حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
الثقات

غزوة أحد

ثم كانت غزوة أحد . وذلك أن أبا سفيان لما رجع بعيره إلى مكة ، قال عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي وعكرمة بن أبي جهل ورجال من قريش ممن أصيب آباؤهم وأبناؤهم وإخوانهم ببدر : يا معشر قريش ، إن محمدا قد وتركم ، وقتل خياركم ، فأعينونا على حربه لعلنا أن ندرك منه بعض ما أصاب منا ، فاجتمعت قريش على المسير إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بأحابيشها ، ومن أطاعها من قبائل مكة وغيرها ، وخرجوا معهم بالظعن ، فخرج أبو سفيان بن حرب بهند بنت بنت عتبة بن ربيعة أم معاوية ، وخرج عكرمة بن أبي جهل بأم حكيم بنت الحارث بن هشام ، وخرج الحارث بن هشام بفاطمة بنت الوليد بن المغيرة ، وخرج صفوان بن أمية ببرة ابنة مسعود بن عمرو ، وهي أم عبد الله بن صفوان ، وخرج عمرو بن العاص بريطة ابنة منبه بن الحجاج السهمي ، وهي أم عبد الله بن عمرو ، وخرج طلحة بن أبي طلحة بسلافة بنت سعد بن شهيد أحد بني عروة بن عوف مع نسوة غيرهن ، ودعا جبير بن مطعم غلامه وحشيا ، فقال : إن قتلت عم محمد حمزة بعمي طعيمة بن عدي ، فأنت عتيق ، فخرجت قريش تريد رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزلوا بعينين جبل ببطن السبخة على شفير الوادي مما يلي المدينة ، وهم ثلاثة آلاف رجل ، معهم من الخيل مائتا فرس ، ومن الظعن خمسة عشر امرأة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لما سمع بهم : إني رأيت فيما يرى النائم في ذباب سيفي ثلمة ، ورأيت بقرة نحرت ، ورأيت كأني أدخلت يدي في درع حصينة ، فتأولتها المدينة ، وكره رسول الله صلى الله عليه وسلم الخروج إليهم ، فقال عبد الله بن أبي بن سلول : يا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لا تخرج إليهم ، فوالله ما خرجنا إلى عدو قط إلا أصاب منا ، وما دخلها علينا إلا أصبناه ، فقال رجال من المسلمين ممن كان فاتهم بدر : يا رسول الله ، اخرج بنا إلى أعداء الله ، لا يرون أنا جبنا عنهم ، أو ضعفنا ، فقال عبد الله بن أبي : يا رسول الله ، أقم فإن أقاموا أقاموا بشر مجلس ، وإن دخلوا علينا قاتلهم الرجال في وجوههم ورماهم النساء والصبيان بالحجارة من فوقهم ، فلم يزل برسول الله صلى الله عليه وسلم الذين كان من أمرهم حب لقاء القوم حتى دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلبس لأمته ، ثم خرج عليهم ، وقد ندم الناس وقالوا : استكرهنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولم يكن لنا ذلك ، ثم قالوا : يا رسول الله ، استكرهناك ولم يكن لنا ذلك ، إن شئت فاقعد ، صلى الله عليك ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما ينبغي لنبي إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يقاتل ، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في شوال يوم السبت في ألف رجل ، واستخلف على المدينة ابن أم مكتوم ، وصلى المغرب بالشيخين في طرف المدينة ، وقد قيل : بالشوط . ثم عرض المقاتلة ، فأجاز من أجاز ، ورد من رد ، فكان فيمن رد زيد بن ثابت ، وعبد الله بن عمر ، وأسيد بن ظهير ، والبراء بن عازب ، وعرابة بن أوس الحارثي ، وأبو سعيد الخدري ، وأجاز سمرة بن جندب ، وأما رافع بن خديج فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم استصغره ، فقام على خفين وتطاول على أطرافه ، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم أجازه ، وكان دليل النبي صلى الله عليه وسلم أبو حثمة الحارثي ، فقال عبد الله بن أبي لمن معه : أطاعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وعصاني ، والله ما ندري على ما نقتل أنفسنا معه ، أيها الناس ارجعوا ، فعزل من العسكر ثلاثمائة رجل ممن تبعه ، ورجع بهم المدينة .

ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في سبعمائة رجل ، وسلك حرة بني حارثة ، ثم نزل حتى مضى بالشعب من أحد في عدوة الوادي وجعل ظهره إلى أحد ، وقال : لا يقاتلن أحد حتى آمره ، ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم على الرماة عبد الله بن جبير أحد بني عمرو بن عوف ، وهم خمسون رجلا ، وقال : انضح عنا الخيل لا يأتونا من خلفنا ، إن كانت علينا أو لنا فاثبت مكانك ، لا نؤتين من قبلك ، ثم ظاهر رسول الله صلى الله عليه وسلم في درعين ، وأعطى اللواء علي ابن أبي طالب ، وقال : من يأخذ مني هذا السيف بحقه ؟ قال أبو دجانة سماك بن خرشة : وما حقه يا رسول الله ؟ قال : تضرب به في العدو حتى ينحني ، فقال : يا رسول الله ، أنا آخذه بحقه ، فأعطاه إياه ، وكان أبو دجانة رجلا شجاعا يختال عند الحرب ، وكان إذا أعلم بعصابة له حمراء يعصب بها رأسه ، فإذا رأوا ذلك علموا أنه سيقاتل ، فأخذ السيف من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأخرج عصابة فعصب بها رأسه ، ثم أخذ يتبختر بين الصفين ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنها لمشية يبغضها الله ، إلا في هذا الموطن . وتعبأت قريش وجعلوا على ميمنة الخيل خالد بن الوليد ، وعلى ميسرتها عكرمة بن أبي جهل ، وقال أبو سفيان بن حرب لأصحابه : إنكم قد وليتم لواءنا يوم بدر فأصابنا ما قد رأيتم ، وإنما يؤتى الناس من قبل راياتهم إذا مالوا ، فإما أن تكفونا لواءنا ، وإما ان تخلوا بيننا وبينه فنكفيكموه ، فهموا به وتواعدوه وقالوا : نحن نسلم إليك ستعلم كيف نصنع ، وجاءت هند بنت عتبة والنسوة اللواتي معها يحرضنهم على القتال ، وتقول فيما تقول : إن تقبلوا نعانق ونفرش النمارق أو تدبروا نفارق فراق غير وامق وأول من خرج من المشركين أبو عامر عمر بن أمية في الأحابيش ، وقال : يا معشر الأوس ، أنا أبو عامر ، قالوا : فلا أنعم الله بك عينا ، ثم راضخ المسلمين بالحجارة وقاتلهم قتالا شديدا ، وقاتل أبو دجانة في رجال من المسلمين حتى حميت الحرب وأنزل الله النصر ، وكشفهم المسلمون عن معسكرهم ، وكانت الهزيمة عليهم ، فلم يكن بين أخذ المسلمين هندا وصواحبها إلا شيء يسير ، وقتل علي بن أبي طالب طلحة ، وهو حامل لواء قريش ، وأبا الحكم بن الأخنس بن شريق ، وعبيد الله بن جبير بن أبي زهير ، وأمية بن أبي حذيفة بن المغيرة ، وأخذ اللواء بعد طلحة أبو سعد ، فرماه سعد بن أبي وقاص فقتله ، وبقي اللوء صريعا لا يأخذه أحد فتقدم رجل من المشركين يقال له : صؤاب ، فأخذ اللواء وأقامه لقريش ، فكر المسلمون عليه حتى قطعوا يديه ، ثم قتل ، وصرع اللواء ، فلما رأى الرماة الذين خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم أن المشركين قد انهزموا وتركوا ، تركوا مصافهم يريدون النهب وخلوا ظهور المسلمين للخيل ، وأتاهم المشركون من خلفهم وصرخ صارخ : ألا إن محمدا قد قتل ، فانكشف المسلمون فصاروا بين قتيل وجريح ومنهزم ، حتى خلص العدو إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأصيبت رباعيته ، فجعل يمسح الدم عن وجهه ، ويقول : كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم ، ثم قام زياد بن السكن في خمسة من الأنصار ، فقاتلوا دون رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا رجلا حتى قتلوا ، وكان آخرهم زياد بن السكن ، فأثبتته الجراحة ، وجاء المسلمون فأجهضوهم عنه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ادنوه مني ، فوسده قدمه حتى مات في حجره ، وترس أبو دجانة دون رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه ، فكانت النبل تقع في ظهره وهو ينحني عليه حتى كثرت فيه النبل ، وقاتل مصعب بن عمير دون رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قتل ، أصابه ابن قميئة الليثي ، وهو يظن أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم . ثم رجع إلى قريش وقال : قتلت محمدا ، والتقى حنظلة بن أبي عامر وأبو سفيان فاستعلى حنظلة أبا سفيان بالسيف ، فلما رآه ابن شعوب أن أبا سفيان قد علاه حنظلة بالسيف ضربه فقتله ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن صاحبكم لتغسله الملائكة ، وخرج حمزة بن عبد المطلب ، فمر به سباع بن عبد العزى الخزاعي ، وكان يكنى أبا نيار ، فقال : هلم يا ابن مقطعة البظور ، فالتقيا فضربه حمزة فقتل ، ثم جعل يرتجز ومعه سيفان إذ عثر دابته فسقط على قفاه وانكشف الدرع عن بطنه ، فانتزع وحشي حربته فهزها ورماها فبقر بها بدنه ، ثم أخذ حربته وتنحاه .

وقد انتهى أنس بن النضر عم أنس بن مالك إلى عمر بن الخطاب وطلحة بن عبيد الله ورجال من المهاجرين والأنصار قد أسقطوا ما في أيديهم وألقوا بأيديهم ، فقال : ما يجلسكم ؟ قالوا : قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : فما تصنعون بالحياة بعده ؟ قوموا فموتوا على ما مات عليه ، ثم استقبل القوم فقاتل حتى قتل ، ووجد فيه سبعون ضربة بالسيف والرمح . وكان أول من عرف رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث كانت الهزيمة كعب بن مالك ، قال : عرفت عينيه تزهران من تحت المغفر فناديت بصوتي : يا معشر المسلمين ، أبشروا فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما عرف المسلمون رسول الله صلى الله عليه وسلم نهضوا إليه ، فيهم : أبو بكر وعمر وعلي وطلحة والزبير وسعد والحارث بن الصمة ، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يناول النبل سعدا ، ويقول : ارم فداك أبي وأمي . ثم أدرك رسول الله صلى الله عليه وسلم أبي بن خلف ، وهو يقول : يا محمد ، لا نجوت إن نجوت ، فقال القوم : يا رسول الله ، أيعطف عليه رجل منا ؟ فقال : دعوه ، فلما دنا تناول رسول الله صلى الله عليه وسلم الحربة من الحارث بن الصمة ، ثم انتفض بها انتفاضة ، ثم استقبله وطعنه بها ، فمال عن فرسه ، وقد كان أبي بن خلف يلقى رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة ، فيقول : إن عندي العود أعلفه كل يوم فرقا من ذرة أقتلك عليه ، فيقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : بل أنا أقتلك إن شاء الله ، فرجع أبي بن خلف إلى المشركين ، وقد خدشته حربة رسول الله صلى الله عليه وسلم خدشا غير كبير ، فقال : قتلني والله محمد ، فقالوا : ذهب والله فؤادك ، والله إن بك من بأس ، فقال : إنه قد كان يقول بمكة : إني أقتلك ، والله لو بصق علي لقتلني ، فمات بسرف ، وهم قافلون إلى مكة .

فانتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم بمن معه من أصحابه إلى الشعب ، ومر علي بن أبي طالب حتى ملأ درقته من المهراس ، وجاء بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم شربه ، فوجد له ريحا فعافه فلم يشرب منه ، وغسل عن وجهه الدم ، وصب على رأسه ، وقال : اشتد غضب الله على من دمى وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم نهض رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الصخرة ليعلوها ، فلما ذهب لينهض لم يستطع ذلك ، فجلس طلحة تحته فنهض رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى استوى على الصخرة ، ثم قال : أوجب طلحة الجنة . وكانت هند واللاتي معها جعلن يمثلن بالقتلى من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يجدعن الآذان والآناف ، حتى اتخذت هند قلائد من آذان المسلمين وآنفهم وبقرت عن كبد حمزة ، فلاكته فلم تستطعه فلفظته ، ثم علت صخرة مشرفة فصرخت بأعلى صوتها بشعر لها طويل - أكره ذكره - ، فقتل من المسلمين سبعون رجلا في ذلك اليوم منهم أربعة من المهاجرين ، وكان المسلمون قتلوا اليمان أبا حذيفة ، وهم لا يعرفونه ، فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يخرجوا ديته ، وقتل من المشركين ثلاثة وعشرون رجلا . ثم إن أبا سفيان أراد الانصراف ، فصرخ بأعلى صوته : الحرب سجال ، اعل هبل يوم بيوم بدر ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ناحية : الله أعلى وأجل لا سواء ، قتلانا في الجنة ، وقتلاكم في النار ، فقال أبو سفيان : يا عمر ، أنشدك الله أقتلنا محمدا ؟ فقال : اللهم لا وإنه ليسمع كلامك ، فقال : أنت أصدق عندي من ابن قميئة ، ولكن موعدكم بدر ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : هو بيننا وبينكم .

رحل أبو سفيان بالمشركين ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي بن أبي طالب : اخرج في آثار القوم ، فإن كانوا قد اجتنبوا الخيل وامتطوا الإبل فإنهم يريدون مكة ، وإن ركبوا الخيل ، وساقوا الإبل فإنهم يريدون المدينة ، والذي نفسي بيده لئن أرادوها لأسيرن إليهم فيها ، ثم لأنجزتهم ، فخرج في آثارهم فأراهم قد اجتنبوا الخيل وامتطوا الإبل ووجهوا إلى مكة ، فرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره . وفرغ الناس لقتلاهم ، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يلتمس حمزة ، فوجده ببطن الوادي قد بقر بطنه عن كبده ومثل به ، فوقف عليه ، وقال : لولا أن تحزن صفية أن تكون سنة بعدي ما غيبته ، ولتركته حتى يكون في بطون السباع والطير ، ولئن أظهرني الله عليهم لأمثلن ، فأنزل الله : وإن عاقبتم فعاقبوا ، الآية ، ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فسجي ببردة . ثم قال صلى الله عليه وسلم : من رجل ينظر ما فعل سعد بن الربيع ، أفي الأحياء هو أم في الأموات ؟ فقال رجل من الأنصار : أنا يا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فنظره فوجده جريحا في القتلى ، وبه رمق ، فقال له : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرني أن أنظر في الأحياء أنت أم في الأموات ، فقال : أنا في الأموات ، أبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم عني السلام ، وقل له : إن سعد بن الربيع يقول : جزاك الله عنا خير ما جزى نبي عن أمته ، وأبلغ قومك السلام ، وقل لهم إن سعدا يقول لكم : إنه لا عذر لكم عند الله إن خلص إلى نبيكم وفيكم عين تطرف ، ثم مات ، فجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبره .

واحتمل الناس قتلاهم ، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يدفنوهم حيث صرعوا بدمائهم ، وأن لا يغسلوا ولا يصلى عليهم ، فكان يجمع بين الرجلين من قتلى أحد في ثوب واحد ، ويقول : أيهم أكثر أخذا للقرآن ؟ فإذا أشير إليه بأحدهما قدمه في اللحد ، وقال : أنا شهيد على هؤلاء يوم القيامة ، قال : انظروا عمرو بن الجموح ، وعبد الله بن عمرو ، فإنهما كانا متصافيين في الدنيا ، فاجعلوهما في قبر واحد . ثم قال صلى الله عليه وسلم : وإن الله جعل أرواحهم في أجواف طير خضر ، ترد أنهار الجنة وتأكل من ثمارها ، وتأوي إلى قناديل من ذهب في ظل العرش ، فلما وجدوا طيب مشربهم ، ومأكلهم وسقياهم قالوا : يا ليت إخواننا يعلمون ما صنع ربنا بنا ، فأنزل الله : وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، الآية . وكان ابن عمير لم يترك إلا بردة واحدة ، فكانوا إذا غطوا رأسه بدت رجلاه ، وإذا غطوا رجليه بدا رأسه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : غطوا رأسه ، واجعلوا على رجليه شيئا من الإذخر .

ثم قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة بمن معه من المسلمين ، فمر بدار من دور الأنصار ، فسمع البكاء على قتلاهم ، فقال : لكن حمزة لا بواكي له ، فلما سمع سعد بن معاذ وأسيد بن حضير أمرا نساء بني عبد الأشهل أن يذهبن فيبكين على عم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بكاءهن قال : اجعل ، ثم ناول علي بن أبي طالب سيفه فاطمة ، وقال : اغسلي عن هذا دمه ، فوالله لقد صدقني اليوم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لئن كنت صدقت القتال اليوم لقد صدق معك سهل بن حنيف وأبو دجانة ، فلما كان ثاني يوم أحد أذن مؤذن رسول الله عليه وسلم بالخروج في طلب القوم ، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ، واستخلف على المدينة ابن أم مكتوم ، وقال : لا يخرج معنا إلا من حضر يومنا بالأمس ، وكان أكثر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم جرحى ، فمر على رسول الله صلى الله عليه وسلم معبد بن أبي معبد الخزاعي ، وكانت خزاعة مسلمهم ومشركهم عيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم بتهامة ، فقال : والله يا محمد ، لقد عز علينا ما أصابك ، ولوددنا أن الله كان أعفاك منهم ، ثم خرج فلحق أبا سفيان بالروحاء ، ومن معه من قريش وقد أزمعوا الرجوع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد توامروا بينهم ، وقالوا : رجعنا قبل أن نصطلم أصحاب محمد ، نرجع فنكر على بقيتهم ، فلما رأى أبو سفيان معبدا مقبلا قال : ما وراءك يا معبد ؟ قال : محمد قد خرج في أصحابه في طلبكم في جمع لم أر مثله يتحرقون عليكم تحرقا ، قال : ويلك ما تقول ، والله لقد أجمعنا للكرة على أصحابه لنصطلمهم ، قال : فإني والله أنهاك عن ذلك بهم ، عليكم من الجود بشيء ما رأيته بقوم على قوم قط ، فساءه ذلك . ومر بأبي سفيان ركبة من عبد القيس ، فقال : أين تريدون ؟ قالوا : نريد المدينة ، قال : ولم ؟ قالوا : نريد الميرة ، قال : فأخبروا محمدا أنا قد أجمعنا الكرة عليه وعلى أصحابه لنصطلمهم . ثم رحل أبو سفيان راحلا إلى مكة ، ومر الركب برسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأخبروه بما قال أبو سفيان ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون : حسبنا الله ونعم الوكيل ، فأنزل الله جل وعلا في ذلك : الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ - إلى قوله - وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ ، لما صرف عنهم من لقاء عدوهم : إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ ، الآية .

فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بحمراء الأسد ثلاثا ، ثم انصرف إلى المدينة .

موقع حَـدِيث