السنة التاسعة من الهجرة
السنة التاسعة من الهجرة أخبرنا محمد بن الحسن بن قتيبة اللخمي بعسقلان ، ثنا محمد بن المتوكل بن أبي السري ، ثنا عبد الرزاق ، أنا معمر ، عن الزهري ، عن عبيد الله بن عبد الله بن أبي ثور ، عن ابن عباس قال : لم أزل حريصا أن أسأل عمر بن الخطاب عن المرأتين من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم اللتين قال الله لهما : إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما ، فقال عمر : واعجبا لك يا ابن عباس ، ثم قال : هي عائشة وحفصة ، ثم أنشأ يسوق الحديث ، فقال : كنا معشر قريش قوما نغلب النساء ، فلما قدمنا المدينة وجدناهم قوما تغلبهم نساؤهم ، فطفق نساؤنا يتعلمن من نسائهم ، وكان منزلي في بني أمية بن زيد في العوالي . قال : فتغضبت يوما على امرأتي فإذا هي تراجعني ، فأنكرت أن تراجعني ، فقالت : ما تنكر أن أراجعك فوالله إن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ليراجعنه . وتهجره إحداهن اليوم إلى الليل ، فانطلقت فدخلت على حفصة ، فقلت : أتراجعين على رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قالت : نعم ، وتهجره إحدانا اليوم إلى الليل .
قال : قلت : قد خاب من فعل ذلك منكن وخسر ، أفتأمن إحداكن أن يغضب الله عيها لغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإذا هي قد هلكت فلا تراجعي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولا تسأليه شيئا ، وسليني ما بدا ذلك ، ولا يغرنك أن كانت جارتك أوسم وأحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم منك - يريد عائشة - قال : وكان لي جار من الأنصار ، وكنا نتناوب النزول إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فينزل يوما وأنزل يوما ، فيأتيني بخبر الوحي وغيره ، وآتيه بمثل ذلك ، وكنا نتحدث أن غسان تنعل الخيل لتغزونا . قال : فنزل صاحبي يوما ، ثم أتاني عشاء فضرب علي بابي ، ثم ناداني فخرجت إليه ، فقال : حدث أمر عظيم ؟ فقلت : وما ذا ؟ أجاءت غسان ؟ قال : لا ، بل أعظم من ذلك وأطول ، طلق رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه ، فقلت : خابت حفصة وخسرت ، قد كنت أظن هذا كائنا ، فلما صليت الصبح شددت علي ثيابي ، ثم نزلت فدخلت على حفصة فإذا هي تبكي فقلت : أطلقكن رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقالت : لا أدري ، هو ذا معتزل في هذه المشربة . قال : فأتيت غلاما له أسود ، فقلت : استأذن لعمر ، فدخل الغلام ثم خرج إلي ، وقال : قد ذكرتك له ، ولم يقل شيئا ، فانطلقت حتى أتيت المسجد فإذا قوم حول المنبر جلوس يبكي بعضهم إلى بعض .
قال : فجلست قليلا ، ثم غلبني ما أجد ، فأتيت الغلام ، فقلت : استأذن لعمر ، فدخل ثم خرج إلي ، وقال : قد ذكرتك له فصمت ، فرجعت ثم جلست إلى المنبر ، ثم غلبني ما أجد ، فأتيت الغلام فقلت : استأذن لعمر ، فدخل ثم خرج إلي ، فقال : قد ذكرتك له فسكت ، فوليت مدبرا فإذا الغلام يدعوني ويقول : ادخل قد أذن لك ، فدخلت فسلمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإذا هو متكئ على رمل حصير قد أثر بجنبه ، فقلت : أطلقت يا رسول الله - صلى الله - نساءك . قال : فرفع رأسه إلي ، وقال : لا ، فقلت : الله أكبر لو رأيتنا يا رسول الله ، وكنا معشر قريش نغلب النساء ، فلما قدمنا المدينة وجدنا قوما تغلبهم نساؤهم ، فطفق نساؤنا يتعلمن من نسائهم ، فتغضبت على امرأتي يوما ، فإذا هي تراجعني ، فأنكرت ذلك عليها ، فقالت لي : أتنكر أن أراجعك ، فوالله إن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ليراجعنه ، وتهجره إحداهن اليوم إلى الليلة . قال : فقلت : قد خاب من فعل ذلك منهن وخسر ، أتأمن إحداهن أن يغضب الله عليها لغضب رسوله ، فإذا هي قد هلكت .
قال : فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقلت : يا رسول الله ، فدخلت على حفصة ، فقلت لها : لا تراجعي رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا تسأليه شيئا ، وسليني ما بدا لك ، ولا يغرنك أن كانت جارتك أوسم وأحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم منك . قال : فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم أخرى ، فقلت : أستأنس يا رسول الله ، قال : نعم . قال : فجلست فرفعت رأسي في البيت ، فوالله ما رأيت فيه شيئا يرد البصر إلا أهبة ثلاثة ، فقلت : يا رسول الله ، ادع الله أن يوسع على أمتك ، فقد وسع الله على فارس والروم ، وهم لا يعبدونه .
قال : فاستوى جالسا ، ثم قال : أوفي شك أنت يا ابن الخطاب ؟ أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم في الحياة الدنيا ، فقلت : استغفر لي يا رسول الله ، وكان أقسم أن لا يدخلن عليهن شهرا من شدة موجدته عليهن حتى عاتبه الله . قال الزهري : فأخبرني عروة عن عائشة قالت : فلما مضى تسع وعشرون ليلة دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، بدأ بي ، فقلت : يا رسول الله ، إنك أقسمت أن لا تدخل علينا شهرا ، وإنك دخلت من تسع وعشرين أعدهن ، فقال : إن الشهر تسع وعشرون ، ثم قال : يا عائشة ، إني ذاكر لك أمرا ، فلا أراك أن تعجلي فيه حتى تستأمري أبويك . قالت ، ثم قرأ علي الآية : يا أيها النبي قل لازواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها .
إلى قوله : عظيما . قالت عائشة : قد علم والله أن أبوي لم يكونا يأمراني بفراقه ، فقلت : أفي هذا أستأمر أبوي ، فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة . قال في أول هذه السنة هجر رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه شهرا ، وكان السبب في ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذبح ذبحا ، فأمر عائشة أن تقسم بين أزواجه ، فأرسلت إلى زينب بنت جحش نصيبها فردته .
قال : زيديها فزادتها ثلاثا ، كل ذلك ترده ، فقالت عائشة : قد أقمأت وجهك ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أنتن أهون على الله من أن تغضبن ، لا أدخل عليكن شهرا ، فدخل عليهن بعد مضي تسع وعشرين يوما ، ثم بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم علقمة بن مجزز في صفر إلى الحبشة ، فانصرف ولم يلق كيدا وفي هذه السرية أمر علقمة أصحابه أن يوقدوا نارا عظيما ، ثم أمرهم أن يقتحموا فيها فتحرزوا وأبو ذلك ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : من أمركم بمعصية الله فلا تطيعوه ، ثم قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد بلي في ربيع الأول ، ونزل على رويفع بن ثابت البلوي ، وقدم وفد بني ثعلبة بن منقذ ، وفيها وفد سعد هذيم ، وقدم الداريون من لخم عشرة أنفس : هانئ بن حبيب ، والفاكه ابن النعمان ، وحبلة بن مالك ، وأبو هند بن بر ، وأخوه الطيب بن بر ، وتميم بن أوس ، ونعيم بن أوس ، ويزيد بن قيس ، وعروة بن مالك ، وأخوه مرة بن مالك ، وأهدوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم رواية خمر ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الله قد حرم الخمر فأمروا ببيعها ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الذي حرم شربها حرم بيعها ، وقدم وفد بني أسد فقالوا : يا رسول الله ، قدمنا عليك قبل أن ترسل إلينا رسولا ، فنزلت هذه الآية : يمنون عليك أن أسلموا ، وقدم عروة بن مسعود بن معتب الثقفي على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم ، ثم استأذن أن يرجع إلى قومه فيدعوهم إلى الإسلام ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : هم قاتلوك ؟ قال : أنا أحب إليهم من أبكار أولادهم ، فأذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج إلى قومه ، ودعاهم إلى الإسلام ، وأذن بالصبح على غرفة ، فرماه رجل من بني ثقيف بسهم فقتله ، وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم الضحاك بن سفيان الكلابي إلى القرطاء سرية ، فأصابهم بغدير الزج ، وقد كتب إليهم النبي صلى الله عليه وسلم كتابا فأبوا ورقعوا كتابهم بأسفل دلوهم ، وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب سرية إلى الفلس من بلاد طيئ في ربيع الآخر ، فأغار عليهم وسبى منهم نساء فيهن أخت عدي بن حاتم ، ثم نعى رسول الله صلى الله عليه وسلم النجاشي للناس في رجب وقال : صلوا على صاحبكم ، فقام فصلى هو وأصحابه ، وصفوا خلفه وكبر عليه أربعا