الفخر بن الخطيب
الفخر بن الخطيب ، صاحب التصانيف ، رأس في الذكاء والعقليات ، لكنه عري من الآثار ، وله تشكيكات على مسائل من دعائم الدين تورث حيرة ، نسأل الله أن يثبت الإيمان في قلوبنا . وله كتاب السر المكتوم في مخاطبة النجوم سحر صريح ، فلعله تاب من تأليفه إن شاء الله ، انتهى . وقد عاب التاج السبكي على المصنف ذكره هذا الرجل في هذا الكتاب ، وقال : إنه ليس من الرواة ، وقد تبرأ المصنف من الهوى والعصبية في هذا الكتاب ، فكيف ذكر هذا وأمثاله ممن لا رواية لهم كالسيف الآمدي ! ثم اعتذر عنه بأنه يرى أن القدح في هؤلاء من الديانة ، وهذا بعينه التعصب في المعتقد .
والفخر كان من أئمة الأصول ، وكتبه في الأصلين شهيرة سائرة ، وله ما يقبل وما يرد . وقد ترجم له جماعة من الكبار بما ملخصه أن مولده سنة 543 ، واشتغل على والده ، وكان من تلامذة البغوي ، ثم اشتغل على الكمال السمناني . وتمهر في عدة علوم ، وعقد مجلس الوعظ ، وكان إذا وعظ يحصل له وجد زائد .
ثم أقبل على التصنيف ؛ فصنف التفسير الكبير ، و المحصول في أصول الفقه ، و المعالم ، و المطالب العالية ، و الأربعين ، و الخمسين ، و الملخص ، و المباحث المشرقية ، و طريقة في الخلاف ، و مناقب الشافعي . وكان في أول أمره فقيراً ، ثم اتفق أنه صاهر تاجراً متمولاً له ولدان ، فزوجهما ابنتيه ، ومات التاجر فتقلب الفخر في ذلك المال ، وصار من رؤساء ذلك الزمان ، يقوم على رأسه خمسون مملوكاً بمناطق الذهب وحلل الوشي . قاله ابن الربيب في تاريخه .
قال : وكان قال للسلطان يوماً : نحن في ظل سيفك ، فقال له السلطان : ونحن في شمس علمك . قال : وكانت له أوراد من صلاة وصيام لا يخل بها ، وكان مع تبحره في الأصول يقول : من التزم دين العجائز فهو الفائز ، وكان يعاب بإيراد الشبه الشديدة ويقصر في حلها ، حتى قال بعض المغاربة : يورد الشبه نقدا ويحلها نسيئة ! وقد ذكره ابن دحية فمدح وذم ، وذكره ابن شامة فحكى عنه أشياء رديئة ، وكانت وفاته بهراة يوم عيد الفطر سنة ست وستمائة . ورأيت في الإكسير في علم التفسير للنجم الطوفي ما ملخصه : ما رأيت في التفاسير أجمع لغالب علم التفسير من القرطبي ، ومن تفسير الإمام فخر الدين ، إلا أنه كثير العيوب ، فحدثني شرف الدين النصيبي عن شيخه سراج الدين الشرمساحي المغربي أنه صنف كتاب المآخذ في مجلدين ، بين فيهما ما في تفسير الفخر من الزيف والبهرج ، وكان ينقم عليه كثيراً ، ويقول : يورد شبه المخالفين في المذهب والدين على غاية ما يكون من التحقيق ، ثم يورد مذهب أهل السنة والحق على غاية ما يكون من الوهاء .
قال الطوفي : ولعمري إن هذا دأبه في كتبه الكلامية والحكمية ، حتى اتهمه بعض الناس ، ولكنه خلاف ظاهر حاله ، لأنه لو كان اختار قولاً أو مذهباً ما كان عنده من يخاف منه حتى يتستر عنه ، ولعل سببه أنه كان يستفرغ قواه في تقرير دليل الخصم ، فإذا انتهى إلى تقرير دليل نفسه لا يبقى عنده شيء من القوى ، ولا شك أن القوى النفسانية تابعة للقوى البدنية . وقد صرح في مقدمة نهاية العقول أنه يقرر مذهب خصمه تقريرا لو أراد خصمه أن يقرره لم يقدر على الزيادة على ذلك . وذكر ابن خليل السكوني في كتابه الرد على الكشاف أن ابن الخطيب قال في كتبه في الأصول : إن مذهب الجبر هو المذهب الصحيح ، وقال بصحة بقاء الأعراض ، وبنفي صفات الله الحقيقية ، وزعم أنها مجرد نسب وإضافات كقول الفلاسفة ، وسلك طريق أرسطو في دليل التمانع .
ونقل عن تلميذه التاج الأرموي أنه نصر كلامه ، فهجره أهل مصر وهموا به ، فاستتر . ونقلوا عنه أنه قال : عندي كذا وكذا مائة شبهة على القول بحدث العالم ، ومنها ما قاله شيخه ابن الخطيب في آخر الأربعين : والمتكلم يستدل على القدم بوجوب تأخر الفعل ولزوم أوليته ، والفيلسوف يستدل على قدمه باستحالة تعطل الفاعل عن أفعاله . وقال في شرح الأسماء الحسنى : إن من أخر عقاب الجاني مع علمه بأنه سيعاقبه فهو الحقود ، وقد تعقب بأن الحقود من أخر مع العجز ، أما مع القدرة فهو الحليم ، والحقود إنما يعقل في حق المخلوق دون الخالق بالإجماع .
ثم أسند عن ابن الطباخ أن الفخر كان شيعياً ، يقدم محبة أهل البيت كمحبة الشيعة ، حتى قال في بعض تصانيفه : وكان علي شجاعاً بخلاف غيره . وعاب عليه تصنيفه لتفسيره مفاتيح الغيب ولمختصره في المنطق الآيات البينات وتقريره لتلامذته في وصفه بأنه الإمام المجتبى ، أستاذ الدنيا ، أفضل العالم ، فخر بني آدم ، حجة الله على الخلق ، صدر صدور العرب والعجم . هذا آخر كلامه .