات» وخرج حديثه ، وكذلك الحاكم النيسابوري .
ولما ذكره ابن خلفون في «الثقات» ، قال : قد سمع وتفقه وعرف النحو وأيام الناس وجلس بعد في بيته عشرين سنة .
وقال أبو نعيم الفضل بن دكين : كنت إذا رأيت داود كان لا يشبه القراء ، عليه قلنسوة سوداء طويلة مما يلبس التجار ، قال : وكان أفصح الناس وأعلمهم بالعربية ، وقد قال أبان بن تغلب : هذا أعلم من بقي بالنحو .
وقال الدورقي : حمل داود على سريرين أو ثلاثة ، تكسر من الزحام ، وصلي عليه كذا وكذا مرة .
وذكر ابن قانع أن وفاته سنة اثنتين وستين ومائة .
وذكر ابن ظفر في «أنباء نجباء الأبناء» : أنه لما حفظ : هَلْ أَتَى عَلَى الإِنْسَانِ وله آن ذاك خمس سنين ، رأته أمه يوم جمعة وهو مقبل على الحائط مفكرا يشير بيديه ، فخافت على عقله ، فسألته أن يخرج ويلعب مع الصغار فلم يجبها ، فولولت فقال : ما لك يا أماه ؟ قالت : يا ولدى أين ذهنك ؟ قال : مع عباد الله في الجنة ﴿مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الأَرَائِكِ لا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلا زَمْهَرِيرًا ﴾. ومر في السورة وهو شاخص ، بلغ قوله تعالى : وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا ، فقال : يا أماه ما كان سعيهم ؟ قالت : لا أدري . فدخل أبوه فقال : يا بنى قالوا : لا إله إلا الله محمد رسول الله . قال : فلم يزل داود يكررها .
وقيل : إنه شكى جار جارا له ، فجعل الشاكي يغلظ لخصمه ما لا ينبغي . فقال له داود : إن لسانك لرطب ، فيبس لسان الرجل لساعته ، حتى بقي كالعظم .
فقال داود : اللهم أنت تعلم أني لم أرد هذا . فانطلق لسان الرجل ، وتاب عن الملاحاة . .