محمد بن حبان أبو حاتم البستي الحافظ
صح - محمد بن حبان ، أبو حاتم البستي الحافظ صاحب الأنواع ، ومؤلف كتابي الجرح والتعديل وغير ذلك ، كان من أئمة زمانه ، فطلب العلم على رأس سنة ثلاثمائة ، وأدرك أبا خليفة ، وأبا عبد الرحمن النسائي ، وكتب بالشام والحجاز ومصر والعراق والجزيرة وخراسان ، وولي قضاء سمرقند مدة . وكان عارفاً بالطب والنجوم والكلام والفقه ، رأسا في معرفة الحديث ، وقد سمع ببخارى من عمر بن محمد بن بجير ، وقد سكن قبل الأربعين سنوات بنيسابور ، وبنى الخانكاه ، وحدث بمصنفاته ، ثم رد إلى وطنه . وقال الإمام أبو عمرو بن الصلاح ، وذكره في طبقات الشافعية : غلط الغلط الفاحش في تصرفه وصدق أبو عمرو ، له أوهام كثيرة تتبع بعضها الحافظ ضياء الدين .
وقد بدت من ابن حبان هفوة ، فطعنوا فيه لها ، قال أبو إسماعيل الأنصاري شيخ الإسلام : سألت يحيى بن عمار عن أبي حاتم بن حبان فقال : رأيته ، ونحن أخرجناه من سجستان ، كان له علم كثير ، ولم يكن له كبير دين ، قدم علينا فأنكر الحد لله فأخرجناه . قلت : إنكاره للحد وإثباتكم الحد نوع من فضول الكلام ، والسكوت من الطرفين أولى ، إذ لم يأت نص بنفي ذلك ولا إثباته ، والله تعالى ليس كمثله شيء ، فمن أثبته قال له خصمه : جعلت لله حدا برأيك ، ولا نص معك بالحد ، والمحدود مخلوق ، تعالى الله عن ذلك . وقال هو للنافي : ساويت ربك بالشيء المعدوم ، إذ المعدوم لا حد له ، فمن نزه الله وسكت سلم ، وتابع السلف .
قال أبو إسماعيل الأنصاري : سمعت عبد الصمد بن محمد بن محمد يقول : سمعت أبي يقول : أنكروا على ابن حبان قوله : النبوة : العلم والعمل وحكموا عليه بالزندقة ، وهجر ، وكتب فيه إلى الخليفة فأمر بقتله ، وسمعت غيره يقول : لذلك أخرج إلى سمرقند . قلت : لقوله محمل سائغ - إن كان عناه - أي : عماد النبوة العلم والعمل ؛ لأن الله – تعالى - لم يؤت النبوة والوحي إلا من اتصف بهذين النعتين ، وذلك لأن النبي يصير بالوحي عالماً ، ويلزم من وجود العلم الإلهي العمل الصالح ، فصدق بهذا الاعتبار قوله : النبوة : العلم اللدني ، والعمل : المقرب إلى الله . فالنبوة إذاً تفسر بوجود هذين الوصفين الكاملين ، ولا سبيل إلى تحصيل هذين الوصفين بكمالهما إلا بالوحي الإلهي ، إذ الوحي الإلهي علم يقيني ما فيه ظن ، وعلم غير الأنبياء : منه يقيني ، وأكثره ظني .
ثم النبوة ملازمة للعصمة ، ولا عصمة لغيرهم ولو بلغ في العلم ما بلغ ، والخبر عن الشيء يصدق ببعض أركانه وأهم مقاصده ، غير أنا لا نسوغ لأحد إطلاق هذا إلا بقرينة ، كقوله - عليه السلام - : الحج عرفة . وإن كان عني الحصر ، أي ليس هي إلا العلم والعمل ، فهذه زندقة وفلسفة . مات سنة أربع وخمسين وثلاثمائة ، انتهى .
قال أبو سعد الإدريسي في تاريخ سمرقند : أبو حاتم محمد بن حبان بن أحمد بن حبان بن معاذ بن معبد بن مرة بن هدية بن سعد التميمي الدارمي . وساق نسبه إلى دارم ، ثم إلى تميم بن مر ، ثم إلى عدنان . كان على قضاء سمرقند مدة طويلة ، وكان من فقهاء الدين وحفاظ الآثار ، والمشهورين في الأمصار والأقطار ، عالماً بالطب والنجوم وفنون العلم .
ألف المسند الصحيح ، و التاريخ ، و الضعفاء ، والكتب الكثيرة في كل فن ، وفقه الناس بسمرقند . وبنى له الأمير أبو المظفر الساماني صفة لأهل العلم ، خصوصاً لأهل الحديث . ثم تحول إلى بست ، ومات بها .
وقال الحاكم : كان من أوعية العلم في اللغة والفقه والحديث والوعظ ، من عقلاء الرجال . ثم ذكر رحلته وتصانيفه فقال : خرج له من التصنيف في الحديث ما لم يسبق إليه ، وولي القضاء بسمرقند ، ونسا ، وغيرهما من مدن خراسان ، ودخل نيسابور مرتين ، وبنى الخانقاه ، وقرئت عليه جملة من تصانيفه ، وكانت الرحلة إلى مصنفاته بخراسان . وقد قال ابن حبان في أثناء صحيحه : لعلنا قد كتبنا عن أكثر من ألفي شيخ من إسبيجاب إلى الإسكندرية .
وقال الحاكم في ترجمته أيضاً : سمعت أبا علي - يعني النيسابوري ، شيخه - يقول وذكر كتاب المجروحين لأبي حاتم فقال : كان لعمر بن سعيد بن سنان المنجبي ابن رحل في الحديث ، وأدرك هؤلاء الشيوخ ، وهذا تصنيفه ، وأساء القول في أبي حاتم . قال الحاكم : وأبو حاتم كبير في العلوم ، وكان يحسد لفضله ، ثم أرخ وفاته في ليلة الجمعة ثامن شوال سنة أربع وخمسين ، ودفن بقرب داره التي جعلها مدرسة لأصحاب الحديث ، وجعل فيها خزانة كتب ، وجعلها تحت يد من يبذلها لمن يريد نسخ شيء منها . شكر الله سعيه ، وأحسن مثوبته .
قلت : وقوله : قال له النافي : ساويت ربك بالشيء المعدوم ، إذ المعدوم لا حد له : قول نازل ، فإنا لا نسلم أن القول بعدم الحد يفضي إلى مساواته بالمعدوم بعد تحقق وجوب وجوده . وقوله : بدت من ابن حبان هفوة طعنوا فيه لها إن أراد القصة الأولى التي صدر بها كلامه فليست هذه بهفوة ، والحق أن الحق مع ابن حبان فيها . وإن أراد الثانية ، فقد اعتذر هو عنها أولا ، فكيف يحكم عليه بأنه هفا ، ماذا إلا تعصب زائد على المتأولين .
وابن حبان قد كان صاحب فنون ، وذكاء مفرط ، وحفظ واسع إلى الغاية ، رحمه الله .