حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
الثقات

غزوة ذي قرد

ثم غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم غزوة بني المصطلق ، وذلك أنه بلغه أن بني المصطلق تجمعوا وقائدهم الحارث بن أبي ضرار أبو جويرية بنت الحارث ، فلما سمع بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إليهم حتى لقيهم على ماء من مياههم يقال له : المريسيع من ناحية قديد إلى الساحل ، فتزاحف الناس واقتتلوا ، فهزم الله بني المصطلق ، وقتل من قتل منهم ، ونفل رسول الله صلى الله عليه وسلم أبناءهم ونساءهم وأموالهم لما - قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم سبايا بني المصطلق وقعت جويرية بنت الحارث في سهم لثابت بن قيس بن الشماس أو لابن عم له ، فكاتبته على نفسها وكانت امرأة حلوة لا يراها أحد إلا أخذت بنفسه ، فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم تستعينه في كتابتها ، فقالت : يا رسول الله ، أنا جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار سيد قومه ، وقد أصابني من البلاء ما لم يخف

[1/289]

عليك ، فوقعت في سهم لثابت بن قيس بن الشماس أو لابن عم له ، فكاتبته على نفسي ، فجئتك أستعينك على كتابتي ، قال : وهل لك في خير من ذلك ؟ قالت : وما هو يا رسول الله ؟ قال : أقضي كتابتك وأتزوجك ، قالت : نعم يا رسول الله ، قال : فعلت ، وخرج الخبر إلى الناس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوج جويرية بنت الحارث ، فقال الناس : أصهار رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأرسلوا ما بأيديهم ، فلقد أعتق وأطلق بتزويجه إياها مائة أهل بيت من بني المصطلق ، فما كانت امرأة أعظم بركة على قومها منها .

ثم أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد المدينة ، وكانت عائشة تحمل في هودج ، فنزلوا منزلا ، فمشت عائشة لحاجتها حتى جاوزت الجيش ، فلما قضت شأنها أقبلت إلى رحلها ، فإذا عقد لها من جزع ظفار قد انقطع ، فرجعت تلتمس عقدها ، وحبسها ابتغاؤه ، فأذن بالرحيل ، وأقبل الرهط الذين كانوا يرحلونها فاحتملوا هودجها على بعيرها الذي كانت تركب عليه ، وهم يحسبون أنها فيه ، وكانت النساء إذ ذاك خفافا ، وساروا ، فرجعت عائشة

[1/290]

بعدما رحل الجيش ، فجاءت منازلهم ، فإذا ليس بها داع ولا مجيب ، فأمت منزلها التي كانت فيه ، وعلمت أنهم سيفقدونها ، فبينا هي جالسة إذ غلبت عينها عليها ، وكان صفوان بن المعطل السلمي من وراء الجيش ، فادّلج فأصبح عند منزلها ، فرأى سواد إنسان نائم فعرفها حين رآها ، وكان رآها قبل أن ينزل الحجاب ، فاستيقظت عائشة باسترجاعه حين عرفها ، فخمرت عائشة وجهها بجلبابها ، وما كلمها حتى أناخ راحلته ، فوطئ على يدها ، فقامت إليه ، فأركبها وانطلق يقود الراحلة حتى أتى الجيش ، فوجدهم موغرين في نحر الظهيرة ، فهلك فيها من هلك ، وكان الذي كبره عبد الله بن أبي بن سلول ، فلما قدموا المدينة لبثت عائشة شهرا والناس يخوضون في قول أصحاب الإفك ، وهي لا تشعر بشيء من ذلك ، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتيها فيسلم عليها ويقول : كيف تيكم ؟ وينصرف ، وكان تراها ذلك من

[1/291]

رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فخرجت ذات ليلة مع أم مسطح قبل المناصع ، وكانت متبرزهم قبل أن تتخذ الكنف ، فلما فرغتا من شأنهما عثرت أم مسطح في مرطها فقالت : تعس مسطح ، فقالت لها عائشة : بئس ما تقولين ، تسبين رجلا من أهل بدر ؟ فقالت : أي هنتاه ، ألم تسمعي ما قال ؟ قالت عائشة : لا ، فأخبرتها بقول أهل الإفك ، فازدادت مرضا ، فلما دخل عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت : ائذن لي أن آتي إلى أبوي ، أذن لها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقالت : يا أبتاه ، ماذا يتحدث الناس ؟ قال : يا بنتي هوني عليك ، فوالله لقل ما كانت امرأة قط عند رجل يحبها لها ضرائر إلا أكثرن عليها ، فبكت تلك الليلة حتى أصبحت لا يرقأ لها دمع ولا تكتحل بنوم ، فلما أصبح دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا وأسامة بن زيد حين استلبث الوحي يستشيرهما في فراق أهله ، فأما أسامة فأشار على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالذي يعلم من براءة أهله ، وقال : أهلك لا نعلم إلا خيرا ، وأما علي فقال : يا رسول

[1/292]

الله - لم يضيق الله عليك والنساء سواها كثير ، وسل الجارية تصدقك ، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بريرة ، فقال : أي بريرة ، هل رأيت من أهلي شيئا يريبك ؟ قالت بريرة : والذي بعثك بالحق ما رأيت عليها شيئا قط أغمضه عليها أكثر من أنها جارية حديثة السن ، تنام عن عجين ، فتأتي الداجن فتأكله ، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم من يومه ، واستعذر من عبد الله بن أبي ابن سلول ، وهو على المنبر ، فقال : يا معشر المسلمين ، من يعذرني من رجل قد بلغني أذاه في أهلي ؟ والله ما علمت على أهلي إلا خيرا ، ولقد ذكروا رجلا ما علمت عليه إلا خيرا ، وما يدخل على أهلي إلا معي ، فقال أسيد بن حضير : يا رسول الله ، أنا أعذر منه ، فإن كان من الأوس ضربت عنقه ، وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك ، وكاد أن يكون بين الأوس والخزرج قتال بهذه

[1/293]

الكلمة ، فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يخفضهم حتى سكتوا ، وبكت عائشة يومها ذلك كله ، فبينا أبواها جالسين عندها وهي تبكي إذ استأذنت عليها امرأة من الأنصار فأذنت لها ، فجلست تبكي معها ، ثم دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلم ، ثم جلس ، ثم تشهد حين جلس ، ثم قال : أما بعد ، يا عائشة فإنه بلغني عنك كذا وكذا ، فإن كنت بريئة فسيبرئك الله ، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه ، فإن العبد إذا اعترف ثم تاب تاب الله عليه ، فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم مقالته قلص دمعي ، حتى ما - أحسست منها بقطرة ، وقالت

[1/294]

لأبيها : أجب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما قال ، فقال أبو بكر : والله ما أدري ما أقول ، فقالت لأمها : أجيبي رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما قال ، قالت : والله ما أدري ما أقول ، فقالت عائشة : إني والله لقد علمت أنكم سمعتم هذا الحديث حتى استقر في نفوسكم وصدقتم ، فلو قلت لكم : إني بريئة لا تصدقوني بذلك ، وإن اعترفت لكم بأمر والله يعلم أني منه بريئة لا تصدقوني ، والله ما أجد لي ولكم مثلا إلا ما قال أبو يوسف : فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ ، ثم تحولت عائشة واضطجعت على فراشها ، فما راح رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا خرج أحد من البيت حتى أنزل عليه الوحي ، فأخذه ما كان يأخذه من الرحضاء حتى أنه ينحدر منه العرق مثل الجمان ، وهو في يوم شات من ثقل القول الذي أنزل عليه ، فسري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يضحك ، فكان أول كلمة تكلم بها أن قال لها : يا عائشة أما والله فقد برأك ، فقالت لها أمها : قومي إليه ، فقالت : لا والله ما أقوم ، وإني لا أحمد إلا الله ، وأنزل الله إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ إلى تمام العشر الآيات ، فلما أنزل الله هذه الآيات قال أبو بكر وكان

[1/295]

ينفق على مسطح بن أثاثة لقرابته منه وفقره : والله لا أنفق على مسطح شيئا بعد الذي قال لعائشة ، فأنزل الله وَلا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى الآية . فقال أبو بكر الصديق : يا رسول الله ، والله إني لأحب أن يغفر الله لي ، فرجع إلى مسطح بالنفقة التي كان ينفق عليه ، وقال : لا أنتزعها منه أبدا ، وقد قيل : إن النبي صلى الله عليه وسلم حد أصحاب الإفك الذين رموا عائشة فيما رواه .

موقع حَـدِيث