ذكر بيعة الأنصار بالعقبة الآخرة رسول الله صلى الله عليه وسلم
ذكر بيعة الأنصار بالعقبة الآخرة رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبرنا محمد بن صالح الطبري بالصيمرة ، ثنا أبو كريب ، ثنا إدريس ، عن يحيى بن سعيد الأنصاري ، وعبيد الله بن عمر ، ومحمد بن إسحاق ، عن عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت ، عن أبيه ، عن جده عبادة بن الصامت ، قال : بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في العسر واليسر ، والمكره والمنشط ، وعلى أثرة علينا ، وأن لا ننازع الأمر أهله ، وأن نقول بالحق حيث ما كنا ، لا نخاف في الله لومة لائم . قال أبو حاتم : فلما كان العام المقبل من حيث واعد الأنصار رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يلقوه من العام المقبل بمكة ، خرج سبعون رجلا من الأنصار فيمن خرج من أهل الشرك من قومهم من أهل المدينة ، فلما كانوا بذي الحليفة ، قال البراء بن معرور بن صخر بن خنساء ، وكان كبير الأنصار : إني قد رأيت رأيا ما أدري أتوافقوني عليه أم لا ، قد رأيت ألا أجعل هذه البنية مني بظهر ، وأن أصلي إليها - يعني الكعبة - فقالوا له : والله ما هذا برأي ، وما كنا لنصلي إلى غير قبلة . فأبوا ذلك عليه ، وأبى أن يصلي إلا إليها ، فلما غابت الشمس صلى إلى الكعبة ، وصلى أصحابه إلى الشام حتى قدموا مكة .
قال البراء بن معرور لكعب بن مالك : والله يا ابن أخي ، قد وقع في نفسي مما صنعت في سفري هذا ، فانطلق بنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أسأله عما صنعت ، وكانوا لا يعرفون رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما كانوا يعرفون العباس بن عبد المطلب ؛ لأنه كان يختلف إليهم إلى المدينة تاجرا ، فخرجوا يسألون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة حتى إذا كانوا بالطحاء سألوا رجلا عنه ، فقال : هل تعرفونه ؟ قالوا : لا ، قال : فهل تعرفون العباس بن عبد المطلب ؟ قالوا : نعم ، قال : فإذا دخلتم المسجد ، فانظروا من الرجل الذي مع العباس جالس فهو هو ، تركته معه الآن . فخرجوا حتى جاءوا فسلموا عليهما ، ثم جلسوا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للعباس : هل تعرف هذين الرجلين ؟ قال : نعم ، هذا البراء بن معرور ، وهذا كعب بن مالك ، فقال له البراء : يا رسول الله صلى الله عليه وسلم إني صنعت في سفري هذا شيئا قد وقع في نفسي منه شيء ، فأخبرني عنه ، رأيت أن لا أجعل هذه البنية مني بظهر ، وصليت إليها ، فعنفني أصحابي ، وخالفوني ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لقد كنت على قبلة لو صبرت عليها . ولم يزد على ذلك .
ثم خرجوا إلى منى ، فلما كان في أوسط أيام التشريق ذات ليلة ، واعدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم العقبة ، فخرجوا في جوف الليل يتسللون من رجالهم ، ويخفون ذلك من قومهم من المشركين ، فلما اجتمعوا عند العقبة أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومعه عمه العباس ، فكان أول من تكلم العباس ، فقال : يا معشر الخزرج ، إن محمدا صلى الله عليه وسلم في منعة من قومه ، وبلاده ، وقد منعناه ممن ليس على مثل رأينا فيه ، وقد أبى إلا الانقطاع إليكم ، فإن كنتم ترون أنكم توفون له بما وعدتموه ، فأنتم وما جئتم به ، وإن كنتم تخافون عليه من أنفسكم شيئا ، فالآن فاتركوه ، فإنه في عز ومنعة . قالوا : قد سمعنا ما قلت ، ثم تكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وتلا عليهم القرآن ، ودعاهم إلى الله ، فآمنوا وصدقوه ، ثم تكلم البراء بن معرور ، وأخذ بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : بايعنا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أبايعكم على السمع والطاعة ، في المنشط والمكره ، والنفقة في العسر واليسر ، وعلى الأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر ، وأن لا تخافوا في الله لومة لائم ، وعلى أن تنصروني ، وتمنعوني بما تمنعون به أنفسكم ، وأزواجكم ، وأبناءكم ، ولكم الجنة ، فبايعوه على ذلك . فقال رجل من الأنصار ، يقال له عباس بن عبادة بن نضلة : يا معشر الأنصار ، هل تدرون ما تبايعون عليه هذا الرجل ، إنكم تبايعونه على حرب الأسود والأحمر ، فإن كنتم ترون أنكم لتوفون بما عاهدتموه عليه فهو خير الدنيا والآخرة ، فخذوه ، وإن كنتم ترون أنكم مسلموه إذا كان ذلك ، فالآن فدعوه فهو خزي الدنيا والآخرة .
فقال أبو الهيثم بن التيهان : يا رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن بيننا وبين قومه رحما ، وإنا قاطعوها فيك ، فهل عسيت إن نحن بايعناك وأظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا ؟ فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقال : الدم الدم ، الهدم الهدم ، إني منكم ، وأنتم مني ، أسالم من سالمتم ، وأحارب من حاربتم . ثم قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : ابعثوا إليّ منكم اثني عشر نقيبا كفلا على قومهم بما كان منهم ككفالة الحواريين بعيسي ابن مريم ، فقال أسعد بن زرارة : نعم يا رسول الله ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : وأنت نقيب على قومك ، فقال : نعم ، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم اثني عشر نقيبا ، فكان نقيب بني مالك بن النجار أبو أمامة أسعد بن زرارة بن عدس بن عبيد بن ثعلبة بن غنم بن مالك بن النجار ، وكان نقيب بني سلمة البراء بن معرور ، وعبد الله بن عمرو بن حرام أبو جابر بن عبد الله ، وكان نقيب بني ساعدة المنذر بن عمرو بن خنيس ، وسعد بن عبادة بن دليم ، وكان نقيب بني زريق بن عامر رافع بن مالك بن العجلان ، وكان نقيب بني الحارث بن الخزرج عبد الله بن رواحة بن مالك ، وسعد بن الربيع بن عمرو ، وكان نقيب القوافل عبادة بن الصامت بن قيس ، وكان نقيب بني عبد الأشهل أسيد بن حضير بن سماك ، وأبو الهيثم بن التيهان ، وكان نقيب بني عمرو بن عوف سعد بن خيثمة بن الحارث ، فقال عباس بن عبادة بن نضلة : والله يا رسول الله لئن شئت لنميلن على أهل منى غدا بأسيافنا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لم أؤمر بذلك ، ارجعوا إلى رحالكم . فرجعوا إلى رحالهم ، وهم سبعون رجلا ، فلما أصبحوا غدت عليهم قريش ، قالوا : يا معشر الخزرج ، إنه قد بلغنا عنكم شيء لا ندري أحق هو أم باطل ، إنه لأبغض قوم إلينا أن تنشب الحرب بيننا وبينهم منكم ، فجعل من كان من المشركين من قومهم يحلفون بالله ما علمنا ولا فعلنا ، وصدقوا .
قال كعب بن مالك : فنظرت إلى عبد الله بن عمرو بن حرام ، فقلت : يا أبا جابر ، أنت شيخ من شيوخنا ، وسيد من ساداتنا ، ألا تتخذ نعلا مثل نعلي هذا الفتى من قريش ، يريد الحارث بن هشام ، فلما سمعه الحارث خلعهما ، ورمى بهما إليه ، فقال : البسهما ، قال كعب : قال : والله صالح ، ولئن صدق لأسلبنه . فرجع الأنصار إلى المدينة ، ورجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة ، وكانت هذه البيعة في ذي الحجة قبل هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة بثلاثة أشهر . فلما علمت قريش أن القوم قد عاقدوه ، ورأت من اتبعه من الأنصار ، اجتمع نفر من أشراف كل قبيلة ، ودخلوا دار الندوة ليدبروا أمرهم في رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فاعترضهم إبليس في صورة شيخ ، فلما رأوه ، قالوا : من أنت ؟ قال : رجل من أهل نجد سمعت بما اجتمعتم له فأردت أن أحضركم ، ولن يعدمنكم مني رأي ونصح ، قالوا : أجل ، ثم قال : انظروا في أمر هذا الرجل ، فقال بعضهم : احبسوه في وثاق ، تربصوا به ريب المنون حتى يهلك كما هلك من قبله من الشعراء ، فإنما هو كأحدهم .
قال النجدي : ما هذا برأي ، فيخرجنه من محبسه ، وليوشكن أن يثبوا عليكم حتى يأخذوه من بين أيديكم ، ثم لا آمن أن يخرج من بلادكم ، انظروا في غير هذا . قال قائل : أخرجوه من بين أظهركم ، فإنه إذا خرج غاب أذاه وشره ، وأصلحتم أمركم بينكم ، وخليتم بينه وبين ما هو فيه ، قال النجدي : ما هذا برأي ، ألم تروا حسن حديثه ، وحلاوة قوله ، وطلاقة لسانه ، وأخذ القلوب بما يسمع منه ، ولئن فعلتم استعرض ، ولا آمن أن يدخل على كل قبيلة ، فيقبل منه ما جاء به ، ثم يسيره إليكم حتى ينزع أمركم من أيديكم فيخرجكم من بلادكم ، ويقتل أشرافكم ، انظروا رأيا غير هذا . قال أبو جهل : والله لأشيرن برأيي عليكم ، ما أراكم أبصرتموه بعد ، قالوا : وما هو ؟ قال : نأخذ من كل قبيلة غلاما شابا ، ثم نعطيه سيفا صارما حتى يضربوه ضربة رجل واحد ، فإذا تفرق دمه في القبائل فلا أظن أن بني هاشم يقدرون على حرب قريش كلها ، فإذا أرادوا ذلك قبلوا العقل واسترحنا منه ، ثم أصلحتم أمركم ، فاجتمع ملككم على ما كنتم عليه من دين آبائكم ، فقال النجدي : القول ما قال هذا الفتى ، لا رأي غيره ، فتفرقوا على ذلك .
وأتاه جبريل ، وأمره أن لا يبيت في مضجعه الذي كان يبيت فيه ، وأخبره بمكر القوم ، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم عليا فتغشى بردا له أحمر حضرميا فبات في مضجعه ، واجتمعت قريش لرسول الله صلى الله عليه وسلم عند باب بيته يرصدونه ، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في يده حفنة من تراب فرماها في وجوههم ، فأخذ الله بأعينهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فباتوا رصدا على بابه ، وانطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم لحاجته ، فخرج عليهم من الدار خارج ، فقال : ما لكم ؟ قالوا : ننتظر محمدا ، قال : قد خرج عليكم ، فانصرفوا يائسين ينفض كل واحد منهم التراب عن رأسه ، قال أبو بكر الصديق : إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ، أخرجوا نبيهم ليهلكن . فنزلت : ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ ﴾، فأمره الله بالقتال ، وفرض عليه الجهاد ، وهي أول آية نزلت في القتال ، ثم أمر الله جل وعلا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالهجرة إلى يثرب .