عمر بن الحسن أبو الخطاب بن دحية
عمر بن الحسن ، أبو الخطاب بن دحية ، الأندلسي المحدث ، متهم في نقله ، مع أنه كان من أوعية العلم . دخل فيما لا يعنيه ، من ذلك أخبر ينسب نفسه فقال : عمر بن حسن بن علي بن محمد بن فرح بن خلف بن قومس بن مزلال بن ملال بن أحمد بن بدر بن دحية بن خليفة الكلبي ، فهذا نسب باطل لوجوه : أحدها : أن دحية لم يعقب . الثاني : أن على هؤلاء لوائح البربرية .
وثالثها : بتقدير وجود ذلك قد سقط منه آباء ، فلا يمكن أن يكون بينه وبينه عشرة أنفس . وله أسمعة كثيرة بالأندلس ، وحدث بتونس في حدود التسعين وخمس مائة ، وقدم البلاد ودخل العجم ، ولحق أبا جعفر الصيدلاني ، وسمع حديث الطبراني عاليًا . وكان بصيرًا بالحديث ؛ لغته ورجاله ومعانيه ، وأدب الملك الكامل في شبيبته ، فلما ملك الديار المصرية نال ابن دحية دنيا ورياسة ، وكان يزعم أنه قرأ صحيح مسلم من حفظه على شيخ بالمغرب .
قال الحافظ الضياء : لم يعجبني حاله ، كان كثير الوقيعة في الأئمة ، ثم قال : أخبرني إبراهيم السنهوري أن مشايخ الغرب كتبوا له جرحه وتضعيفه ، قال : فرأيت أنا منه غير شيء مما يدل على ذلك . قلت : وذكر أنه حدثه بالموطأ عاليًا أبو الحسن بن حنين الكناني وابن خليل القيسي قالا : حدثنا محمد بن فرج الطلاع . أقول : فأما ابن خليل فإنه سكن مراكش وفاس ، وكان ابن دحية بالأندلس ، فكيف لقيه وسمع منه ؟ وكذلك ابن حنين فإنه خرج عن الأندلس ولم يعد ، بل سكن مدينة فاس ، ومات بها سنة 569 ! فبالجهد أن يكون ابن دحية روى الموطأ عن هذين بالإجازة فالله أعلم ، أو استباح ذلك على رأي من يسوغ قول : حدثني بكذا ، ويكون إجازة ، لكنه قد صرح بالسماع فيما أرى .
وقال قاضي حماة ابن واصل : كان ابن دحية مع فرط معرفته بالحديث وحفظه الكثير له ، متهما بالمجازفة في النقل ، وبلغ ذلك الملك الكامل ، فأمره أن يعلق شيئًا على كتاب الشهاب فعلق كتابًا تكلم فيه على أحاديثه وأسانيده ، فلما وقف الكامل على ذلك ، قال له بعد أيام : قد ضاع مني ذاك الكتاب فعلق لي مثله ، ففعل ، فجاء في الكتاب الثاني مناقضة للأول ، فعرف السلطان صحة ما قيل عنه ، وعزله من دار الحديث الكاملية آخرا ، ثم ولى أخاه أبا عمرو عثمان . قلت : وقيل : إنما عزله ؛ لأنه حصل له تغير ومبادئ اختلاط . وله عدة كنى : أبو الفضل ، أبو حفص ، أبو علي الداني الكلبي ، وكان يحمق ويتكبر ، ويكني نفسه ، ويكتب : ذو النسبتين ، بين دحية والحسين .
فلو صدق في دعواه لكان ذلك رعونة ، كيف وهو متهم في انتسابه إلى دحية الكلبي الجميل صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم . وإنما جرأه على ذلك لأنه كلبي ، نسبة إلى موضع من ساحل دانية ، ويقال : الكلفي بين الفاء والباء ، ولهذا كان يكتب أولًا : الكلبي معًا . وأما انتسابه إلى الحسين عليه السلام ، فهو أنه من قبل جده لأمه ، فإن جده عليًا هو الملقب بالجميل ، تصغيرا للجمل بالعبارة المغربية ، وكان طويلًا أعنق فوالدة الجميل هي ابنة الشريف أبي البسام العلوي الحسيني الكوفي ثم الأندلسي ، وكان والده الحسن بن علي تاجرًا من أهل دانية ، قرأ القرآن على جده لأمه الشيخ عتيق بن محمد .
قال ابن مسدي : رأيت الحذاق من علماء المغرب لا يزيدون على ذكر جدهم فرح إلا التعريف ببني الجميل ، وقد كان أخوه أبو عمرو عثمان يلقب بالجمل ابن الجميل . وكان أبو الخطاب علامة ، نزل مصر في ظل ملكها إلى أن مات ، وقد كان ولي قضاء دانية ، فأتي بزامر فأمر بثقب شدقه وتشويه خلقه ، وأخذ مملوكًا له فجبه واستأصل أنثييه وزبه ، فرفع ذلك إلى المنصور ملك الوقت ، وجاءه النذير فاختفى وخرج خائفًا يترقب ، فعرج نحو إفريقية وشرق ثم لم يعد . وكان قبل قد قدم تاجرًا ، وسمع من محمد بن عبد الرحمن الحضرمي ، ومن الخشوعي ، ولما عاد إلى الأندلس حدث بمقامات الحريري عن ابن الجوزي عن المؤلف ، وليس بصحيح .
وسمع بالأندلس من ابن خير وابن بشكوال ، والسهيلي وجماعة . ثم رأيت بخطه أنه سمع بين الستين إلى السبعين وخمس مائة من جماعة ، كأبي بكر بن خير ، واللواتي ، وأبي الحسن بن حنين ، وليس ينكر عليه . قلت : بل ينكر عليه كما قدمنا .
قال : وله تآليف تشهد باطلاعه . قلت : وفي تآليفه أشياء تنقم عليه من تصحيح وتضعيف . ومولده سنة 542 أو بعد ذلك .
وقال ابن نقطة : كان موصوفا بالمعرفة والفضل ، إلا أنه كان يدعي أشياء لا حقيقة لها . وذكر أبو القاسم بن عبد السلام ، قال : أقام عندنا ابن دحية فكان يقول : أحفظ صحيح مسلم والترمذي ، قال : فأخذت خمسة أحاديث من الترمذي ، وخمسة من المسند ، وخمسة من الموضوعات ، فجعلتها في جزء فعرضت حديثًا من الترمذي عليه ، فقال : ليس بصحيح ، وآخر فقال : لا أعرفه ، ولم يعرف منها شيئًا . مات أبو الخطاب في ربيع الأول سنة 633 ، انتهى .
وقد تقدمت الإشارة إلى أن الكامل عزله بسبب اختلاطه في ترجمة أخيه عثمان [5105] . وفي تاريخ ابن جرير ، في حوادث سنة 126 : فيها ندب يزيد بن الوليد لولاية العراق عبد العزيز بن هارون بن عبد الله بن دحية بن خليفة الكلبي ، فأبى . فهذا يدل على غلط من زعم أن دحية لم يعقب .
وقال ابن النجار : رأيت الناس مجمعين على كذبه وضعفه ، وادعائه سماع ما لم يسمعه ، ولقاء من لم يلقه ، وكانت أمارات ذلك عليه لائحة . وحدثني بعض المصريين قال : قال لي الحافظ أبو الحسن بن المفضل ، وكان من أئمة الدين قال : كنا بحضرة السلطان في مجلس عام ، وهناك ابن دحية ، فسألني السلطان عن حديث فذكرته له ، فقال لي : من رواه ؟ فلم يحضرني إسناده في الحال ، فانفصلنا . فاجتمع بي ابن دحية في الطريق ، فقال لي : ما ضرك لما سألك السلطان عن إسناد ذاك الحديث ، لم لم تذكر له أي إسناد شئت ؟ فإنه ومن حضر مجلسه لا يعلمون هل هو صحيح أم لا ، وكنت قد ربحت قولك لا أعلم ، وتعظم في عينه وعين الحاضرين ، قال : فعلمت أنه متهاون جريء على الكذب .
قال ابن النجار : وذكر أنه سمع كتاب الصلة لابن بشكوال من مصنفه ، وكان القلب يأبى سماع كلامه ويشهد ببطلان قوله ، وكان الكامل يعظمه ويحترمه ويعتقد فيه ويتبرك به ، حتى سمعت أنه كان يسوي له المداس إذا قام . قال : وكان صديقنا إبراهيم السنهوري دخل إلى الأندلس فذكر لمشايخها حال ابن دحية وما يدعيه ، فأنكروا ذلك وأبطلوا لقاءه لهم ، وأنه إنما اشتغل بالطلب أخيرًا ، وأن نسبه ليس بصحيح ، وكتب السنهوري بذلك محضرا ، وأخذ خطوطهم فيه ، فعلم ابن دحية بذلك ، فشكاه للسلطان فأمر بالقبض عليه وضرب ، وجرس على حمار ، وأخرج من القاهرة ، وأخذ ابن دحية المحضر فحرقه . قال : وحضرت معه مجلس السلطان مرارًا ، وكان يحضر في كل جمعة فيصلي عند السلطان ، ويقرأ عليه شيئًا من مجموعاته ، وكان حافظًا ماهرًا في علم الحديث حسن الكلام فيه فصيح العبارة ، تام المعرفة بالنحو واللغة وله كتب نفيسة .
وكان ظاهري المذهب كثير الوقيعة في الأئمة ، وفي السلف من العلماء ، خبيث اللسان ، أحمق شديد الكبر ، قليل النظر في أمور الدين متهاونا . حدثني علي بن الحسن أبو العلاء الأصبهاني ، وناهيك به جلالة ونبلًا قال : لما قدم ابن دحية علينا أصبهان : نزل على أبي في الخانكاه ، فكان يكرمه ويبجله ، فدخل على والدي يومًا ومعه سجادة ، فقبلها ووضعها بين يديه ، وقال : صليت على هذه السجادة كذا كذا ألف ركعة ، وختمت عليها القرآن في جوف الكعبة مرات ، قال : فأخذها والدي وقبلها ووضعها على رأسه وقبلها منه مبتهجًا بها . فلما كان آخر النهار حضر عندنا رجل من أهل أصبهان ، فتحدث عندنا ، إلى أن اتفق أنه قال : كان الفقيه المغربي الذي عندكم اليوم في السوق ، فاشترى سجادة حسنة بكذا وكذا ، فأمر والدي بإحضار السجادة فقال الرجل : إي والله هذه هي ، فسكت والدي ، وسقط ابن دحية من عينه .
وأرخ وفاته في ربيع الأول سنة ثلاث وثلاثين وست مائة . ومن تركيبات ابن دحية أنه حدث بصحيح مسلم بسماعه له ، زعم من القاضي أبي عبد الله بن زرقون ، أخبرنا به أحمد بن محمد الخولاني ، أخبرنا الحافظ أبو ذر الهروي ، أخبرني أبو بكر الجوزقي ، أخبرنا حامد بن الشرقي ، أخبرنا مسلم . وهذا إسناد مركب ، ولم يسمع أبو ذر من الجوزقي في صحيح مسلم على الوجه ، وإنما سمع منه أحاديث من حديث مسلم ، كان الجوزقي يرويها عن ابن الشرقي ، وعن مكي بن عبدان عن مسلم ، نعم للجوزقي من مكي إجازة عن مسلم .
وهذا الإسناد خفي على من لم يعرف طريقة المغاربة في تجويزهم إطلاق أخبرنا في الإجازة ، ولا ريب في صحة إجازة كل من ذكر في هذا الإسناد عمن رواه عنه ، والله أعلم . وقد ذكره أبو حيان فقال : ومن خطه نقلت : اشتهر بهذه البلاد في أفواه شبان المحدثين أنه تكلم فيه ، ولا يبعد سماعه من ابن زرقون ، فقد سمع من تلك الحلبة كالسهيلي وغيره ، وقد وجدت سماعه بالأندلس على هذه الطبقة التي فيها ابن زرقون . ورأي المغاربة في أبي الخطاب غير رأي أهل ديار مصر .
ذكره الحافظان المؤرخان أبو عبد الله الأبار وأبو جعفر بن الزبير ، قال فيه الأبار : كان بصيرًا بالحديث ، معتنيا بتقييده ، مكبًا عليه ، حسن الخط ، معروفًا بالضبط ، له حظ وافر من اللغة ، ومشاركة في العربية وسواها ، وله تآليف . وقال ابن الزبير : كان معتنيًا بالعلم ، مشاركًا في فنونه ، ذاكرا للتاريخ والأسانيد والرجال والجرح والتعديل ، سنيا ، مجانبا لأهل البدع سريًا نبيلًا ، عرفني بحاله وحال أخيه أبي عمرو عثمان الشيخان أبو الخير الغافقي ، وأبو الخطاب بن خليل ، وكانا قد صحباهما طويلًا ، وخبراهما جملة وتفصيلًا ، إلا أنهما ذكراهما بانحراف في الخلق ، وتقلب لم يشنهما غيره ، ووصفاهما مع ذلك بالثقة والنزاهة والاعتناء والعدالة . وقال ابن عسكر في رجال مالقة في ترجمة ابن دحية : سكن القاهرة في أيام الكامل ، فكان له عنده من الجاه والمحل ما لم يصل إليه غيره ، وكان شاعرًا مطبوعًا إلا أنه كان يتهم في الرواية ؛ لأنه كان مكثارًا .
قلت : فهذا مغربي وافق المصريين ، ووافق المصريين أيضًا من تقدم ذكره من أهل الشام والعراق . وممن وافق إلى الطعن فيه ابن عبد الملك في الصلة فإنه قال في ترجمة أبي جعفر أحمد بن عبد الرحمن بن محمد بن سعيد بن حريث : نسبه أبو الخطاب بن الجميل في معجم شيوخه الذي جمعه له أبو الخطاب ، فزاد بعد حريث فقال : ابن عاصم بن مضاء بن مهند بن عمير اللخمي فوافقه عليه ، إلا في ذكر مهند بن عمير ، فإنه أنكرهما ، فقال له أبو الخطاب : يا سيدي هما جداك ، ذكرهما فلان ، فتوقف الشيخ . قال ابن عبد الملك : وهذا النسب منقطع لبعد عصر أحمد من عصر حريث ، فقد ذكر بعض من صنف للناصر أبي المطرف : عبد الرحمن بن محمد صاحب الأندلس في سنة ثلاثين وثلاث مائة أخبار المروانيين ومن دخل معهم الأندلس جماعة من اللخميين ، منهم : النجاشي بن عاصم بن حريث بن عاصم بن مضاء بن مهند .
فلو صح هذا لكان النجاشي عم جد صاحب الترجمة ، وهو مقطوع ببطلانه في العادة ، فلعل ذلك من تركيبات أبي الخطاب ، ولذلك أنكره أحمد بن عبد الرحمن . وقال ابن الدبيثي : أملى علينا نسبه ، فكتبناه عنه ، وكان يسمي نفسه ذا النسبتين ، وهو مغربي من أهل سبتة ، وأظنه كان قاضيها ، فاضل ، له معرفة حسنة بالنحو واللغة ، وأنسة بالحديث ، والفقه على مذهب مالك . وكان يقول : أحفظ صحيح مسلم وقرأته على بعض شيوخ المغرب من حفظي ، ويدعي أشياء كثيرة ، ثم ذكر رحلته .. .
إلى أن قال : وعاد إلى مصر من الشام ، فأقام بها ملتحقًا بأمرائها ، ولم يكن الثناء عليه جميلًا .