أحمد بن الحسين بن الحسن الجعفي
ذ - أحمد بن الحسين بن الحسن الجعفي ، أبو الطيب المتنبي ، الشاعر المشهور ، ذكره ابن الطحان في ذيل الغرباء ، وقال : كان يتشيع ، وقيل : كان ملحدا . قلت : هو أحمد بن الحسين بن الحسن بن عبد الصمد ، وقيل : أحمد بن الحسين بن مرة بن عبد الجبار الجعفي ، أبو الطيب المتنبي ، ولد سنة ثلاث وثلاثمائة ، ونشأ بالكوفة ، وأقام بالبادية ، وتعانى الأدب ، ونظر في أيام الناس ، ونظم الشعر حتى بلغ الغاية ، إلى أن فاق أهل عصره . وانقطع إلى ابن حمدان فأكثر المدح فيه ، ثم دخل مصر ومدح كافورا ، وأقام مدة ، ثم ورد إلى العراق ، وجالس بها أهل الأدب ، وقرئ عليه ديوان شعره ، وسمع منه ديوانه أبو الحسين محمد بن أحمد بن القاسم المحاملي .
قال أبو علي التنوخي : حدثني أبو الحسن محمد بن يحيى العلوي قال : كان والد أبي الطيب يلقب عيدان ، بفتح المهملة وسكون التحتانية ، فنشأ أبو الطيب يصحب الأعراب ، وأكثر من ملازمة الوراقين فبان علمه مع حفظه وذكائه ، فذكر بعض الوراقين أنه رأى معه كتابا من كتب الأصمعي نحو ثلاثين ورقة ، فأطال النظر فيه ، قال : فقلت له : إن كنت تريد حفظه فيكون بعد شهر ، فقال : فإن كنت حفظته في هذه المدة ؟ قلت : فهو لك ، قال : فأخذت الدفتر من يده فسرده ، ثم استلبه فجعله في كمه . قال : وكان يخرج إلى بادية كلب فأقام فيهم ، فادعى أنه علوي ثم ادعى النبوة ، ثم أخذ فحبس طويلا واستتيب ، وكان لؤلؤ أمير حمص خرج إليه فقاتله ، وشرد من معه من قبائل العرب ، وكان بعد ذلك إذا ذكر له ذلك ينكره ويجحده . وكان من المكثرين من نقل اللغة حتى يقال : إن أبا علي الفارسي قال له : كم لنا من الجموع على وزن فعلى ؟ يعني بكسر أوله مقصورا ، فقال المتنبي في الحال : حجلى وظربى ، قال أبو علي : فطالعت كتب اللغة ثلاث ليال ، على أن أجد لهذين الجمعين ثالثا فلم أجد ، وحجلى جمع حجل وهو طائر معروف ، وظربى جمع ظربان وهي دويبة منتنة الرائحة .
قال ابن خلكان : اعتنى العلماء بديوانه فشرحوه ، حتى قال لي بعض شيوخي : وقفت له على أربعين شرحا . وقال أبو العباس النامي : كان قد بقي من الشعر زاوية دخلها المتنبي ! وكان يستجيد قوله : رماني الدهر بالأرزاء حتى فؤادي في غشاء من نبال فصرت إذا أصابتني سهام تكسرت النصال على النصال وقوله : في جحفل ستر العيون غباره فكأنما يبصرن بالآذان وكان مولده كما تقدم سنة ثلاث ، وقيل : سنة إحدى وثلاثمائة ، واتفقوا على أنه قتل في شهر رمضان سنة أربع وخمسين وثلاثمائة . قال القاضي ابن أم شيبان : سألته عن معنى المتنبي هل هو لقب من الألقاب ، أو له سبب من الأسباب ؟ فقال : هذا شيء كان في الحداثة أوجبته صورة ، قال : فلم أستقص عليه استحياء منه ، والجواب الذي أجاب به لا يعين أحد الاحتمالين .
وذكر علي بن منصور في رسالته إلى المعري : أن المتنبي قبض عليه في وزارة علي بن عيسى وحبس ، ثم أحضره وسأله فاعترف بادعاء النبوة ، فأمر بصفعه بسمشكه فصفع خمسين صفعة ، وأعيد إلى الحبس . ويقال : إن ابن خالويه قال له في مجلس سيف الدولة : لولا أنك جاهل ، ما رضيت أن تدعى المتنبي ، ومعنى المتنبي : كاذب ، والعاقل لا يرضى أن يدعى : الكاذب ، فأجابه بأنني لا أرضى بهذا ، ولا أقدر على دفع من يدعوني به ، واستمرت بينهما المشاجرة إلى أن أغضب ابن خالويه فضربه بمفتاح ، فخرج من حلب إلى مصر سنة ست وأربعين . ومما يذكر من سرعة جوابه وقوة استحضاره ، أنه حضر مجلس الوزير ابن حنزابة ، وفيه أبو علي الآمدي الأديب المشهور ، فأنشد المتنبي أبياتا جاء فيها : إنما التهنئات بالأكفاء فقال له أبو علي : التهنئة مصدر ، والمصدر لا يجمع ، فقال المتنبي لآخر بجنبه : أمسلم هو ؟ فقال : سبحان الله ، هذا أستاذ الجماعة أبو علي الآمدي ، قال : فإذا صلى المسلم وتشهد ، أليس يقول : التحيات ؟ قال : فخجل أبو علي وقام .