خطبة الأصل
على ذكر الكذابين الوضاعين المتعمدين ، قاتلهم الله . 2- وعلى الكاذبين في أنهم سمعوا ، ولم يكونوا سمعوا . 3- ثم على المتهمين بالوضع أو بالتزوير .
10- ثم على الثقات الأثبات الذين فيهم بدعة ، والثقات الذين تكلم فيهم من لا يلتفت إلى كلامه ولا إلى تضعيفه ؛ لكونه تعنت وخالف الجمهور من أولي النقد والتحرير ، فإنا لا ندعي العصمة من السهو والخطأ في الاجتهاد في غير الأنبياء عليهم السلام . ثم إن البدعة صغرى وكبرى ، روى عاصم الأحول ، عن ابن سيرين ، قال : لم يكونوا يسألون عن الإسناد حتى وقعت الفتنة ، فلما وقعت : نظروا من كان من أهل السنة أخذوا حديثه ، ومن كان من أهل البدع تركوا حديثه . وروى هشام ، عن الحسن قال : لا تفاتحوا أهل الأهواء ، ولا تسمعوا منهم .
فالتليين بالبدعة باب صلف ، فيه اختلاف بين العلماء ، ليس هذا موضع تقريره . ولم أتعرض لذكر من قيل فيه : محله الصدق ، ولا من قيل فيه : هو صالح الحديث ، أو : يكتب حديثه ، أو : هو شيخ ؛ فإن هذا وشبهه يدل على عدم الضعف المطلق . فأعلى العبارات في الرواة المقبولين : 1- ثبت حجة ، وثبت حافظ ، وثقة متقن ، وثقة ثقة .
2- ثم ثقة . 3- ثم صدوق ، ولا بأس به ، وليس به بأس . 4- ثم محله الصدق ، وجيد الحديث ، وصالح الحديث ، وشيخ وسط ، وشيخ ، وحسن الحديث ، وصدوق إن شاء الله ، وصويلح ، ونحو ذلك .
4- ثم واهٍ بمرة ، وليس بشيء ، وضعيف جدا ، وضعفوه ، ضعيف ، واهٍ ، منكر الحديث ، ونحو ذلك . 5- ثم يضعف ، وفيه ضعف ، قد ضعف ، ليس بالقوي ، غير حجة ، ليس بحجة ، ليس بذاك ، تعرف وتنكر ، فيه مقال ، تكلم فيه ، لين ، سيئ الحفظ ، لا يحتج به ، اختلف فيه ، صدوق لكنه مبتدع . ونحو ذلك من العبارات التي تدل بوضعها على اطّراح الراوي بالأصالة ، أو على ضعفه ، أو على التوقف فيه ، أو على جواز أن يحتج به مع لين فيه .
وكذلك من قد تكلم فيه من المتأخرين ، لا أورد منهم إلا من قد تبين ضعفه ، واتضح أمره من الرواة ؛ إذ العمدة في زماننا ليس على الرواة ، بل على المحدثين والمفيدين ، والذين عرفت عدالتهم وصدقهم في ضبط أسماء السامعين . ثم من المعلوم أنه لا بد من صون الراوي وستره ، والحد الفاصل بين المتقدم والمتأخر ، هو رأس سنة ثلاثمائة ، ولو فتحت على نفسي تليين هذا الباب ، ما سلم معي إلا القليل ؛ إذ الأكثر لا يدرون ما يروون ، ولا يعرفون هذا الشأن ، وإنما سمعوا في الصغر ، واحتيج إلى علو سندهم في الكبر ، والعمدة على من أفادهم ، وعلى من أثبت طباق السماع لهم ، كما هو مبسوط في علوم الحديث ، والله الموفق ، ولا حول ولا قوة إلا بالله . (هذا آخر الخطبة ) .
وقد وجدت له في أثناء الكتاب ما يصلح أن يكون في الخطبة ، كقوله في ترجمة أبان العطار : إذا كتبت (صح) أول الاسم فهي إشارة إلى أن العمل على توثيق ذلك الرجل . وقوله فيها : ومن عيوب كتابه - يعني ابن الجوزي - أنه يسرد الجرح ويسكت عن التعديل . وقال في ترجمة أبان بن حاتم الأملوكي : اعلم أن كل من أقول فيه : مجهول ، ولا أسنده إلى قائل ، فإن ذلك هو قول أبي حاتم فيه ، وسيأتي من ذلك شيء كثير جدا فاعلمه ، فإن عزيته إلى قائله ، كابن المديني ، وابن معين فذلك بين ظاهر .
وإن قلت : فيه جهالة ، أو نكرة ، أو يجهل ، أو لا يعرف ، وأمثال ذلك ، ولم أعزه إلى قائل فهو من قبلي ، كما إذا قلت : صدوق ، وثقة ، وصالح ، ولين ونحو ذلك ولم أضفه إلى قائل فهو من قولي واجتهادي . وقوله في ترجمة أبان بن تغلب : فإن قيل : كيف ساغ توثيق مبتدع وحد الثقة العدالة والإتقان ، فكيف يكون عدلًا وهو صاحب بدعة ؟ وجوابه : أن البدعة على ضربين : فبدعة صغرى : كغلو التشييع ، وكالتشييع بلا غلو ولا تحرق ، فهذا كثير في التابعين وأتباعهم مع الدين والورع والصدق ، فلو رد حديث هؤلاء لذهب جملة من الآثار النبوية ، وهذه مفسدة بينة . ثم بدعة كبرى : كالرفض الكامل ، والغلو فيه ، والحط على أبي بكر وعمر رضي الله عنهما ، والدعاء إلى ذلك ، فهؤلاء لا يقبل حديثهم ، ولا كرامة .
وأيضًا فلا أستحضر الآن في هذا الضرب رجلًا صادقًا ولا مأمونًا ، بل الكذب شعارهم ، والتقية والنفاق دثارهم ، فكيف يقبل من هذا حاله ؟ حاشا وكلا . فالشيعي والغالي في زمان السلف وعرفهم هو من تكلم في عثمان ، والزبير ، وطلحة ، وطائفة ممن حارب عليا رضي الله عنه ، وتعرض لسبهم . والغالي في زماننا وعرفنا هو الذي كفر هؤلاء السادة ، وتبرأ من الشيخين أيضًا ، فهذا ضال معثر .
وقال في ترجمة إبراهيم بن الحكم بن ظهير : اختلف الناس في رواية الرافضة على ثلاثة أقوال : أحدها : المنع مطلقًا ، والثاني : الترخص مطلقًا ، إلا في من يكذب ويضع ، والثالث : التفصيل ، فتقبل رواية الرافضي الصدوق العارف بما يحدث ، وترد رواية الرافضي الداعية ، ولو كان صدوقًا . قال أشهب : سئل مالك عن الرافضة ، فقال : لا تكلمهم ، ولا ترو عنهم ؛ فإنهم يكذبون . وقال حرملة : سمعت الشافعي يقول : لم أر أشهدَ بالزور من الرافضة .
وقال مؤمل بن إهاب : سمعت يزيد بن هارون يقول : يكتب عن كل صاحب بدعة إذا لم يكن داعية ، إلا الرافضة ؛ فإنهم يكذبون . وقال محمد بن سعيد بن الأصبهاني : سمعت شريكًا يقول : احمل العلم عن كل من لقيت إلا الرافضة ؛ فإنهم يضعون الحديث ، ويتخذونه دينا . هذا آخر كلامه .
قلت : فالمنع من قبول رواية المبتدعة الذين لم يكفروا ببدعتهم ، كالرافضة والخوارج ، ونحوهم ، ذهب إليه مالك وأصحابه ، والقاضي أبو بكر الباقلاني وأتباعه . والقبول مطلقا ، إلا فيمن يكفر ببدعته ، وإلا فيمن يستحل الكذب ذهب إليه أبو حنيفة ، وأبو يوسف ، وطائفة . وروي عن الشافعي أيضًا .
وأما التفصيل : فهو الذي عليه أكثر أهل الحديث ، بل نقل فيه ابن حبان إجماعهم ، ووجه ذلك : أن المبتدع إذا كان داعية كان عنده باعث على رواية ما يشد به بدعته . وقد حكى القاضي عبد الله بن عيسى بن لهيعة ، عن شيخ من الخوارج أنه سمعه يقول بعد ما تاب : إن هذه الأحاديث دين ، فانظروا عمن تأخذون دينكم ، فإنا كنا إذا هوينا أمرًا صيرناه حديثًا . حدث بها عبد الرحمن بن مهدي الإمام ، عن ابن لهيعة ، فهي من قديم حديثه الصحيح .
أنبأنا بذلك إبراهيم بن داود شفاهًا ، أخبرنا إبراهيم بن علي ، أخبرنا أبو الفرج بن الصيقل ، أخبرنا أحمد بن محمد كتابة ، أخبرنا الحسن بن أحمد ، أخبرنا أبو نعيم ، حدثنا أحمد بن إسحاق ، حدثنا أبو يحيى الرازي ، حدثنا عبد الرحمن بن عمر ، حدثنا ابن مهدي بها . قلت : وهذه والله قاصمة الظهر للمحتجين بالمراسيل ؛ إذ بدعة الخوارج كانت في صدر الإسلام والصحابة متوافرون ، ثم في عصر التابعين ، فمن بعدهم ، وهؤلاء كانوا إذا استحسنوا أمرًا جعلوه حديثًا ، وأشاعوه ، فربما سمعه الرجل السني ، فحدث به ، ولم يذكر من حدثه به ؛ تحسينا للظن به ، فيحمله عنه غيره ، ويجيء الذي يحتج بالمقاطيع فيحتج به ، ويكون أصله ما ذكرت ، فلا حول ولا قوة إلا بالله . وينبغي أن يقيد قولنا بقبول رواية المبتدع إذا كان صدوقًا ولم يكن داعية : بشرط أن لا يكون الحديث الذي يحدث به مما يعضد بدعته ويشدها ، فإنا لا نأمن حينئذ عليه غلبة الهوى ، والله الموفق .
فقد نص على هذا القيد في هذه المسألة الحافظ أبو إسحاق إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني شيخ النسائي ، فقال في مقدمة كتابه في الجرح والتعديل : ومنهم زائغ عن الحق ، صدوق اللهجة ، قد جرى في الناس حديثه ، لكنه مخذول في بدعته ، مأمون في روايته ، فهؤلاء ليس فيهم حيلة ، إلا أن يؤخذ من حديثهم ما يعرف ، إلا ما يقوي به بدعته ، فيتهم بذلك . وقال حماد بن سلمة : حدثني شيخ لهم - يعني الرافضة - قال : كنا إذا اجتمعنا فاستحسنا شيئًا : جعلناه حديثًا . وقال مسبح بن الجهم الأسلمي التابعي : كان رجل منا في الأهواء مدة ، ثم صار إلى الجماعة ، وقال لنا : أنشدكم الله أن تسمعوا من أحد من أصحاب الأهواء ؛ فإنا والله كنا نروي لكم الباطل ، ونحتسب الخير في إضلالكم .
وقال زهير بن معاوية : حدثنا محرز أبو رجاء ، وكان يرى القدر فتاب منه ، فقال : لا ترووا عن أحد من أهل القدر شيئا ؛ فوالله لقد كنا نضع الأحاديث ، ندخل بها الناس في القدر ، نحتسب بها ، فالحكم لله . وهذه فصول يحتاج إليها في هذه المقدمة :