محمد بن إسحاق بن محمد بن يحيى بن منده
محمد بن إسحاق بن محمد بن يحيى بن منده ، أبو عبد الله العبدي الأصبهاني ، الحافظ الجوال ، صاحب التصانيف . كان من أئمة هذا الشأن وثقاتهم . أقذع الحافظ أبو نعيم في جرحه ، لما بينهما من الوحشة ، ونال منه واتهمه ، فلم يلتفت إليه ؛ لما بينهما من العظائم ، نسأل الله العفو ، فلقد نال ابن منده من أبي نعيم ، وأسرف أيضاً .
ولد ابن منده سنة عشر وثلاث مائة ، وسمع سنة ثماني عشرة وبعدها ، ورحل سنة ثلاثين إلى نيسابور ، فأدرك أبا حامد بن بلال ، ومحمد بن الحسين القطان ، وكتب عن الأصم نحواً من ألف جزء . ثم رحل إلى بغداد فلقي ابن البختري والصفار . ولقي بدمشق أو غيرها خيثمة بن سليمان .
ولقي بمكة أبا سعيد بن الأعرابي . وبمصر أبا الطاهر المديني . وببخارى ومرو وبلخ جماعة .
وطوف الأقاليم ، وكتب بيده عدة أحمال ، وبقي في الرحلة نحواً من أربعين سنة ، ثم عاد إلى وطنه شيخا ، فتزوج ورزق الأولاد ، وحدث بالكثير ، وكان من دعاة السنة وحفاظ الأثر . قال الباطرقاني : حدثنا ابن منده إمام الأئمة في الحديث . وقال ابن منده : كتبت عن ألف شيخ وسبع مائة شيخ .
وقال أبو إسحاق بن حمزة الحافظ : ما رأيت مثل أبي عبد الله بن منده . وقال جعفر المستغفري : ما رأيت أحفظ من ابن منده ، وسألته ببخارى : كم يكون سماعات الشيخ ؟ قال : يكون خمسة آلاف من ، ويقال : إنه لما رجع إلى أصبهان قدمها ومعه أربعون حملاً من الكتب والأجزاء . والذي قال أبو نعيم في تاريخه : حافظ من أولاد المحدثين ، مات في سلخ ذي القعدة سنة خمس وتسعين وثلاثمائة ، اختلط في آخر عمره ، فحدث عن أبي أسيد ، وعبد الله ابن أخي أبي زرعة ، وابن الجارود ، بعد أن سمع منه أن له عنهم إجازة ، وتخبط في أماليه ، ونسب إلى جماعة أقوالاً في المعتقدات لم يعرفوا بها .
قلت : البلاء الذي بين الرجلين هو الاعتقاد ، انتهى . قال الحاكم : قال أبو علي الحافظ : بنو منده أعلام الحفاظ في الدنيا . قال : وأبو عبد الله من ثبتة الحديث والحفظ ، وأحسن الثناء عليه .
وقال إسماعيل التيمي : سمعت عمر السمناني يقول : جرى ذكر ابن منده عند أبي نعيم ، فقال : كان جبلاً من الجبال . وذكر الحاكم أن الدارقطني ذكر ابن منده فقال : كان بمصر في كتاب شيخ من شيوخها ، حديثه من رواية محمد بن عبيد بن حساب ، عن سفيان بن موسى ، عن أيوب ، عن نافع ، عن ابن عمر : في الشفاعة لمن مات بالمدينة . فكتب ابن منده على الهامش : إنما هو عن سفيان ، عن موسى - وهو ابن عقبة - وأيوب ، وسفيان بن موسى ، عن أيوب خطأ .
قال ابن عساكر : عد الدارقطني هذا من أوهام ابن منده ؛ لأن الذي في الكتاب هو الصواب . وهذا من أيسر أوهام ابن منده ، فإن له في معرفة الصحابة أوهاماً كثيرة ، ثم ساق ابن عساكر الحديث من طريق الصلت بن مسعود ، عن سفيان بن موسى - قال : وكان ثقة - حدثنا أيوب . قلت : والحديث من هذا الوجه في مسند الهيثم بن كليب وغيره ، وأصله عند الترمذي من وجه آخر ، عن أيوب .