سرية عبد الله بن جحش
ثم بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم في رجب عبد الله بن جحش في اثني عشر نفسا من المهاجرين ليس فيهم أنصاري ، وكتب له كتابا ، وقال : أمسك كتابك ، فإذا سرت يومين ، فانشره فانظر ما فيه ، ثم امض ، وخرج مع عبد الله بن جحش أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة حليف بني عدي بن كعب ، وسعد بن أبي وقاص ، وسهيل بن بيضاء وعتبة بن غزوان ، وواقد بن عبد الله التميمي حليف بني عدي بن بيضاء ، وخالد بن البكير حليف بني عدي ، وعكاشة بن محصن ، فسار عبد الله بن جحش ليلتين على ما أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم فتح الكتاب ، فإذا فيه : سر حتى تنزل نخلة على اسم الله ولا تكرهن أحدا من أصحابك على السير معك ، وامض فيمن تبعك منهم حتى تقدم بطن نخلة ، فترصد بها عير قريش ، فلما قرأ الكتاب قال : لست بمستكره أحدا منكم ، فمن كان يريد الشهادة فليمض ، فإني ماض لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فمضى ومضى القوم معه حتى إذا كانوا ببحران - معدن بالحجاز فوق الفرع - أضل عتبة بن غزوان وسعد بن أبي وقاص بعيرا ، فتخلفا في طلبه ، ومضى عبد الله بن جحش حتى أتى المكان الذي أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فوجد عير قريش فيها عمرو بن الحضرمي ، والحكم بن كيسان ، وعثمان بن عبد الله بن المغيرة ، ونوفل بن عبد الله بن المغيرة ، فلما رأى أصحاب العير القوم هابوهم وحلزوهم ، فأشرف لهم عكاشة بن محصن ، وكان قد حلق رأسه ، فلما رأوه قال عمار : لا بأس عليكم ، وأمنوا ، فاستشاروا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمرهم ، وكان آخر يوم من رجب ، فقال المسلمون : إن أخرنا عنهم هذا اليوم دخلوا الحرم فامتنعوا ، وإن أصبناهم أصبناهم في الشهر الحرام ، فرمى واقد بن عبد الله عمرو بن الحضرمي بسهم ، فقتله واستأسروا عثمان بن عبد الله بن المغيرة والحكم بن كيسان ، وأعجزهم نوفل بن عبد الله بن المغيرة ، واستاقوا العير ، فقدموا بها على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فوقف رسول الله صلى الله عليه وسلم العير ، ولم يأخذ منها شيئا ، وحبس الأسيرين ، وقال لأصحابه : ما أمرتكم بالقتال في الشهر الحرام ، فسقط في أيدي القوم ، وظنوا أنهم هلكوا ، وقالت قريش : استحل بهذا الشهر الحرام ، قد أصاب فيه الدم والمال ، فأنزل الله فيما كان قول رسول الله صلى الله عليه وسلم وما عظم في أنفس أصحابه وما جاؤوا به : يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ - إلى قوله - أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ ، يريد أنهم كانوا يفتنونكم في دينكم ، وأنتم في حرم الله حتى تكفروا بعد إيمانكم ، فهذا أكبر عند الله من أن تقتلوهم في الشهر الحرام مع كفرهم وصدهم عن سبيل الله ، وإخراجكم منه ، فلما نزل القرآن بذلك أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم العير ، وأما الأسيران فإن الحكم أسلم ، وأقام عند رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قتل يوم بئر معونة شهيدا ، وأما عثمان ففاداه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ورجعوا به مكة ، ومات بها مشركا .