عبد الله بن سليمان بن الأشعث السجستاني
عبد الله بن سليمان بن الأشعث السجستاني ، أبو بكر بن أبي داود ، الحافظ الثقة ، صاحب التصانيف ، وثقه الدارقطني ، فقال : ثقة إلا أنه كثير الخطأ في الكلام على الحديث . وذكره ابن عدي ، فقال : لولا ما شرطنا وإلا لما ذكرته ، إلى أن قال : وهو معروف بالطلب ، وعامة ما كتب مع أبيه : هو مقبول عند أصحاب الحديث . وأما كلام أبيه ، فما أدري أيش تبين له منه ؟ .
حدثنا علي بن عبد الله الداهري : سمعت أحمد بن محمد بن عمرو كركرة ، سمعت علي بن الجنيد، سمعت أبا داود يقول : ابني عبد الله كذاب . قال ابن صاعد : كفانا ما قال أبوه فيه . ثم قال ابن عدي : سمعت موسى بن القاسم بن الأشيب يقول : حدثني أبو بكر ، سمعت إبراهيم الأصبهاني يقول : أبو بكر بن أبي داود كذاب .
وسمعت أبا القاسم البغوي ، وقد كتب إليه أبو بكر بن أبي داود رقعة يسأله عن لفظ حديث لجده ، فلما قرأ رقعته قال : أنت والله عندي منسلخا من العلم . وسمعت عبدان يقول : سمعت أبا داود السجستاني يقول : ومن البلاء أن عبد الله يطلب القضاء . وسمعت محمد بن الضحاك بن عمرو بن أبي عاصم يقول : أشهد على محمد بن يحيى بن منده بين يدي الله أنه قال : أشهد على أبي بكر بن أبي داود بين يدي الله أنه قال : روى الزهري ، عن عروة قال : حفيت أظافير فلان من كثرة ما كان يتسلق على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم .
قلت : وهذا لم يسنده أبو بكر إلى الزهري ، فهو منقطع ، ثم لا يسمع قول الأعداء بعضهم في بعض ، ولقد كاد أن يضرب عنق عبد الله ؛ لكونه حكى هذا فشد منه محمد بن عبد الله بن حفص الهمداني ، وخلصه من أمير أصبهان أبي ليلى . وكان انتدب له بعض العلوية خصما ، ونسب إلى عبد الله المقالة ، وأقام الشهادة عليه ابن منده المذكور ، ومحمد بن العباس الأخرم ، وأحمد بن علي بن الجارود ، فأمر أبو ليلى بقتله ، فأتى الهمداني ، وجرح الشهود ، ونسب ابن منده إلى العقوق ، ونسب أحمد إلى أنه يأكل الربا ، وتكلم في الآخر ، وكان ذا جلالة عظيمة . ثم قام وأخذ بيد عبد الله ، وخرج به من فك الأسد ، فكان يدعو له طول حياته ، ويدعو على الشهود ، حكاها أبو نعيم الحافظ ، وقال : فاستجيب له فيهم : منهم من احترق ، ومنهم من خلط وفقد عقله .
قال أحمد بن يوسف الأزرق : سمعت ابن أبي داود يقول : كل الناس في حل إلا من رماني ببغض علي بن أبي طالب رضي الله عنه . قال ابن عدي : كان في الابتداء نسب إلى شيء من النصب ، فنفاه ابن الفرات من بغداد ، فرده علي بن عيسى ، فحدث وأظهر ، فضائل علي ، ثم تحنبل وصار شيخًا فيهم . قلت : كان قوي النفس ، وقع بينه وبين ابن صاعد ، وبين ابن جرير نسأل الله العافية .
قال ابن شاهين : أراد الوزير علي بن عيسى أن يصلح بين أبي بكر بن أبي داود ، وابن صاعد فجمعهما ، وحضر القاضي أبو عمر ، فقال الوزير لأبي بكر : أبو محمد بن صاعد أكبر منك ، فلو قمت إليه ، فقال : لا أفعل ، فقال له : أنت شيخ زيف ، قال أبو بكر : الشيخ الزيف الكذاب على رسول الله صلى الله عليه وسلم . فقال الوزير : من الكذاب على رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال أبو بكر : هذا ، ثم قال : أتظن أني أذل لأجل رزق يصل إلي على يدك ، والله لا أخذت من يدك شيئًا أبدا ، وعلي مائة بدنة إن أخذت منك شيئًا ، فكان المقتدر بعد يزن رزقه بيده ، ويبعثه على يد خادم . وقال محمد بن عبد الله القطان : كنت عند محمد بن جرير ، فقال رجل : ابن أبي داود يقرأ على الناس فضائل علي رضي الله عنه ، فقال ابن جرير : تكبيرة من حارس ! .
قلت : وقد قام ابن أبي داود ، وأصحابه - وكانوا خلقًا كثيرًا - على ابن جرير ، ونسبوه إلى بدعة اللفظ ، فصنف الرجل معتقدًا حسنًا ، سمعناه تنصل فيه مما قيل عنه ، وتألم لذلك . وقد كان أبو بكر من كبار الحفاظ ، والأئمة الأعلام حتى قال الخطيب : سمعت الحافظ أبا محمد الخلال يقول : كان أبو بكر أحفظ من أبيه أبي داود ، وروى ابن شاهين ، عن أبي بكر أنه كتب في شهر عن أبي سعيد الأشج ثلاثين ألفًا . وقال أبو بكر النقاش : والعهدة عليه ، سمعت أبا بكر بن أبي داود يقول : إن تفسيره فيه مائة ألف وعشرون ألف حديث .
قلت : ولد سنة 230 ، ورحل به أبوه ، فلقي الكبار ، وسمع من عيسى بن حماد صاحب الليث بن سعد ، وطبقته ، وانفرد عن طائفة . قال أبو بكر : أحمد بن إبراهيم بن شاذان ذهب أبو بكر إلى سجستان ، فاجتمعوا عليه ، وسألوه أن يحدثهم ، فقال : ليس معي كتاب ، فقالوا : ابن أبي داود ، وكتاب؟ ! قال : فأثاروني ، فأمليت عليهم من حفظي ثلاثين ألف حديث . فلما قدمت قال البغداديون : لعب بأهل سجستان ، ثم فيجوا فيجًا اكتروه بستة دنانير ؛ ليكتب لهم النسخة ، فكتبت ، وجيء بها ، فعرضت على الحفاظ ، فخطؤوني في ستة أحاديث، منها ثلاثة رويتها كما سمعت .
وقال الحافظ أبو علي النيسابوري : سمعت ابن أبي داود يقول : حدثت بأصبهان من حفظي ستة وثلاثين ألف حديث ، ألزموني الوهم في سبعة أحاديث ، فلما رجعت وجدت في كتابي خمسة منها على ما حدثتهم . قال صالح بن أحمد الحافظ : أبو بكر بن أبي داود إمام العراق كان في وقته ببغداد مشايخ أسند منه ، ولم يبلغوا في الآلة والإتقان ما بلغ . وقال ابن شاهين : أملى علينا أبو بكر سنين ، وما رأيت بيده كتابًا ، وبعدما عمي كان ابنه أبو معمر يقعد تحته بدرجة ، وبيده كتاب فيقول : حديث كذا ، فيقول من حفظه حتى يأتي على المجلس .
ولقد قام أبو تمام الزينبي ، فقال له : لله درك ما رأيت مثلك إلا أن يكون إبراهيم الحربي ، فقال أبو بكر : كل ما كان يحفظ إبراهيم فأنا أحفظه ، وأنا أعرف الطب والنجوم ، وما كان يعرف، رواها أبو ذر عن ابن شاهين . أخبرنا أبو المعالي القرافي ، أخبرنا أكمل بن أبي الأزهر ، أخبرنا سعيد بن البنا، أخبرنا محمد بن محمد الهاشمي ، أخبرنا محمد بن عمر الوراق من أصله ، حدثنا عبد الله بن أبي داود ، حدثنا عيسى بن حماد ، حدثنا الليث عن سعيد المقبري ، عن أبيه ، عن أبي هريرة رضي الله عنه ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة سنة ... . أخرجه مسلم ، والنسائي ، عن قتيبة ، عن الليث .
مات أبو بكر في آخر سنة 316 ، وصلى عليه زهاء ثلاثمائة ألف نفس ، وصلوا عليه ثمانين مرة ، وخلف ثمانية أولاد ، وإنما ذكرته لأنزهه ، انتهى . وقال الخليلي : حافظ إمام وقته ، عالم متفق عليه ، احتج به من صنف الصحيح : أبو علي النيسابوري ، وابن حمزة الأصبهاني . وكان يقال : أئمة ثلاثة في زمن واحد : ابن أبي داود ، وابن خزيمة ، وابن أبي حاتم .