عمرو بن بحر الجاحظ
عمرو بن بحر الجاحظ : صاحب التصانيف ، روى عنه أبو بكر بن أبي داود فيما قيل . قال ثعلب : ليس بثقة ولا مأمون . قلت : وكان من أئمة البدع ، انتهى .
قال الجاحظ في كتاب البيان : لما قرأ المأمون كتبي في الإمامة فوجدها على ما أخبروا به - وصرت إليه ، وقد كان أمر اليزيدي بالنظر فيها ليخبره عنها - قال لي : قد كان بعض من يرتضى عقله ويصدق خبره خبرنا عن هذه الكتب بإحكام الصنعة وكثرة الفائدة ، فقلنا : قد تربي الصفة على العيان ، فلما رأيتها ، رأيت العيان قد أربى على الصفة ، فلما فليتها أربى الفلي على العيان . وهذا كتاب لا يحتاج إلى حضور صاحبه ، ولا يفتقر إلى المحتجين ، وقد جمع استقصاء المعاني ، واستيفاء جميع الحقوق ، مع اللفظ الجزل والمخرج السهل ، فهو سوقي ملوكي وعامي خاصي . قلت : وهذه والله صفة كتب الجاحظ كلها ، فسبحان من أضله على علم .
قال المسعودي : توفي سنة خمس وخمسين . وقيل : سنة ست وخمسين . مات الجاحظ بالبصرة ولا يعلم أحد من الرواة وأهل العلم أكثر كتبا منه .
وحكى يموت بن المزرع عن الجاحظ - وكان خاله - أنه دخل إليه ناس ، وهو عليل فسألوه عن حاله فقال : عليل من مكانين من الإفلاس والدين ثم قال : أنا في علل متناقضة يتخوف من بعضها التلف وأعظمها علي نيف وتسعون يعني عمره . وقال أبو العيناء : قال الجاحظ : كان الأصمعي منانيا . فقال له العباس بن رستم : لا والله ، ما كان منانيا ، ولكن تذكر حين جلست إليه تسأله ، فجعل يأخذ نعله بيده ، وهي مخصوفة بحديد ويقول : نعم قناع القدري ، نعم قناع القدري .
فعلمت أنه يعنيك ، فقمت وتركته . وروى الجاحظ عن حجاج الأعور وأبي يوسف القاضي وخلق كثير وروايته عنهم في أثناء كتابه في الحيوان . وحكى ابن خزيمة أنه دخل عليه هو وإبراهيم بن محمود .. .
وذكر قصة . وحكى الخطيب بسند له : أنه كان لا يصلي . وقال الصولي : مات سنة خمسين ومائتين .
وقال إسماعيل بن محمد الصفار : سمعت أبا العيناء يقول : أنا والجاحظ وضعنا حديث فدك ، وأدخلناه على الشيوخ ببغداد فقبلوه إلا ابن شيبة العلوي ، فإنه أباه وقال : هذا كذب ، سمعها الحاكم من عبد العزيز بن عبد الملك الأعور . قلت : ما علمت ما أراد بحديث فدك . وقال الخطابي : هو مغموص في دينه .
وذكر أبو الفرج الأصبهاني أنه كان يرمى بالزندقة ، وأنشد في ذلك أشعارًا . وقد وقفت على رواية ابن أبي داود عنه ، ذكرتها في غير هذا الموضع ، وهو في الطيوريات . قال ابن قتيبة في اختلاف الحديث : ثم نصير إلى الجاحظ ، وهو أحسنهم للحجة استثارة ، وأشدهم تلطفا لتعظيم الصغير حتى يعظم ، وتصغير العظيم حتى يصغر ، ويكمل الشيء وينقصه ، فنجده مرة يحتج للعثمانية على الرافضة ، ومرة للزيدية على أهل السنة ، ومرة يفضل عليا ومرة يؤخره .
ويقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا ، ويتبعه : قال الجماز ، ويذكر من الفواحش ما يجل رسول الله عن أن يذكر في كتاب ذكر أحد منهم فيه ، فكيف في ورقة ، أو بعد سطر أو سطرين . ويعمل كتابا يذكر فيه حجج النصارى على المسلمين ، فإذا صار إلى الرد عليهم تجوز للحجة ، كأنه إنما أراد تنبيههم على ما لا يعرفون ، وتشكيك الضعفة ، ويستهزئ بالحديث استهزاء لا يخفى على أهل العلم . وذكر الحجر الأسود وأنه كان أبيض فسوده المشركون .
قال : وقد كان يجب أن يبيضه المسلمون حين أسلموا ، وأشياء من أحاديث أهل الكتاب ، وهو مع هذا أكذب الأمة وأوضعهم لحديث وأنصرهم لباطل . وقال النديم : قال المبرد : ما رأيت أحرص على العلم من ثلاثة : الجاحظ وإسماعيل القاضي والفتح بن خاقان . وقال النديم لما حكى قول الجاحظ : لما قرأ المأمون كتبي قال : هي كتب لا يحتاج إلى حضور صاحبها عندي : إن الجاحظ حسن هذا اللفظ تعظيما لنفسه وتفخيما لتأليفه ، وإلا فالمأمون لا يقول ذلك .
وحكي عن ميمون بن هارون أنه قال : قال لي الجاحظ: أهديت كتاب الحيوان لابن الزيات فأعطاني خمسة آلاف دينار ، وأهديت كتاب البيان والتبين لابن أبي دؤاد فأعطاني خمسة آلاف دينار ، وأهديت كتاب النخل والزرع لإبراهيم الصولي فأعطاني خمسة آلاف دينار ، قال : فلست أحتاج إلى شراء ضيعة ولا غيرها . وسرد النديم كتبه وهي مائة ونيف وسبعون كتابًا في فنون مختلفة . وقال ابن حزم في الملل والنحل : كان أحد المجان الضلال ، غلب عليه الهزل ، ومع ذلك فإنا ما رأينا له في كتبه تعمد كذبة يوردها مثبتًا لها ، وإن كان كثير الإيراد لكذب غيره .
وقال أبو منصور الأزهري في مقدمة تهذيب اللغة : وممن تكلم في اللغات بما حصره لسانه ، وروى عن الثقات ما ليس من كلامهم : الجاحظ ، وكان أوتي بسطة في القول وبيانا عذبا في الخطاب ومجالا في الفنون ، غير أن أهل العلم ذموه ، وعن الصدق دفعوه . وقال ثعلب : كان كذابا على الله وعلى رسوله وعلى الناس .