محمد بن مناذر الشاعر المشهور
محمد بن مناذر الشاعر المشهور : صاحب الآداب . عن شعبة . قال يحيى بن معين : لا يروي عنه من فيه خير .
وروى عباس عن يحيى بن معين ، وذكرت له شيخاً كان يلزم بن عيينة يقال له : ابن مناذر ، فقال : أعرفه ، كان يرسل العقارب في المسجد الحرام حتى تلسع الناس ، وكان يصب المداد بالليل في أماكن الوضوء حتى تسود وجوههم ، انتهى . وقال إبراهيم بن الجنيد عن ابن معين : لم يكن بثقة ولا مأمون ، رجل سوء ، نفي من البصرة . وذكر عنه مجنونا وغير ذلك ، فقلت : إنما نكتب عنه شعرا وحكايات عن الخليل بن أحمد ، فقال : هذا نعم ، كأنه لم ير بهذا بأسا ، ولم يره موضعا للحديث .
وفي علوم الحديث للحاكم : قال يحيى بن معين : كان زنديقاً . وقال الساجي : عنده مناكير . وهو محمد بن مناذر أبو جعفر اليربوعي ، مولاهم ، أصله من البصرة ، روى عن السفيانين وعبد الوهاب والحسن بن دينار وشعبة ومالك ، ويحيى بن عبد الله ، وغيرهم .
روى عنه أبو محمد التوزي ، وحامد بن يحيى البلخي ، وسليمان الشاذكوني مع تقدمه ، وإسحاق بن محمد النخعي ، ومحمد بن عمرو ، ومحمد بن ميمون الخياط ، والصلت بن مسعود الجحدري ، وآخرون . قال ابن عدي : يقال : إنه يكنى أبا ذريح ، ثم أسند من طريق الصلت بن مسعود قال : كنت مع ابن عيينة على الصفا ، ومعنا ابن مناذر : فقال يا ابن مناذر : ما أظرف بصريكم ، قال : كأنك تريد أبا نواس ؟ ما استظرفت من شعره ؟ قال : قوله : يا قمراً أبصرت في مأتم يندب شجواً بين أتراب يبكي فيذري الدر من نرجس ويلطم الورد بعناب قال ابن عدي : وليس ابن مناذر من أصحاب الحديث وكان الغالب عليه المجون واللهو . وقال أبو الفرج الأصبهاني عن المبرد كان شاعراً فصيحاً متقدماً في العلم باللغة ، وقد أخذ عنه أكثر الفقهاء ، وكان في أول أمره يتأله .
ثم عدل عن ذلك وتهتك وخلع حتى نفي عن البصرة إلى الحجاز ، فمات هناك . قال المبرد : وكان ابن مناذر يقول : إن الشعر ليزيد علي حتى لو شئت أن لا أتكلم إلا بالشعر لفعلت . وكان سبب تهتكه أنه أحب عبد المجيد بن عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي ، وأفرط في ذلك ، فلما مات عبد المجيد رثاه ، ثم تحول إلى مكة ، وكان يجالس سفيان بن عيينة ، فكان ابن عيينة يسأله عن معاني الحديث فيخبره بها ، ويقول له سفيان : كلام العرب آخذ بعضه برقاب بعض .
قال : وكان إذا قيل له ابن مناذر بفتح الميم يغضب ويقول : إنما مناذر كورة من كور الأهواز ، واسم أبي مناذر بالضم على وزن مفاعل . قال المبرد : لما عدل ابن مناذر عن النسك وتهتك لامته المعتزلة ووعظوه ، فلم يتعظ ، وتوعدوه بالمكروه ، فلم ينزجر ، ومنعوه من دخول المسجد ، فنابذهم وهجاهم ، وكان يأخذ المداد بالليل فيطرحه في مطاهرهم ، فإذا توضؤوا به تسود وجوههم . وقال أبو عثمان المازني : إنه لما خرج إلى مكة وأقام بها تنسك ، وكان قوم يقولون عنه : إنه دهري ، وكان عبد المجيد المذكور أولا من أحسن الناس وجها وأدبا ولباسا وأكملهم في جميع أموره ، وكان على غاية الود لابن مناذر ، وكان أبوه لا ينكر عشرته به ؛ لأنه لم يكن بلغه عنه ريبة ؛ بل كان جميل الأمر عفيفاً .
وقال عمر بن شبة : حدثني أبي قال : خرج ابن مناذر يوماً بعد صلاة التراويح وخرج عبد المجيد خلفه فلم يزل يحدثه إلى الصبح وهما قائمان ، إذا انصرف عبد المجيد شيعه ابن مناذر إلى منزله ، فإذا بلغه وانصرف ابن مناذر شيعه عبد المجيد إلى منزله لا يطيب أحدهما نفساً بفراق صاحبه . ولما مرض عبد المجيد كان ابن مناذر يتولى أمره بنفسه ، فيقال : إنه أسخن له ماءاً حاراً ليشربه ، فجعل يئن بصوت ضعيف ، فوضع ابن مناذر يده في ذلك الماء الحار ، وجعل يتأوه كلما تأوه عبد المجيد ، فما خرجت يده من الماء حتى كادت أن تحترق ، ثم عوفي عبد المجيد بعد ذلك إلى أن تردى من سطح فمات ، فجزع عليه ابن مناذر ، ورثاه بقصيدة طنانة ، وكان الناس يعجبون بها ويستحسنونها . وقال نصر بن علي الجهضمي : حدثني محمد بن عباد المهلبي ، قال : شهد بكر بن بكار عند عبيد الله بن الحسن العنبري بشهادة فتبسم ، ثم قال له : يا بكر ما لك ولابن مناذر حيث يقول : أعوذ بالله من النار ومنك يا بكر بن بكار فقال : أصلحك الله ، ذاك رجل شاعر خليع لا يبالي ما قال ، قال : صدقت ، وقبل شهادته .
قال : ولقي العنبري ابن مناذر ، فحلف له ابن مناذر وأغلظ أن كل من يعرف بكر بن بكار يقول فيه كقوله فيه ، فاستعظم ذلك القاضي واغتم ، قال : فلقيت ابن مناذر ، فسألته عن ذلك ، فقال : نعم ، كل من يعرفه يقول : أعوذ بالله من النار حسب . وقال سليمان ابن أبي الشيخ : حدثني عوام الكوفي ، سمعت ابن عيينة يقول كلاماً مستحسناً ، فسأله ابن مناذر أن يمله عليه ، فتبسم وقال : إنما سمعته منك فاستحسنته فحفظته . فقال له : وعلى ذلك أحب أن تمله علي ، فإني إن رويته عنك كان أنفق له من أن أنسبه إلى نفسي .
قال : ولما مات ابن عيينة رثاه ابن مناذر بقوله : راحوا بسفيان على نعشه والعلم مكسوين أكفانا وقال أبو معاوية الغلابي عن ابن عيينة : كلمني ابن مناذر أن أكلم له جعفر بن يحيى ، فكلمته له ، فقال : إن أحب أن أعطيه على الحديث أعطيته قليلاً ، فقلت له ذلك ، فقال : نعم ، فإني قد تركت الشعر . وقال أبو الفرج الأصبهاني : أخبرني هاشم بن محمد ، حدثني العباس بن ميمون بن طائع ، حدثني سليمان الشاذكوني ، قال : كنا عند ابن عيينة فحدث عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، في قوله عز وجل : قَالُوا سَلامًا ، قال : سدادا ، قال : فقال ابن مناذر – وهو بجنبي - : التنزيل أبين من التأويل . ومن مجونه ما حكاه ابن المعتز في الطبقات قال : قدم رجل من البصرة ، يقال له الصواف ، فقال له ابن مناذر يمازحه : من أي أهل البصرة أنت ؟ قال : من محلة كذا : قال : تعرف ابن زانية هناك يقال له الصواف ؟ قال : نعم ، أعرفه يلازم ابن مناذر .
قال : وكان ابن مناذر من حذاق الأدباء وفحولهم ، وهو القائل : رضينا قسمة الرحمن فينا لنا حسب وللثقفي مال وما الثقفي إن جادت كساه وراعك شخصه إلا خيال قال : وكان أصله من عدن ثم تحول إلى البصرة ثم رجع إلى مكة إلى أن مات بها . وذكر أبو الفرج من طريق أبي الحسن النوفلي ، قال : رأيت ابن مناذر في الحج سنة 168 ، فلما صرنا إلى البصرة أتتنا وفاته .