حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
الثقات

السير إلى هوازن

فأجمع على المسير إلى هوازن . وقيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم : إن عند صفوان بن أمية أدراعا , فأرسل إليه , فقال يا أبا أمية ، أعرنا سلاحك نلقى فيها عدونا , فقال صفوان : أغصبا ؟ قال : لا , بل عارية مضمونة حتى نؤديها إليك , قال : ليس بهذا بأس , فأعطاه مائة درع بما يصلحها من السلاح ، وسأله النبي صلى الله عليه وسلم أن يكفيه حملها , فحملها صفوان لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة معه ألفان من أهل مكة وعشرة آلاف من أصحاب الذين فتح الله بهم مكة ، واستعمل على مكة عتاب بن أسيد بن أبي العيص بن أمية أميرا ، وكان مقامه صلى الله عليه وسلم بمكة خمس عشرة ليلة يقصر فيها الصلاة ؛ فبينا الناس مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يسيرون إذ مروا بسدرة ، قال أبو قتادة الليثي : يا رسول الله ، اجعل هذه ذات أنواط كما للكفار ذات أنواط ، وكان للكفار سدرة يأتونها كل سنة ويعلقون عليها أسلحتهم ، ويعكفون عليها ويذبحون عندها ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : الله أكبر قلتم ، والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل : اجعل لنا إلها كما لهم آلهه لتركبن سنن من قبلكم . فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم وادي حنين ، وانحدر المسلمون في الوادي قرب الصبح وهو واد أجوف ، وقد كمن المشركون لهم في شعابه ومفارقه فأعدو للقتال .

فبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ينحدر والمسلمون بالوادي إذ اشتدت عليهم الكتائب من المشركين شد رجل واحد ، وانهزم السلمون راجعين , لا يعرج أحد ، وانحاز رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات اليمين ، ثم قال : أين أيها الناس ؟ هلموا ، أنا رسول الله ، أنا محمد بن عبد الله ، واحتملت الإبل بعضها بعضا ومع رسول الله صلى الله عليه وسلم رهط من المهاجرين والأنصار وأهل بيته ، فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس لا يعطفون على شيء قال : يا عباس ، اصرخ : يا معشر الأنصار ، يا أصحاب السمرة ، فنادى العباس ، وكان امرأ جسيما شديد الصوت : يا معشر الأنصار ، يا أصحاب السمرة ، فأجابوا : لبيك لبيك , وكان الرجل من المسلمين يذهب ليثني بعيره فلا يقدر على ذلك ، فيأخذ درعه فيقذفها في عنقه ، ثم يأخذ سيفه وترسه ، ثم يقتحم عن بعيره فيخلي سبيل بعيره ، ويؤم الصوت حتى ينتهي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم , حتى اجتمع على رسول الله صلى الله عليه وسلم مائة رجل ، واستقبلوا الناس وقاتلوا ، وكانت الدعوة أول ما كانت يا للأنصار ، ثم جعلت أخيرا ، فقالوا : يا للخزرج ، وكانوا صبرا عند الحرب , فأشرف رسول الله صلى الله عليه وسلم في ركابه ، ونظر إلى مجتلد القوم فقال : الآن حمي الوطيس ، وإذا رجل من هوازن على جمل أحمر في يده راية سوداء ، وفي رأسه رمح طويل أمام الناس ، وهوازن خلفه ، فإذا أدرك طعن برمحه ، وإذا فاته رفعه لمن وراءه ويتبعونه , فأهوى إليه علي بن أبي طالب ورجل من الأنصار يريدانه , فأتاه علي من خلفه فضرب عرقوبي الجمل ، فوقع على عجزه ، وثبت الأنصار على الرجل فضربوه ضربة أطن بها قدمه بنصف ساقه واختلف الناس ، وكان شعار المهاجرين يومئذ : يا بني عبد الرحمن ، وشعار الخزرج : يا بني عبد الله ، وشعار الأوس : يا بني عبيد الله . وكانت أم سليم بنت ملحان مع زوجها أبي طلحة ، فالتفت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي حازمة وسطها ، ومعها جمل أبي طلحة ، فقالت : بأبي أنت وأمي يا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، اقتل هؤلاء الذين ينهزمون عنك كما تقتل هؤلاء الذين يقاتلونك ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أويكفي الله يا أم سليم ، وإنها يومئذ لحبلى بعبد الله بن أبي طلحة ومعها خنجر , فقال لها أبو طلحة : ما هذا الخنجر معك يا أم سليم ؟ قالت : خنجر أخذته إن دنا مني أحد من المشركين بعجت بطنه , فقال أبو طلحة : يا رسول الله ، ألا تسمع ما تقوله أم سليم . ورأى أبو قتادة رجلين يقتتلان : مسلم ومشرك ، فإذا رجل من المشركين يريد أن يعين صاحبه , فأتاه أبو قتادة فضرب يده فقطعها فاعتنقه المشرك بيده الثانية وصدره ، فقال أبو قتادة : والله ما تركني حتى وجدت ريح الموت ، فلولا أن الدم تزفه يقتلني ، فسقط وضربته فقتلته , ثم انهزم المشركون ، وأخذ المسلمون يكتفون الأسارى ، فلما وضعت الحرب أوزارها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من قتل قتيلا فله سلبه .

فقال رجل من أهل مكة : يا رسول الله ، لقد قتلت قتيلا ذا سلب ، وأجهضني عنه القتال ، فلا أدري من سلبه ، فقال رجل من أهل مكة : يا رسول الله ، أنا سلبته فأرضه مني عن سلبه ؛ فقال أبو بكر الصديق : أيعمد إلى أسد من أسد الله يقاتل عن الله تقاسمه سلبه ، رد عليه سلبه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : صدق أبو بكر ، رد عليه سلبه ، فرد عليه . قال أبو قتادة : فبعته فاشتريت به مخرفا في المدينة ؛ لأنه أول مال تأثلته في الإسلام . وكان على راية الأحلاف من ثقيف يوم حنين قارب بن الأسود ، فلما رأى الهزيمة أسند رايته إلى شجرة وهرب .

وكان على رأية بني مالك ذو الخمار ، فلما قتل أخذها عثمان بن عبد الله ، وأقامها للمشركين , فقتل عثمان ، وانحاز المشركون منهزمين إلى الطائف ، وعسكر بعضهم بأوطاس . وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم الخيول في آثارهم ، فأدرك ربيعة بن رفيع دريد بن الصمة ، وهو في شجار على راحلته ، فأخذ بخطام جمله ، وهو يظن أنه امرأة ، فلما أناخه إذا شيخ كبير ، وإذا هو دريد ، ولا يعرفه الغلام ، فكان ربيعة غلاما ، قال دريد : ماذا تريد بي ؟ قال : أقتلك . قال : ومن أنت ؟ قال : أنا ربيعة بن رفيع السلمي ، وضربه ربيعة بسيف فلم يقدر شيئا ، فقال له دريد : بئس ما أسلحتك أمك ، خذ سيفي هذا من مؤخر رحلي في الشجار ، ثم اضرب ، وارفع عن العظام ، واخفض عن الدماغ ، فإني كذلك كنت أقتل الرجال ، ثم إذا أتيت أمك فأخبرها أنك قتلت دريد بن الصمة بسيفه .

ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسبايا والأموال فجمعت بالجعرانة ؛ وبعث في آثار من توجه قبل أوطاس أبا عامر الأشعري ، فأدرك الناس بعض من انهزم ، فساروا يرمون كل من لقوه ، ورمى أبا عامر بسهم فقتل ، وأخذ برايته بعده أبو موسى فقاتلهم ففتح له وهزمهم الله . ثم بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الطائف ، وفيها مالك بن عوف ، وقد عسكر جماعة من المشركين ، وعلى مقدمة خيل رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد , فرأى رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة مقتولة ، فقال : من قتل هذه ؟ قال : خالد بن الوليد , فقال لرجل : أدرك خالدا ، وقل له : يقول لك رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تقتلوا امرأة ، ولا ولدا ، ولا عسيفا . فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم الطائف نزل قريبا ، فلم يقدر المسلمون على أن يدخلوا حائطا فضرب معسكره رسول الله صلى الله عليه وسلم عند مسجده الذي بالطائف اليوم ، وحاصرهم بضع عشرة ليلة ، وأمر بقطع أعنابهم ، وقاد رجلا من هذيل من بني ليث ، وهو أول دم أقيد في الإسلام ، ثم نصب المنجيق على حصنهم حتى فتحه الله عليه ، وكان في أيامه يقصر الصلاة .

وقد كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مولى لخالته فاختة بنت عمرو بن عائذ ، يقال له : ماتع ، مخنث ، يدخل على نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فسمعه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو يقول لخالد بن الوليد : يا خالد ، إن فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم غدا ، فلا تفلتن منك بادية بنت غيلان ؛ فإنها تقبل بأربع ، وتدبر بثمان ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : هذا يفطن لما سمع به ، ثم قال لنسائه : لا يدخلن عليكن ، فحجب عن بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم من الطائف إلى الجعرانة ، فقال له سراقة بن جعشم المدلجي : يا رسول الله ، ترد الضالة حوضي ، فهل فيه أجر إن أنا سقيتها ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : في كل كبد حرى أجر ، ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن وطء الحبالى حتى يضعن ، وبينما النبي صلى الله عليه وسلم قاعد بالجعرانة ، ومعه ثوب وقد أظل به معه ناس من أصحابه إذ جاءه أعرابي ، عليه جبة متضمخ بطيب ، فقال : يا رسول الله ، كيف ترى برجل أحرم بعمرة في جبة بعد ما تضمخ بطيب ؟ وإذا النبي صلى الله عليه وسلم مخمر الوجه يغط ، فلما سري عنه قال : أين الذي سألني عن العمرة آنفا ؟ فأتي به ، فقال : أما الطيب فاغسله عنك ، وأما الجبة فانزعها ، ثم اصنع في عمرتك ما تصنع في حجتك ، وقسم رسول الله صلى الله عليه وسلم الغنائم بالجعرانة بين المسلمين فأصاب كل رجل أربعا من الإبل ، وأربعين شاة ، ومن كان فارسا أخذ سهمه وسهمي فرسه ، ثم أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم وبرة من سنام بعيره ، ثم قال : أيها الناس ، إني والله ما لي من فيئكم ، ولا هذه الوبرة إلا الخمس ، والخمس مردود عليكم ، فأدوا الخيط والمخيط ، فإن الغلول يكون على أهله نارا وشنارا يوم القيامة ، فجاءه رجل من الأنصار بكبة خيوط من شعر ، قال : يا رسول الله ، أخذت هذه الكبة أخيط بها بردعة بعير لي ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أما نصيبي منها فلك ، فقال : أما إذا بلغت هذه فلا حاجة لي فيها . ثم أسلم مالك بن عوف ، وقال : يا رسول الله ، ابعثني أضيق على ثقيف ، فاستعمله رسول الله صلى الله عليه وسلم على من أسلم من قومه من تلك القبائل ومن تبعه من بني سليم ، فكان يقاتل ثقيفا ، لا يخرج لهم سرح إلا أغار عليهم . ثم جاء وفد هوازن راغبين في الإسلام بعد أن قسم لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم السبي ، فأسلموا .

ثم أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم المؤلفة قلوبهم تألفا ، فأعطى حويطب بن عبد العزى مائة من الإبل ، وأعطى الأقرع بن حابس مائة من الإبل ، وأعطى صفوان بن أمية مائة من الإبل ، وأعطى حكيم بن حزام مائة من الإبل ، وأعطى مالك بن عوف مائة من الإبل ، وأعطى عباس بن مرداس السلمي شيئا دونهم ، فقال فيه أبياتا ، ولم يعط الأنصار منها شيئا ، فقال قائل الأنصار : ألا إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد لقي قومه ، فانطلق سعد بن عبادة فدخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقال : يا رسول الله ، الأنصار قد وجدوا في أنفسهم مما رأوك صنعت في هذه العطايا . قال : فأين أنت من ذلك يا سعد ؟ قال : ما أنا إلا رجل من قومي . قال : فاجمع لي قومك في هذه الحظيرة ، فخرج سعد فنادى في قومه : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمركم أن تجتمعوا في هذه الحظيرة ، فقاموا سراعا ، وقام سعد على باب الحظيرة فلم يدخلها إلا رجل من الأنصار وقد رد أناسا ، ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : هذه الأنصار قد اجتمعت لك ، فخرج إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقال : يا معشر الأنصار ، ما مقالة بلغتني عنكم ؟ أكثرتم فيها ! ألم تكونوا ضلالا فهداكم الله ؟ ألم تكونوا عالة فأغناكم الله ؟ ألم تكونوا أعداء فألف الله بينكم ؟ قالوا : بلى .

قال : أفلا تجيبوني ؟ قالوا : إليك المن والفضل . قال : أما والله لو شئتم لقلتم وصدقتم : جئتنا طريدا فآويناك ، ومخذولا فنصرناك ، وعائلا فآسيناك ، ومُكَذَّبًا فصدقناك ، أوجدتم في أنفسكم من لعاعة من الدنيا تألفت بها قوما أسلموا ، ووكلتكم إلى إيمانكم ، أما ترضون أن يذهب الناس بالشاة والبعير ، وتذهبون برسول الله إلى رحالكم ، فالذي نفس محمد بيده لو سلك الناس واديا ، وسلكت الأنصار شعبا لسلكت شعب الأنصار ، ولولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار ، إن الأنصار كرشي وعيبتي ، اللهم اغفر للأنصار ، وأبناء الأنصار ، ولأبناء أبنائهم ، فبكى القوم حتى أخضلوا لحاهم ، وقالوا : رضينا بالله وبرسوله حظا ، وقسما ، ونصيبا ، ثم تفرق الأنصار ، وفي هذه المقالة قال ذو الخويصرة : يا رسول الله ، اعدل ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : شقيت إن لم أعدل ، ثم علقت الأعراب برسول الله صلى الله عليه وسلم يسألونه حتى ألجأوه إلى شجرة عظيمة ، وخطفت رداءه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ردوا علي ردائي ، فوالذي نفس محمد بيده لو كانت عدد هذه العضاه نعما لقسمته بينكم ، ثم لا تجدوني كذوبا ، ولا جبانا ، ولا بخيلا . ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من الجعرانة معتمرا ، فاعتمر منها ، فبات بالجعرانة ، واستخلف على مكة عتاب بن أسيد أميرا ، وخلف معه معاذ بن جبل يفقه الناس ، ويعلمهم القرآن ، وكانت هذه العمرة في ذي القعدة .

ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من الجعرانة يريد المدينة فسلك في وادي سرف ، حتى خرج على سرف ، ثم على مر الظهران حتى قدم المدينة في بقية ذي القعدة . ثم تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم فاطمة بنت الضحاك بن سفيان الكلابية ، فاستعاذت من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم : قد عذت بعظيم ، الحقي بأهلك ، وفارقها ، وحج بالناس عتاب بن أسيد . وولد إبراهيم ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم من مارية القبطية في ذي الحجة ، فوقع في قلب النبي صلى الله عليه وسلم منه شيء ، فجاء جبريل عليه السلام ، فقال : السلام عليك يا إبراهيم ، فسري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وتنافست نساء الأنصار فيه ، أيتهن ترضعه ، فدفعه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أم بردة بنت المنذر بن زيد وزوجها ابن مبذول فكانت ترضعه ، وحلق رسول الله صلى الله عليه وسلم رأسه يوم السابع ، وتصدق بوزن شعره فضة على المساكين ، وعق عنه بكبشين ، وعاش ستة عشر أشهر .

موقع حَـدِيث