السنة الثامنة من الهجرة
السنة الثامنة من الهجرة حدثنا أحمد بن علي بن المثنى التميمي بالموصل ، ثنا عبد الواحد بن غياث ، ثنا حماد بن سلمة ، عن قتادة ، وثابت وحميد عن أنس ، قال : غلا السعر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : يا رسول الله ، سعر لنا ، فقال : إن الله هو القابض والباسط المسعر الرزاق ، وإني أرجو أن ألقى الله وليس أحد منكم يطالبني بمظلمة في نفس ولا مال . قال : في أول هذه السنة غلا السعر على المسلمين ، فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم يسعر لهم ، فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك ، ثم قال : لا تباغضوا ، ولا تحاسدوا ، ولا تدابروا ، وكونوا عباد الله إخوانا ، ثم قال : لا يسوم الرجل على سوم أخيه ، ولا يبيع حاضر لباد ، دعوا الناس يرزق بعضهم من بعض ، ثم طلق رسول الله صلى الله عليه وسلم سودة بنت زمعة ، فقعدت له على طريقه بين المغرب والعشاء ، ثم قالت : يا رسول الله ، أرجعني ، فوالله ما بي حب الرجال ، لكني أحب أن أحشر في أزواجك ويومي لعائشة ، فردها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم توفيت زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، غسلتها سودة بنت زمعة ، وأم سلمة بنت أبي أمية زوجتا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم غالب بن عبد الله الليثي سرية إلى بني ليث في بضعة عشر رجلا ، فقتل مقاتلتهم ، وسبى ذراريهم ، وساق نعمهم ومواشيهم إلى المدينة ، ثم بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن العاص إلى جيفر ، وعباد ابني الجلندي بعمان ، فصدقا بالنبي صلى الله عليه وسلم ، وأقرا بما جاء به ، وصدق عمرو بن العاص أموالهم ، وأخذ الجزية من المجوس ، ثم صالح رسول الله صلى الله عليه وسلم المنذر بن ساوى العبدي ، وكتب إليه كتابا مع العلاء بن الحضرمي : ﴿بسم الله الرحمن الرحيم ﴾، من محمد رسول الله إلى المنذر بن ساوى ، سلام عليك ؛ فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو ، أما بعد فإن كتابك جاءني ورسلك ، وأنه من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا فإنه مسلم ، له ما للمسلم وعليه ما على المسلم ، ومن أبي فعليه الجزية ، فصالحهم العلاء بن الحضرمي على أن على المجوس الجزية ، لا تؤكل ذبائحهم ، ولا تنكح نساؤهم ، ثم بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم كعب بن عمير الغفاري سرية في خمسة عشر رجلا حتى انتهى إلى ذات أطلاح من ناحية الشام قريبا من مغار ، وكانوا من قضاعة فوجد بها جمعا كثيرا ، فدعاهم إلى الإسلام فأبوا أن يجيبوا ، وقتلوا أصحاب كعب جميعا ، ونجا هو بنفسه حتى قدم المدينة ، ثم بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم شجاع بن وهب سرية إلى بني عامر قبل نجد في أربعة وعشرين رجلا فأغار عليهم ، فجاؤوا نعما وشاء ، فكانت سهمانهم اثني عشر بعيرا ، ونفلهم النبي صلى الله عليه وسلم بعيرا بعيرا ثم بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة إلى مؤتة ناحية الشام ، فأوصاه بمن معه من المسلمين خيرا ، وقال : إن أصيب زيد فجعفر بن أبي طالب على الناس ، وإن أصيب جعفر فعبد الله بن رواحة على الناس ، وتجهز الناس معه فخرج معه قريبا من ثلاثة آلاف من المسلمين ، ومضى حتى نزل معان من أرض الشام ، فبلغهم أن هرقل قد نزل مآب من أرض البلقاء في مائة ألف من الروم ، فأقام المسلمون بمعان ليلتين ينظرون في أمرهم ، فشجع الناس عبد الله بن رواحة ، وقال : يا قوم ، والله إن التي تكرهون هي التي خرجتم من أجلها ، الشهادة ، ولا نقاتل الناس بعدد ولا قوة ، إنما نقاتلهم بهذا الدين الذي أكرمنا الله به ، فانطلقوا ؛ فإنما هي إحدى الحسنيين : إما ظهور ، وإما شهادة ، فقال الناس : قد والله صدق ابن رواحة ، ثم رحلوا ، فلما كانوا بالقرب من بلقاء لقيهم جموع هرقل في الروم ، فلما دنا العدو انحاز المسلمون إلى قرية يقال لها : مؤتة فتعبأ لهم المسلمون ، وجعلوا على ميمنتهم رجلا من بني عذرة يقال له : قطبة بن قتادة ، وعلى ميسرتهم رجلا من الأنصار من بني سعد بن هريم يقال له : عبادة بن مالك ، ثم التقى الناس فاقتتلوا قتالا شديدا ، فقاتل زيد بن حارثة براية رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قتل ، ثم أخذها جعفر فقاتل بها حتى ألحمه القتال ، فاقتحم عن فرسه الشقراء وعرقبها ، وقاتل حتى قتل ، وفيه اثنتان وسبعون ما بين ضربة بالسيف ، وطعنة بالرمح ، ثم أخذ عبد الله بن رواحة الراية ، وتقدم بها وهو على فرسه ، فقاتل حتى قتل ، وأخذ الراية ثابت بن أقرم ، وقال : يا معشر المسلمين ، اصطلحوا على رجل منكم . قالوا : أنت .
قال : ما أنا بفاعل فاصطلح الناس على خالد بن الوليد ، فأخذ خالد الراية ، ودافع القوم ، وحاشى بهم ، ثم انصرف بالناس فنعى رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس جعفر بن أبي طالب ، وزيد بن حارثة ، وعبد الله بن رواحة قبل أن يجيء خبرهم ، ثم قال صلى الله عليه وسلم : اصنعوا لآل جعفر طعاما ؛ فإنه قد جاءهم ما يشغلهم ، وقدم خالد بن الوليد بالمسلمين فتلقاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون ، والصبيان يحثون على الجيش التراب ، ويقولون : أفررتم في سبيل الله ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ، ليسوا بالفرارين ، ولكنهم الكرارون . ثم بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن العاص إلى ذات السلاسل ، وهم قضاعة ، وكانت أم العاص بن وائل قضاعية ، فأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتألفهم بذلك ، فخرج في سراة المهاجرين والأنصار ، ثم استمد رسول الله صلى الله عليه وسلم بأبي عبيدة بن الجراح على المهاجرين والأنصار ، فيهم أبو بكر وعمر ، فلما اجتمعوا ، واختلف أبو عبيدة وعمرو بن العاص في الإمامة . فقال المهاجرون : أنت أمير أصحابك ، وأبو عبيدة أميرنا ، فأبى عمرو بن العاص ، وقال: أنتم لي مدد .
فقال أبو عبيدة : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لي : إذا قمت على أصحابك فتطاوعا ، وإنك إن عصيتني لأطيعنك ، فأطاعه أبو عبيدة بن الجراح ، وكانوا يصلون خلف عمرو بن العاص ، وفيها صلى بهم وهو جنب ، فلما قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبره الخبر ، فقال عمرو : لقيت من البرد شدة ، وإني لو اغتسلت خشيت الموت ، فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال عمرو : يا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال الله : وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ . الآية .
وفي هذا الشهر كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى خزاعة بن بديل ، وبشر ، وسروات بني عمرو يدعوهم إلى الله ، ويعرض عليهم الإسلام . ثم بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا قتادة سرية إلى غطفان في ستة عشر رجلا فبيتوهم ، وأصابوا نعما ، وشياه ، ورجعوا إلى المدينة ، ثم بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا عبيدة بن الجراح في ثلاثمائة من المهاجرين والأنصار قبل جهينة ، وزودهم جراب تمر فأصابهم جوع شديد وكان أبو عبيدة يعطيهم جفنة جفنة ، ثم أعطاهم تمرة تمرة ، ثم ضرب لهم البحر بدابة ، يقال لها : العنبر ، فأكلوا منها شهرا ، ثم أخذ أبو عبيدة ضلعا فنصبه فمر راكب البعير تحته ، فلما رجعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبروه ، فقال : هو رزق رزقتموه من الله ، هل عندكم منه شيء ؟ وسمى هذا الجيش جيش الخبط ، وذلك أنهم جاعوا فكانوا يأكلون الخبط حتى صارت أشداقهم كأشداق الإبل . ثم استشار عمر بن الخطاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لي أرضا بخيبر لم أصب مالا قط هو أنفس عندي منه فما تأمرني ؟ قال : إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها ، فحبس عمر أصلها وتصدق بها ، لا تباع ولا توهب ولا تورث في الفقراء والغرباء ، وما بقي أنفق في سبيل الله ، وابن السبيل ، لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف ، وأن يعطي طريفا عنه غير متمول فيه .
ثم إن بكر بن عبد مناة بن كنانة خرجت على خزاعة ، وهم على ماء لهم بأسفل مكة ، فقاتلوا ، فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك قال للمسلمين : كأنكم بأبي سفيان قد قدم لتجديد العهد بيننا ، وكان بديل بن ورقاء بالمدينة ، فخرج إلى مكة راجعا ، فلما بلغ عسفان لقيه أبو سفيان ، وكانت قريش قد بعثه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لتجديد العهد ، فقال له أبو سفيان : من أين أقبلت يا بديل ؟ قال : سرت إلى خزاعة . قال : جزت بمحمد . قال : لا ، ثم خرج أبو سفيان حتى قدم المدينة ، فدخل على ابنته أم حبيبة ، فلما ذهب ليجلس على فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم طوته عنه ، فقال : يا بنيتي ، ما أدري أرغبت بهذا الفراش عني أم رغبت بي عنه ؟ قالت : هذا فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنت رجل مشرك نجس ، فلم أحب أن تجلس على فراش النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم خرج أبو سفيان حتى أتى النبي صلى الله عليه وسلم ، فكلمه فلم يرد عليه شيئا ، فذهب إلى أبي بكر فكلمه أن يكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ما أنا بفاعل ، ثم خرج حتى أتى عمر فكلمه ، فقال عمر : أنا أشفع لكم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ! والله لو لم أجد إلا الذر لجاهدتكم بهم ، ثم خرج أبو سفيان حتى دخل على علي بن أبي طالب وعنده فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وعندها الحسن ابنها يدب ، فقال : يا علي ، إنك أمس القوم بي رحما ، وأقربهم مني قرابة ، وقد جئت في حاجة فلا أرجعن كما جئت ، اشفع لي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم .
قال : ويحك يا أبا سفيان ، لقد عزم رسول الله صلى الله عليه وسلم على أمر ما نستطيع أن نكلمه فيه ، فالتفت إلى فاطمة ، فقال : هل لك أن تأمري ابنك هذا أن يجير بين الناس ، فيكون سيد العرب إلى آخر الدهر ؟ قالت : ما بلغ ذلك ابني أن يجير بين الناس . قال : يا أبا الحسن ، إني أرى الأمور قد اشتدت علي ، ما تنصح لي ؟ قال : والله ما أعلم شيئا يغني عنك ، ولكن قم فأجر بين الناس ، والحق بأرضك . قال وترى ذلك يغني عني شيئا ؟ قال : والله ما أدري ؟ فقام أبو سفيان في المسجد فقال : أيها الناس ، إني قد أجرت بين الناس ، ثم خرج ، فلما قدم على قريش مكة قالوا : ما وراءك ؟ قال : جئت محمدا فكلمته .
قال : فوالله ما رد علي بشيء ، ثم جئت ابن أبي قحافة فلم أجد فيه خيرا ، ثم جئت ابن الخطاب فوجدته أعدى العدو ، ثم جئت عليا فوجدته ألين القوم ، وقد أشار علي برأي صنعته ، فوالله ما أدري هل يغنيني شيئا أم لا ؟ قالوا : وبماذا أمرك ؟ قال : أمرني أن أجير بين الناس ، ففعلت . قالوا : فهل أجاز محمد ذلك ؟ قال : لا . قالوا : ويحك والله إن زاد علي بن أبي طالب على أن لعب بك ، والله ما يغني عنك ما فعلت ، ثم عزم رسول الله صلى الله عليه وسلم على المسير إلى مكة ، وأمرهم بالجد ، والتهيؤ ، وقال : اللهم خذ العيون والأخبار عن قريش فلما صح ذلك منه ومن المسلمين ، كتب حاطب بن أبي بلتعة كتابا إلى قريش يخبر بالذي قد أجمع عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم أعطاه امرأة من مزينة ، وجعل لها جعلا على أن تبلغه قريشا ، فجعلته في رأسها ، ثم فتلت عليه قرونها ، ثم خرجت ، وأخبر الله رسوله صلى الله عليه وسلم بما فعل حاطب ، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب ، والزبير بن العوام ، وقال : أدركا امرأة من مزينة قد كتب معها حاطب بكتاب إلى قريش يحذرهم ما قدمنا عليه ، فخرجا حتى أدركاها بالحليفة فاستنزلا ، والتمسا في رحلها فلم يجدا شيئا ، فقال لها علي : إني أحلف بالله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كذب ، ولا كذبنا ، إما أن تخرجي الكتاب ، وإلا نكشفنك ، فلما رأت الجد قالت : أعرض عني ، فأعرض عنها علي ، فحلت قرون رأسها واستخرجت الكتاب ، فدفعته إليه فجاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم حاطبا ، فقال : يا حاطب ، ما حملك على هذا ؟ قال : يا رسول الله ، والله إني لمؤمن بالله ورسوله ، ما غيرت ولا بدلت ، ولكني كنت امرأ ليس لي في القوم أصل ولا عشيرة ، وكان لي بينهم أهل وولد ، فقال عمر : دعني أضرب عنقه ، فإن الرجل قد نافق ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : وما يدريك يا عمر ، لعل الله قد اطلع يوم بدر إلى أهل بدر فقال : اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم .
ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة ، واستخلف على المدينة أبا رهم كلثوم بن حصين بن عبيد بن خلف الغفاري ، وذلك لعشر مضين من رمضان ، فصام رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فصام المسلمون ، ومع رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرة آلاف من المسلمين ، ولم يعقد الألوية ، ولا نشر الرايات ، فلما بلغ الكديد ، والكديد ما بين عسفان وأمج ، أفطر وأفطر المسلمون ، وقد كان عيينة بن حصن الفزاري لحق رسول الله بالعرج ، ولحقه الأقرع بن حابس التميمي في نفر من أصحابهما ، فقال عيينة : يا رسول الله ، والله ما أرى آلة الحرب ولا تهيئة الإحرام ، فأين تتوجه ؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : حيث شاء الله ، فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم مر الظهران ، وقد عميت الأخبار على قريش فلا يأتيهم خبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولا يدرون ما هو فاعل ، خرج أبو سفيان بن حرب ، وحكيم بن حزام ، وبديل بن ورقاء يتجسسون الأخبار ، وينظرون هل يرون خبرا أو يسمعون به ، فقال العباس بن عبد المطلب : يا صباح قريش ، والله لئن دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم عنوة قبل أن يأتوه فاستأمنوه ، إنه لهلاك قريش إلى آخر الدهر ، فركب العباس بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم البيضاء ، ومضى عليها حتى أتى الأراك ، وقال : هل أجد بعض الحطابة أو صاحب لبن ، أو ذا حاجة يأتي مكة فيخبرهم بمكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليخرجوا إليه ، ويستأمنوه قبل أن يدخلها عنوة ، فبينما هو يسير إذ سمع كلام أبي سفيان ، وهو يقول : والله ما رأيت كالليلة نيرانا قط وعسكرا ، فقال بديل بن ورقاء : هذه والله نيران خزاعة ، فقال أبو سفيان : خزاعة والله ألأم وأذل من أن تكون هذه نيرانها وعسكرها ، فلما عرف العباس صوتهم قال : يا أبا حنظلة ، فعرف أبو سفيان صوته ، فقال : أبو الفضل قال : نعم . قال : ما لك ؟ قال : فداك أبي وأمي ، ويحك يا أبا سفيان ، هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : واصباح قريش . قال : فما الحيلة فداك أبي وأمي ؟ قال العباس : أما والله لئن ظفر بك ليضربن عنقك ، فاركب عجز هذه البغلة حتى آتي بك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فركب أبو سفيان خلف العباس ، ورجع صاحباه إلى مكة ، فكلما مر العباس بنار من نيران المسلمين قالوا : من هذا ؟ وإذا رأوه قالوا : بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والعباس عليها عمه ، فلما مر بنار عمر بن الخطاب قال : من هذا ، وقام إليه ، فلما رأى أبا سفيان على عجز الدابة قال : أبو سفيان عدو الله ، الحمد لله الذي أمكن منك من غير عقد ولا عهد ، ثم خرج يشتد نحو رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وركض العباس بالبغلة فسبقه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فاقتحم العباس على باب القبة ودخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ودخل عليه عمر بن الخطاب ، فقال : يا رسول الله ، هذا أبو سفيان قد أمكن الله منه بغير عقد ولا عهد ، فدعني أضرب عنقه .
فقال العباس : يا رسول الله ، إني قد أجرته ، ثم جلس العباس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأكثر عمر في شأن أبي سفيان ، فقال العباس : مهلا يا عمر ، أما والله لو كان من رجال بني عدي بن كعب ما قلت هذا ، ولكنك قد عرفت أنه من رجال بني عبد مناف ، فقال عمر : مهلا يا عباس ، فوالله لإسلامك يوم أسلمت أحب إلي من إسلام الخطاب لو أسلم ، وما بي إلا أني عرفت أن إسلامك كان أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من إسلام الخطاب ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : اذهب به يا عباس إلى رحلك ، إذا أصبحت فأتني به ، فذهب به العباس إلى رحله فبات عنده ، فلما أصبح غدا به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ويحك يا أبا سفيان ، ألم يأن لك أن تعلم أن لا إله إلا الله ؟ قال : بأبي أنت وأمي ما أحلمك ، وأكرمك ، وأوصلك ، والله لقد ظننت أن لو كان مع الله غيره لقد أغنى شيئا . قال : ويحك يا أبا سفيان ، ألم يأن لك أن تعلم أني رسول الله ؟ قال : بأبي أنت وأمي ما أحلمك ، وأكرمك ، وأوصلك ، أما هذه فإن في النفس منها شيئا حتى الآن ، فقال العباس : ويحك أسلم قبل أن يضرب عنقك ، فتشهد أبو سفيان شهادة وأسلم ، فقال العباس : يا رسول الله ، إن أبا سفيان رجل يحب الفخر ، فاجعل له شيئا . قال : نعم ، من دخل دار أبي سفيان فهو آمن ، ومن أغلق عليه بابه فهو آمن ، ومن دخل المسجد فهو آمن ، فلما أراد أبو سفيان أن ينصرف قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا عباس ، احبسه احبسه بمضيق الوادي عند خطم الجبل حتى تمر به جنود الله فيراها ، فخرج به العباس فحبسه حيث أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومرت القبائل على راياتها ، كلما مرت قبيلة قال أبو سفيان : من هؤلاء يا عباس ؟ فيقول العباس : سليم ، فيقول أبو سفيان : ما لي ولسليم ، ثم مرت به القبيلة ، فقال : من هؤلاء ؟ فقال العباس : مزينة .
قال : ما لي ولمزينة ؟ حتى مرت القبائل ، لا تمر به قبيلة إلا سأله عنها ، فإذا أخبره قال : ما لي ولبني فلان ، حتى مر رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخضراء كتيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها المهاجرون والأنصار ، لا يرى منهم إلا الحدق من الحديد . قال : سبحان الله يا عباس ، من هؤلاء ؟ قال هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم في المهاجرين والأنصار . قال : ولا حد بها ، ولا قبل ، ولا طاقة يا أبا الفضل ، لقد أصبح ملك ابن أخيك الغداة عظيما ، فقال العباس : يا أبا سفيان ، إنه لنبوة .
قال : فنعم إذا . قال العباس : أرحلك إلى قومك ، فخرج أبو سفيان حتى إذا دخل مكة صرخ بأعلى صوته : يا معشر قريش ، هذا محمد قد جاءكم بما لا قبل لكم به ، فمن دخل دار أبي سفيان فهو آمن ، فقامت إليه هند بنت عتبة ، فأخذت بشاربه وقالت : اقتلوا الحميت الدسم الأحمش ، فقال أبو سفيان : لا يغرنكم هذه من أنفسكم ، فإنه قد جاءكم بما لا قبل لكم به ، من دخل دار أبي سفيان فهو آمن . قالوا : قبحك الله ، وما تغني دارك ؟ قال : ومن أغلق عليه بابه فهو آمن ، ومن دخل المسجد فهو آمن ، فتفرق الناس إلى دورهم وإلى المسجد .
ولما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم ذا طوى فرق جنوده فبعث عليا من ثنية المدنيين ، وبعث الزبير من الثنية التي تطلع على الحجون وبعث خالد بن الوليد من الليط ، وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم طريق أذاخر ، أمرهم أن لا يقاتلوا أحدا إلا من قاتلهم ، فبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن صفوان بن أمية ، وعكرمة بن أبي جهل ، وعبد الله بن زمعة ، وسهيل بن عمرو قد جمعوا جماعة من القريش ، والأحابيش بالخندمة ليقاتلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلقيهم خالد بن الوليد بمن معه من المسلمين ناوشوهم فقتل منهم خالد بن الوليد ثلاثة وعشرين رجلا وهو معهم ، وقتل من المشركين كرز بن جابر الفهري ، فمن هاهنا اختلف الناس في فتح مكة عنوة كان أم صلحا . فلما بلغ أبا قحافة قدوم النبي صلى الله عليه وسلم مكة قال لابنة له من أصغر ولده : أي بنيتي ، اظهري بي على ظهر قبيس ، وكان نظره قد كف إذ ذلك ، فقال : أي بنية ، ما ترين ؟ قالت : أرى سوادا مجتمعا . قال : تلك الخيل ، ثم قالت : والله قد انتشر السواد ، فقال : والله لقد دفعت الخيل سرعى إلى بيتي ، فانحبطت به ، وتلقته الخيل قبل أن يصل إلى بيته ، ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلم من أذاخر مكة على رأسه مغفر من حديد ، عليه عمامة سوداء ، ولم يلق أحد من المسلمين قتالا إلا ما كان من خالد بن الوليد ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بقتل ستة أنفس من المشركين قبل قدومهم إلى مكة ، وقال : أي موضع رأيتم هؤلاء فاقتلوهم : عبد الله بن سعد بن أبي سرح ، وعبد الله بن خطل رجل من بني تميم بن غالب ، والحويرث بن نقيذ بن وهب بن عبد بن قصي ، ومقيس بن صبابة الليثي ، وسارة مولاة كانت لبعض بني عبد المطلب ، فأما عبد الله بن سعد بن أبي سرح ففر إلى عثمان بن عفان وكان أخاه من الرضاعة ، فغيبه عثمان حتى أتى به رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستأمنه ، وأما الحويرث بن نقيذ فقتله علي بن أبي طالب ، وأما ابن خطل فتعلق بأستار الكعبة يلوذ بها ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : اقتلوه ، فقتله سعيد بن الحريث المخزومي ، وأبو برزة تحت الأستار ، اشتركا في دمه ، وأما مقيس فقتله نميلة بن عبد الله ، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا يقتل قرشي صبرا بعد اليوم ، ونزل النبي صلى الله عليه وسلم الأبطح ، وضرب لنفسه فيه قبة ، وجاءته أم هانئ بنت أبي طالب فوجدت رسول الله صلى الله عليه وسلم يغتسل في جفنة فيها أثر العجين ، وفاطمة ابنته تستر بثوب ، فلما اغتسل أخذ ثوبه فتوشح به ، ثم صلى ثماني ركعات من الضحى ، ثم انصرف إليها ، فقال : مرحبا وأهلا بأم هانئ ، ما جاء بك .
قالت : رجلان من أصهاري من بني مخزوم ، وقد أجرتهما ، وأراد علي قتلهما ، وكانت أم هانئ تحت هبيرة بن أبي وهب المخزومي ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أجرنا من أجرت يا أم هانئ ، ثم إن عمير بن وهب قال : يا رسول الله ، إن صفوان بن أمية سيد قومه ، وقد خرج هاربا منك ليقذف نفسه في البحر فآمنه . قال : هو آمن . قال : يا رسول الله ، أعطني شيئا يعرف به أمانك ، فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم عمامته التي دخل بها مكة ، فخرج عمير بها حتى أدرك صفوان بن أمية بجدة وهو يريد أن يركب البحر ، فقال : يا صفوان ، فداك أبي وأمي ، أذكرك الله في نفسك أن تهلكها ، فهذا أمان من رسول الله صلى الله عليه وسلم جئتك به .
قال : ويلك اغرب عني . قال : أي صفوان ، فداك أبي وأمي ، أوصل الناس ، وأبر الناس ، وأحلم الناس ، وخير الناس ابن عمتك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، عزه عزك ، وشرفه شرفك ، وملكه ملكك . قال صفوان : ويلك إني أخافه على نفسي ، فأعطاه العمامة ، وخرج به معه ، فلما وقف على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : يا رسول الله ، هذا زعم أنك قد آمنتني .
قال : صدق . قال : فاجعلني بالخيار شهرين . قال : أنت بالخيار أربعة أشهر .
ثم جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وطاف بالبيت سبعا على بعيره يستلم الركن بمحجنه ، ثم طاف بين الصفا والمروة ، ثم دعا عثمان بن طلحة الحجبي ، فأخذ مفتاح الكعبة ، وفتحه ثم دخله ، وصلى فيه ركعتين بين الأسطوانتين بينه وبين الجدار ثلاثة أذرع ، ثم خرج فوقف على بابها وهو يقول : لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، صدق وعده ، ونصر عبده ، وهزم الأحزاب وحده ، ألا كل مأثرة أو دم أو مال يدعى فهو تحت قدمي هاتين إلا سدانة البيت وسقاية الحاج ، ألا وقتيل الخطأ مثل العمد بالسوط والعصا ، فيه الدية مغلظة ، مائة ناقة ، منها أربعون في بطونها أولادها ، يا معشر قريش ، إن الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتعظمها بالآباء ، الناس من آدم ، وآدم من تراب ، ثم تلا هذه الآية : يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم . الآية ، ثم قال : يا أهل مكة ، ما ترون أني فاعل بكم ؟ قالوا : خيرا ، أخ كريم وابن أخ كريم ، ثم قال : اذهبوا فأنتم الطلقاء ، فقام إليه علي بن أبي طالب ومفتاح الكعبة في يده ، فقال : يا رسول الله ، اجعل الحجابة مع السقاية ، فلتكن إلينا جميعا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أين عثمان بن طلحة الحجبي ، فدعاه فقال : هل لك مفتاحك ؟ فدفعه إليه . فلما كان الغد من فتح مكة عدت خزاعة على رجل من هذيل فقتلوه وهو مشرك ، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم خطيبا ، فقال : أيها الناس ، إن الله حرم مكة يوم خلق السماوات والأرض ، فهي حرام إلى يوم القيامة ، لا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دما ، ثم قال : إن الله حبس عن مكة الفيل ، وسلك عليها رسوله ، وإنها لم تحل لأحد قبلي ، وإنما أحلت لي ساعة من نهار ، وإنها لا تحل لأحد بعدي ، لا ينفر صيدها ، ولا يختلى شوكها ، ولا يحل ساقطتها إلا لمنشد ، فقال العباس : إلا الإذخر ، فإنا نجعله في بيوتنا وقبورنا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إلا الإذخر ، وكانت أم حكيم بنت الحارث بن هشام تحت عكرمة بن أبي جهل ، وفاختة بنت الوليد تحت صفوان ابن أمية ، فلما أسلمتا قالت أم حكيم لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، وسألته أن يستأمن عكرمة فآمنه ، وقد كان خرج إلى اليمن فلحقته باليمن حتى جاءت به ، وأسلم عكرمة وصفوان ، فأقرهما رسول الله صلى الله عليه وسلم عندهما على النكاح الأول الذي كانا عليه .
ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم كل من كان في بيته صنم أن يكسره ، فكسروا الأصنام كلها ، وكسر خالد بن الوليد العزى ببطن نخلة ، وهدم بيته ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : تلك العزى لا تعبد أبدا ، وكسر عمرو بن العاص سواع ، ثم قال للسادن : كيف رأيت . قال : أسلمت لله ، وكسر سعد بن زيد الأشهلي المناة بالمشلل . ثم بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم حول مكة الناس يدعون إلى الله ، ولم يأمرهم بقتال ، وكان ممن بعث خالد بن الوليد ، وأمره أن يسير بأسفل تهامة داعيا ، ولم يبعثه مقاتلا ، ومعه سليم ومدلج ، وقبائل من غيرهم ، فلما نزلوا بغميصاء وهي من مياه بني جذيمة ، وكانت بنو جذيمة قد أصابوا في الجاهلية عوف بن عبد أبا عبد الرحمن بن عوف ، والفاكه بن المغيرة كانا أقبلا تاجرين من اليمن حتى إذا نزلا بهم قتلوهما ، وأخذوا أموالهما ، فلما كان الإسلام بلغ خالد بن الوليد إليهم ، ورآه القوم أخذوا السلاح ، فقال لهم خالد : ضعوا السلاح ؛ فإن القوم أسلموا ، فوضع القوم السلاح لقول خالد ، فلما وضعوها أمر بهم خالد فكتفوا ، ثم عرضهم على السيف ، فلما انتهى الخبر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم رفع يديه إلى السماء ، وقال : اللهم أبرأ إليك مما صنع خالد بن الوليد ، ثم دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب ، فقال : يا علي ، اخرج إلى هؤلاء القوم ، وانظر في أمرهم ، واجعل أمر الجاهلية تحت قدميك ، فخرج علي حتى جاءهم ومعه مال قد بعثه به رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم ودى لهم الدماء ، وما أصيب من الأموال حتى لم يبق لهم شيء من دم ولا مال إلا وداه ، وبقيت معه بقية ، فقال لهم علي : بقي لكم من دم أو مال لم يود إليكم ؟ قالوا : لا .
قال : فإني أعطيكم هذه البقية من المال احتياطا لرسول الله صلى الله عليه وسلم مما لا يعلم ولا تعلمون ففعل ، ثم رجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره . قال : أصبت ، ثم إن هوزان لما سمعت بجمع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ودخوله مكة اجتمعت مع ثقيف ، وجشم ، وسعد بن بكر ، وكان في بني جشم دريد بن الصمة ، وهو شيخ كبير ليس فيه إلا التيمن برأيه ، وبعلمه بالحرب ، وفي ثقيف قارب بن الأسود بن مسعود ، وفي بني بكر سبيع بن الحارث ، وكان جماع أمر الناس إلى مالك بن عوف ، فأجمع مالك بالناس على المسير إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فساروا حتى إذا أتوا بأوطاس ومعه الأموال ، والأبناء ، والنساء ، فقال دريد بن الصمة : بأي واد أنتم ؟ قالوا : بأوطاس . قال : نعم ، مجال الخيل لا حزن ولا سهل دهس ، ما لي أسمع رغاء الإبل ، ونهاق الحمير ، وبكاء الصغير ، ويعار الشاء ؟ قالوا : ساق مالك بن عوف بأوطاس مع الناس أموالهم ، ونساءهم ، وأبناءهم ، فقال : أين مالك ، فقيل : هذا مالك .
فقال دريد : يا مالك ، إنك أصبحت رئيس قومك ، وإن هذا يوم له ما بعده من الأيام ، ما لي أسمع رغاء البعير ، ونهاق الحمير ، وبكاء الصغير ؟ فقال مالك : سقت مع الناس أموالهم ، وأبناءهم ، ونساءهم . قال : ولم ؟ قال : أردت أن أجعل خلف كل رجل أهله وماله ليقاتل عنهم ، فأنقض به فقال : وهل يرد القوم شيء ؟ إنها إن كانت لك لم ينفعك إلا رجل بسيفه ورمحه ، وإن كانت عليك فضحت في أهلك ومالك ، ما فعلت كعب وكلاب ؟ قال مالك : لم يشهد منهم أحد . قال : غاب الحد والجد ، لو كان علاء ورفعة لم تغب عنه كعب ، ولا كلاب ، يا مالك لا تصنع بتقديم البيضة بيضة هوازن إلى نحور الخيل شيئا ، ارفعهم في متمنع بلادهم ، وعليا قومهم ، ثم الق الصباء على متون الخيل ، فإن كانت لك لحق بك من وراءك ، وإن كانت عليك ألفاك ذلك ، وقد احرزت مالك وأهلك .
قال : تلك والله لا أفعل لتطيعنني يا معشر هوازن أو لأتكئن على هذا السيف حتى يخرج من ظهري ، وكره أن يكون فيها لدريد ذكر ورأي . قالوا : أطعناك ، فقال مالك للقوم : إذا رأيتموهم فاكسروا جفون سيوفكم ، ثم شدوا عليهم شد رجل واحد . وجاء الخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فبعث عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي ، فدخل في الناس فأقام فيهم حتى سمع وعلم من كلام مالك ، وأمر هوازن ما كان وما أجمعوا له ، ثم أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره .