محمد بن جرير بن الطبري
صح - محمد بن جرير بن الطبري الإمام ، أبو جعفر ، صاحب التصانيف الباهرة ، مات سنة عشر وثلاثمائة ، ثقة صادق ، فيه تشيع يسير ، وموالاة لا تضر . أقذع أحمد بن علي السليماني الحافظ ، فقال : كان يضع للروافض ، كذا قال السليماني ، وهذا رجم بالظن الكاذب . بل ابن جرير من كبار أئمة المسلمين المعتمدين ، وما ندعي عصمته من الخطأ ، ولا يحل لنا أن نؤذيه بالباطل والهوى ، فإن كلام العلماء بعضهم في بعض ينبغي أن يتأنى فيه ، ولا سيما في مثل إمام كبير .
فلعل السليماني أراد الآتي [ 6580 ] ، انتهى . ولو حلفت أن السليماني ما أراد إلا الآتي لبررت . والسليماني حافظ متقن ، كان يدري ما يخرج من رأسه ، فلا أعتقد أنه يطعن في مثل هذا الإمام بهذا الباطل ، والله أعلم .
وإنما نبز بالتشيع لأنه صحح حديث غدير خم . وقد اغتر شيخ شيوخنا أبو حيان بكلام السليماني ، فقال في الكلام على ( الصراط ) في أوائل تفسيره : وقال أبو جعفر الطبري ، وهو إمام من أئمة الإمامية : الصراط بالصاد : لغة قريش إلى آخر المسألة . ونبهت عليه لئلا يغتر به ، فقد ترجمه أئمة النقل في عصره وبعده ، فلم يصفوه بذلك .
وإنما ضره الاشتراك في اسمه واسم أبيه ، ونسبته ، وكنيته ، ومعاصرته ، وكثرة تصانيفه ، والعلم عند الله - تعالى - ، قاله الخطيب . وأخرج ابن عساكر من طريق محمد بن علي بن محمد بن سهل بن الإمام ، قال : سمعت أبا جعفر الطبري وجرى ذكر علي فقال أبو جعفر : من قال : إن أبا بكر وعمر ليسا بإمامي هدى أيش هو؟ فقال له ابن الأعلم : مبتدع ، فقال له الطبري - منكرا عليه - مبتدع مبتدع ، هذا يقتل ، من قال : إن أبا بكر وعمر ليسا بإمامي هدى ، يقتل يقتل . وقد سمع محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب ، وإسحاق بن أبي إسرائيل ، والفلاس ، وبنداراً ، وأبا موسى ، ومحمد بن حميد الرازي ، وخلقا كثيرا .
روى عنه أحمد بن كامل ، ومخلد بن جعفر ، وأحمد بن أبي طالب الكاتب ، وأبو بكر الشافعي ، وخلق . قال الخطيب : أخبرنا أبو طالب بن بكير ، أخبرنا مخلد بن جعفر ، حدثنا محمد بن جرير ، حدثنا أبو زرعة الرازي ، حدثنا ثابت بن محمد ، حدثنا سفيان ، عن حبيب بن أبي ثابت ، عن طاوس ، عن ابن عباس - رضي الله عنهما- رفعه : الفخذ عورة . قال أبو طالب : فذكر أبي أن هذا غريب ، وقد حدثنا أبو زرعة أحمد بن الحسين ، عن ابن نومرد ، عن أبي زرعة ، عن ثابت بن محمد ، عن الثوري ، عن حبيب بن أبي ثابت ، عن طاوس ، عن ابن عباس : في كسوف الشمس .
وإلى جنبه : عن أبي زرعة ، عن ثابت ، عن إسرائيل ، عن أبي يحيى القتات ، عن مجاهد ، عن ابن عباس حديث الفخذ . قال : فيشبه أن يكون أبو زرعة حدث به مرة من حفظه ، يعني فوهم فيه ، إن لم يكن الطبري أخطأ فيه . قلت : حدث به عن أبي زرعة على الصواب ابن نومرد المذكور بالإسنادين جميعاً ، فنسبة الخطأ فيه إلى الطبري أسهل من نسبته إلى أبي زرعة .
قال الخطيب : كان ابن جرير أحد أئمة العلماء ، يحكم بقوله ، ويرجع إلى رأيه لمعرفته وفضله ، وكان قد جمع من العلوم ما لم يشاركه فيه أحد من أهل عصره ، فكان حافظا لكتاب الله ، عارفاً بالقراءات ، بصيراً بالمعاني ، فقيهاً في الأحكام ، عالماً بالسنن وطرقها ، عارفاً بأقاويل الصحابة والتابعين ، ومسائل الحلال والحرام ، عارفاً بأيام الناس وأخبارهم . وله تصانيف كثيرة ، وتفرد بمسائل حفظت عنه ، بلغني عن أبي حامد الفقيه أنه قال : لو سافر رجل إلى أقصى الصين حتى يحصل تفسير ابن جرير لم يكن كثيرا . وقال ابن بالويه الحافظ : قال لي ابن خزيمة : بلغني أنك كتبت تفسير ابن جرير ، قلت : بلى كتبته عنه إملاء ، قال : كله ؟ قلت : نعم ، من سنة ثلاث وثمانين إلى سنة تسعين .
قال : فاستعاره مني ابن خزيمة ، فرده بعد سنتين ، ثم قال : نظرت فيه من أوله إلى آخره ، فما أعلم على أديم الأرض أعلم من ابن جرير ، ولقد ظلمته الحنابلة . وقال أبو أحمد حسينك التميمي : قال لي ابن خزيمة لما رجعت من الرحلة : سمعت من ابن جرير؟ فقلت : لا ، وكانت الحنابلة منعت الناس من الدخول إليه ، فقال : لو سمعت منه لكان خيراً لك من جميع من سمعت منه سواه . وقال أبو علي الطوماري : كنت مع أبي بكر بن مجاهد في رمضان ، فسمع قراءة ابن جرير فقال : ما ظننت أن الله - تعالى - خلق بشراً يحسن يقرأ هذه القراءة .
قال أحمد بن كامل : توفي ابن جرير في شوال سنة عشر وثلاثمائة ، وأخبرني أن مولده كان في أول سنة خمس أو آخر سنة أربع وعشرين ومائتين . ولما مات لم يؤذن به أحد ، فاجتمع عليه من لا يحصيهم عددا إلا الله ، وصلي على قبره عدة شهور ليلاً ونهاراً . وقال مسلمة بن قاسم : كان حصوراً لا يقرب النساء ، ورحل من بلده في طلب العلم وهو ابن اثنتي عشرة سنة ، سنة ست وثلاثين ، فلم يزل طالباً للعلم ، مولعاً به إلى أن مات .
وأخرج ابن عساكر من طريق أبي سعيد عثمان بن أحمد الدينوري قال : حضرت مجلس محمد بن جرير ، وحضر الفضل بن جعفر بن الفرات بن الوزير ، وقد سبقه رجل ، فقال الطبري للرجل : ألا تقرأ ؟ فأشار إلى الوزير ، فقال له الطبري : إذا كانت النوبة لك فلا تكترث بدجلة ولا الفرات . قلت : وهذه من لطائفه وبلاغته ، وعدم التفاته لأبناء الدنيا .