التهيؤ لغزو الروم
ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتهيؤ لغزوة الروم في شدة الحر وجدب من البلاد حين طاب الثمار ، وأحبت الظلال ، وكان رسول اله صلى الله عليه وسلم قلما يخرج في غزوة إلا ورى بغيرها غير غزوة تبوك هذه ، فإنه أمر التأهب لها لبعد الشقة ، وشدة الزمان ، وحض رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل الغنى على النفقة والحملان في سبيل الله ، ورغبهم في ذلك ، وحمل رجال من أهل الغنى ، واحتسبوا ، وأنفق عثمان بن عفان في ذلك نفقة عظيمة ، لم ينفق أحد أعظم من نفقته ، ثم إن رجالا من المسلمين أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهم البكاؤون ، وهم سبعة نفر فاستحملوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكانوا أهل حاجة ، فقال : لا أجد ما أحملكم عليه وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون ، وجاء المعذرون من الأعراب ليؤذن لهم ، فاعتذروا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعذرهم ، وهم بنو غفار ، وقد كان نفر من المسلمين أبطأ بهم النية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى تخلفوا عنه من غير شك ولا ارتياب ، منهم كعب بن مالك أخو بني سلمة ، ومرارة بن الربيع أخو بني عمرو بن عوف ، وهلال بن أمية أخو بني واقف ، وأبو خيثمة أخو بني سالم ، وكانوا نفر صدق ، ولا يتهمون في إسلامهم فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة وضرب معسكره على ثنية الوداع ، وضرب عبد الله بن أبي ابن سلول معسكره أسفل منه ، وخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب على أهله ، وأمره بالإقامة فيهم ، واستخلف على المدينة سباع بن عرفطة أخا بني غفار ، فقال المنافقون : والله ما خلفه علينا إلا استثقالا له ، فلما سمع ذلك علي أخذ سلاحه ، ثم خرج حتى لحق رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو نازل بالجرف ، وقال : يا نبي الله ، زعم المنافقون أنك إنما خلفتني استثقالا ، فقال : كذبوا ، ولكني خلفتك لما تركت ورائي ، فارجع فاخلفني في أهلي وأهلك ، ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى ، إلا أنه لا نبي بعدي ، فرجع علي إلى المدينة ، ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وتخلف عنه عبد الله بن أبي فيمن تخلف من المنافقين ، فلما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحجر استقى الناس من بئرها ، فلما راحو منها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تشربوا من مائها شيئا ، ولا تتوضأوا منه للصلاة ، وما كان من عجين عجنتموه فاعلفوه الإبل ، ولا تأكلوا منه شيئا ، ثم دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأرسل الله السحاب فأمطر حتى ارتوى الناس ، وتوضأوا ، ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نزل في بعض المنازل فضلت ناقته فخرج أصحابه في طلبها ، فقال بعض المنافقين : أليس محمد يزعم أنه نبي ، ويخبركم بخبر السماء ، وهو لا يدري أين ناقته ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : والله ما أعلم إلا ما علمني الله ، وقد علمني أنها في الوادي بين شعب كذا وكذا ، قد حبستها شجرة بزمامها . قال : فانطلقوا حتى تأتوا بها ، فذهبوا فجاؤوا بها ، ثم سار رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فجعل يتخلف عنه الرجل ، فيقولون : والله يا رسول الله تخلف فلان ، فيقول : دعوه فإن يكن فيه خير فسيلحقه الله بكم حتى قيل له : يا رسول الله تخلف أبو ذر ، وأبطأ به بعيره فقال : دعوه فإن يك فيه خير فسيلحقه الله بكم ، فلما أبطأ على أبي ذر بعيره أخذ متاعه على ظهره ، وترك بعيره ، ثم خرج يتبع أثر رسول الله صلى الله عليه وسلم ماشيا ، ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض منازله فنظر ناظر من المسلمين ، فقال : يا رسول الله ، رجل على الطريق يمشي وحده ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : كن أبا ذر ، فلما تأمله القوم قالوا : يا رسول الله ، هذا والله أبو ذر ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : رحم الله أبا ذر ، يعيش وحده ، ويموت وحده ، ويبعث وحده ، فانتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تبوك ، فلما أتاها أتاه يحنة بن رؤبة صاحب أيلة ، وصالح على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأعطاه الجزية ، وأتاه أهل جرباء وأذرح فأعطوا الجزية ، وكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم لكل كتابا ، وهو عندهم فكتب ليحنة بن رؤبة : ﴿بسم الله الرحمن الرحيم ﴾، هذه أمنة من الله ومن محمد النبي صلى الله عليه وسلم ليحنة بن رؤبة ، وأهل بلده وسيارته في البر والبحر ، فهم في ذمة الله ، وذمة محمد النبي صلى الله عليه وسلم ، ومن كان معهم من أهل الشام وأهل اليمن وأهل البحر ، فمن أحدث منهم حدثا ، فإنه لا يحول ماله دون نفسه ، وإنه طيب للناس ممن أخذه ، وإنه لا يحل أن يمنعوا ماء يردونه ولا طريقا يريدونه من بر وبحر ، وكتب جهيم بن الصلت بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم . وكتب لأهل جرباء وأذرح : ﴿بسم الله الرحمن الرحيم ﴾، هذا كتاب من محمد النبي صلى الله عليه وسلم لأهل أذرح أنهم آمنون بأمان الله ، وأمان محمد ، وأن عليهم مائة دينار في كل رجب وافية طيبة ، والله كفيل عليهم بالنصح والإحسان ، ومن لجأ إليهم من المسلمين ، وقد كان أبو خيثمة أحد بني سالم رجع بعد أن خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة إلى أهله في يوم حار ، فوجد امرأتين له في عريشين لهما في حائط قد رشت كل واحدة منهما عريشها ، وبردت له فيه ماء وهيأت له فيه طعاما ، فلما دخل أبو خيثمة قام على باب العريشين ونظر إلى امرأتيه وما صنعتا له ، فقال : رسول الله صلى الله عليه وسلم في الريح والحر ، وأبو خيثمة في ظلال باردة ، وطعام مهيأ ، وامرأة حسناء ، في ماله مقيم ؟ ما هذا بالنصف ، ثم قال : والله لا أدخل عريش واحدة منكما حتى ألحق برسول الله صلى الله عليه وسلم ، فهيأتا له زادا ، ثم قدم ناضحه فارتحله ، ثم خرج في طلب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فبينا أبو خيثمة يسير إذ لحقه عمير بن وهب الجمحي في الطريق يطلب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فترافقا حتى إذا دنوا من تبوك قال أبو خيثمة لعمير بن وهب : إن لي ذنبا ، فلا عليك أن تخلف عني حتى آتي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ففعل عمير ، ثم سار أبو خيثمة حتى إذا دنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو نازل بتبوك قال الناس : هذا راكب على الطريق مقبل ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : كن أبا خيثمة ، فقالوا : يا رسول الله ، هو والله أبو خيثمة ، فلما أناخ أقبل وسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم أخبره الخبر ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : خيرا ، ودعا له بخير ، ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا خالد بن الوليد ، وبعثه إلى أكيدر دومة ، وهو أكيدر بن عبد الملك رجل من كندة ، وكان ملكا عليهم ، وكان نصرانيا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لخالد : إنك ستجده يصيد بقر الوحش فخرج خالد بن الوليد حتى إذا كان من حصنه بمنظر العين في ليلة مقمرة صائفة ، وهو على سطح له ، ومعه امرأته ، فباتت البقر تحك قرونها بباب القصر ، فقالت له امرأته : هل رأيت مثل هذا قط ؟ قال : لا والله ، قالت : فمن يترك هذا ؟ قال : لا أحد ، فنزل أكيدر دومة ، وأمر بفرسه فأسرج ، وركب في نفر من أهل بيته ومعه أخوه حسان ، فلما خرجوا بمطاردهم تلقتهم خيل رسول الله صلى الله عليه وسلم معهم خالد بن الوليد ، فقتلوا أخاه حسانا ، وقد كان عليه قباء من ديباج مخوص بالذهب فاستلبه خالد ، وبعث به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما قدم به على رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل المسلمون يلمسونه بأيديهم ، ويعجبون منه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أتعجبون من هذا ، والذي نفس محمد بيده لمناديل سعد بن معاذ في الجنة أحسن من هذا ، ثم إن خالدا قدم بأكيدر على رسول الله صلى الله عليه وسلم فحقن له دمه ، وصالحه على الجزية ، ثم خلى سبيله ، ورجع إلى قريته ، وافتقد رسول الله صلى الله عليه وسلم كعب بن مالك ، فقال : ما فعل كعب بن مالك ؟ فقال رجل من بني سلمة : يا رسول الله ، حبسه برداه والنظر في عطفيه ، فقال له معاذ بن جبل : بئس والله ما قلت ، والله يا رسول الله ما علمنا منه إلا خيرا ، فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بتبوك بضع عشرة ليلة يقصر الصلاة ولم يجاوزها ، ثم انصرف قافلا إلى المدينة ، وكان في الطريق ماء يخرج من وشل ما يروي الراكب ، والراكبين ، والثلاثة بواد - يقال له : المشقق - فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من سبقنا إلى ذلك الماء فلا يستقين منه شيئا حتى آتيه ، فلما أتاه رسول الله صلى الله عليه وسلم وضع يده فيها ، فجعل ينصب في يده ما شاء الله أن ينصب ، ثم مجه فيه ، ودعا الله بما شاء أن يدعو ، فانخرق من الماء فشرب الناس ، واستقوا حاجتهم منه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لئن بقيتم أو بقي منكم لتسمعن بهذا الوادي ، وهو أخصب ما بين يديه ، وما خلفه وذاك الماء فوارة تبوك اليوم ، ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نزل بعض المنازل ، ومات عبد الله ذو البجادين ، فحفروا له ، ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم في حفرته ، وأبو بكر ، وعمر يدليانه إليه ، وهو يقول : أدليا لي أخاكما ، فأدلوه إليه ، فلما هيأه لشقه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : اللهم إني قد أمسيت عنه راضيا فارض عنه ، فقال عبد الله بن مسعود : يا ليتني كنت صاحب الحفرة ، وكان المسلمون يقولون : لا جهاد بعد اليوم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا ينقطع الجهاد حتى ينزل عيسى ابن مريم عليه السلام ، وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم من تبوك إلى المدينة مساجد في منازله معروفة إلى اليوم ، فأولها مسجد تبوك ومسجد بثنية مدران ، ومسجد بذات الزراب ، ومسجد بالأخضر ، ومسجد بذات الخطمي ، ومسجد بذات البتراء ، ومسجد بالشق ، ومسجد بذي الجيفة ومسجد بالصدر ، ومسجد وادي القرى ، ومسجد الرقعة ، ومسجد بذي مروة ، ومسجد بالفيفاء ، ومسجد بذي خشب ، ثم قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ، وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فركع فيه ركعتين ، ثم جلس للناس ، فلما فعل ذلك جاء المخلفون فيهم كعب بن مالك ، ومرارة بن الربيع ، وهلال بن أمية وغيرهم ، فجعلوا يعتذرون إليه ويحلفون له ، وكانوا بضعة وثمانين رجلا ، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل منهم على نيتهم ، ويكل سرائرهم إلى الله حتى جاء كعب بن مالك فسلم عليه فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم تبسم المغضب ، ثم قال له : تعال فجاء كعب بن مالك يمشي حتى جلس بين يديه ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : ما خلفك ؟ ألم تكن ابتعت ظهرك ؟ قال : بلى يا رسول الله ، والله لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أني سأخرج من سخطه بعذر ، ولقد أعطيت جدك ، وإن لي لسانا ، ولكن والله لقد علمت لئن حدثتك اليوم حديثا كاذبا لترضين به عني ، وليوشكن الله أن يسخطك علي ، ولئن حدثتك حديثا صادقا تجد علي فيه ، وإني لأرجو عقبى الله فيه ، لا والله ما كان لي عذر ، ووالله ما كنت قط أقوى وأيسر مني حين تخلفت عنك ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أما هذا فقد صدقت ، قم حتى يقضي الله فيك ، فقام وثار معه رجال من بني سلمة ، واتبعوه وقالوا : ما علمناك كنت أذنبت ذنبا قبل هذا ، ولقد عجزت أن لا تكون اعتذرت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كما اعتذر إليه المخلفون ، وقد كان كافيك ذنبك استغفار رسول الله صلى الله عليه وسلم لك ، وجعلوا ينوبونه حتى أراد أن يرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ويكذب نفسه ، ثم قال لهم : هل لقي هذا أحد غيري ؟ قالوا : نعم ، رجلان قالا مثل ما قلت ، وقال لهما : مثل ما قال لك .
قال : ومن هما ؟ قالوا : مرارة بن الربيع ، وهلال بن أمية الواقفي ، ثم نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كلام هؤلاء الثلاثة ، فأما مرارة وهلال فقعدا في بيوتهما ، وأما كعب بن مالك فكان أشب القوم وأجلدهم ، وكان يخرج ويشهد الصلاة مع المسلمين ، ويطوف في الأسواق ، ولا يكلمه أحد ، ويأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم ويسلم عليه ، وهو في مجلسه بعد الصلاة ، ويقول في نفسه : هل حرك شفتيه برد السلام علي أم لا ؟ ثم يصلي قريبا منه ، ويسارقه النظر فإذا أقبل كعب على صلاته نظر إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وإذا التفت نحوه أعرض عنه حتى طال ذلك عليه من جفوة المسلمين ، ثم مر كعب حتى تسور جدار أبي قتادة وهو ابن عمه وأحب الناس إليه ، فسلم عليه فلم يرد عليه السلام ، فقال له : يا أبا قتادة ، أنشدك الله ، هل تعلم أني أحب الله ورسوله ؟ فسكت فعاد ينشده ، فسكت فعاد ينشده ، فقال الله ورسوله أعلم ، ففاضت عينا كعب ، ووثب فتسور الجدار ، ثم غدا إلى السوق فبينا هو يمشي ، وإذا نبطي من نبط الشام يسأل عنه ممن قدم بالطعام يبيعه بالمدينة ، وهو يقول : من يدل على كعب بن مالك ، فجعل الناس يشيرون إليه حتى جاء كعبا ، فدفع إليه كتابا من ملك غسان في سرقة حرير فيه : أما بعد ، فإنه بلغنا أن صاحبك قد جفاك ، ولم يجعلك الله بدار هوان ، ولا مضيعة ، فالحق بنا نواسك ، فلما قرأ كعب الكتاب قال : وهذا من البلاء أيضا قد بلغ بي ما وقعت فيه أن طمع في رجل من أهل الشرك ، ثم عمد بالكتاب إلى تنور فسجره به ، ثم أقام على ذلك حتى إذا مضى أربعون ليلة أتاه رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرك أن تعتزل امرأتك ، فقال كعب : أطلقها أم ماذا ؟ قال : بل اعتزلها ولا تقربها ، وأرسل إلى مرارة وهلال بمثل ذلك ، فقال كعب لامرأته الحقي بأهلك فكوني عندهم حتى يقضي الله في هذا الأمر ما هو قاض ، وجاءت امرأة هلال بن أمية ، فقالت : يا رسول الله ، إن هلال بن أمية شيخ كبير ضائع لا خادم له ، أفتكره أن أخدمه قال : لا ، ولكن لا يقربنك . قالت : والله يا رسول الله ما به من حركة إلي ، والله ما زال يبكي منذ كان من أمره ما كان إلى يومه هذا ، والله لقد تخوفت على بصره فلبثوا بعد ذلك عشر ليال حتى كمل خمسون ليلة من حين نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين عن كلامهم ، فصلى كعب بن مالك الصبح على ظهر بيت من بيوته على الحال التي ذكر الله منه ، ضاقت عليه الأرض برحبها ، وضاقت عليه نفسه ، إذ سمع صوت صارخ أوفى على سلع يقول بأعلى صوته : يا كعب بن مالك ، أبشر ، فخر كعب لله ساجدا ، وعرف أنه قد جاء الفرج ، وأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس بتوبة الله عليهم حين صلى الصبح ، ثم جاء كعبا الصارخ بالبشرى ، فنزع ثوبيه فكساهما إياه ببشارته ، واستعار ثوبين فلبسهما ، ثم انطلق يؤم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وتلقاه الناس يتهنأونه بالتوبة ويقولون : ليهنك توبة الله عليك حتى دخل المسجد ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس حوله الناس ، فقام إليه طلحة بن عبيد الله فحياه وهنأه ، فلما سلم كعب على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم ووجهه يبرق بالسرور : أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك ، فقال كعب : أمن عندك يا رسول الله أم من عند الله ؟ قال : بل من عند الله ، ثم جلس بين يديه فقال : يا رسول الله ، إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله ورسوله ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك ، فقال : إني ممسك سهمي الذي بخيبر ، ثم قال : يا رسول الله ، إن الله قد نجاني بالصدق ، فإن توبتي إلى الله أن لا أحدث إلا صدقا ما بقيت ، فتلا عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ ، إلى قوله : إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ، ثم لاعن رسول الله صلى الله عليه وسلم بين عويمر بن الحارث بن عجلان ، وهو الذي يقال له : عاصم ، وبين امرأته بعد العصر في مسجد في شعبان ، وذلك أنه أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : يا رسول الله ، لو أن أحدنا رأى امرأته على فاحشة ، كيف يصنع ؟ إن تكلم تكلم بأمر عظيم ، وإن سكت سكت على مثل ذلك ؟ فلم يجبه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما كان بعد ذلك أتى النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : يا رسول ، إن الذي سألتك عنه قد ابتليت به ، فأنزل الله هذه الآيات : وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ ، حتى ختم الآيات ، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عاصما فتلا عليه ، ووعظه ، وذكره ، وأخبره أن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة ، فقال عاصم : لا ، والذي بعثك ما كذبت عليها ، ثم دعا بامرأته فوعظها وذكرها أن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة ، قالت : لا ، والذي بعثك بالحق ، فبدأ بعاصم فشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين ، والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين ، وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فوضع يده على فيه عند الخامسة ، وقال : احذر فإنها موجبة ، ثم ثنى بامرأته فشهدت أربع شهادات بالله : إنه لمن الكاذبين ، ﴿والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين ﴾، ثم فرق بينهما ، وألحق الولد بالأم ، وماتت أم كلثوم بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في شعبان ، وغسلتها صفية بنت عبد المطلب ، ونزل في حفرتها علي ، والفضل ، وأسامة وورد على رسول الله صلى الله عليه وسلم كتاب ملوك حمير في رمضان مقرين بالإسلام ، فكتب إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم كتاب جوابهم وبعثه مع عمرو بن حزم : ﴿بسم الله الرحمن الرحيم ﴾من محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى شرحبيل بن عبد كلال ، والحارث بن عبد كلال ، قيل : ذي رعين ، ومعافر ، وهمدان ، أما بعد فقد رفع رسولكم ، وأعطيتم من المغانم خمس الله ، وما كتب الله على المؤمنين من العشر في العقار ، وما سقت السماء ، إذا كان سيحا أو بعلا ففيه العشر ، إذا بلغ خمسة أوسق ، وما سقي بالرشاء والدالية ففيه نصف العشر ، إذا بلغ خمسة أوسق ، وفي كل خمس من الإبل سائمة شاة إلى أن تبلغ أربعا وعشرين ، فإذا زادت واحدة على أربع وعشرين ، ففيها ابنة مخاض ، فإن لم توجد بنت مخاض فابن لبون ذكر إلى أن تبلغ خمسا وثلاثين ، فإن زادت واحدة على خمس وثلاثين ففيها ابنة لبون إلى أن تبلغ خمسا وأربعين ، فإن زادت واحدة على خمس وأربعين ففيها حقه طروقة الجمل إلى أن تبلغ ستين ، فإن زادت على الستين واحدة ففيها جذعة إلى أن تبلغ خمسا وسبعين ، فإن زادت واحدة على خمس وسبعين ففيها ابنتا لبون إلى أن تبلغ تسعين ، فإن زادت واحدة على التسعين ففيها حقتان طروقتا الجمل إلى أن تبلغ عشرين ومائة ، فما زاد على عشرين ومائة ففي كل أربعين بنت لبون ، وفي كل خمسين حقة طروقة الجمل ، وفي كل ثلاثين باقورة تبيع جذع أو جذعة ، وفي كل أربعين باقورة بقرة ، وفي كل أربعين شاة سائمة شاة إلى أن تبلغ عشرين ومائة ، فإذا زادت على عشرين ومائة واحدة ففيها شاتان إلى أن تبلغ مائتين ، فإن زادت واحدة فثلاث إلى أن تبلغ ثلاثمائة فإن زادت ففي كل مائة شاة شاة ، ولا تؤخذ في الصدقة بهرمة ولا عجفاء ، ولا ذات عوار ، ولا تيس الغنم ، ولا يجمع بين متفرق ، ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة ، وما أخذ من الخليطين فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية ، وفي كل خمس أواق من الورق خمسة دراهم ، وما زاد ففي كل أربعين درهما درهم ، وليس فيما دون خمس أواق شيء ، وفي كل أربعين دينارا دينار ، وإن الصدقة لا تحل لمحمد ، ولا لأهل بيته ، إنما هي الزكاة يزكي بها أنفسهم في فقراء المؤمنين ، وفي سبيل الله ، وليس في رقيق ولا مزرعة ، ولا عمالها شيء ، إذا كانت تؤدي صدقتها من العشر ، وليس في عبد المسلم ولا فرسه شيء ، وإن أكبر الكبائر عند الله يوم القيامة الإشراك بالله ، وقتل النفس المؤمنة بغير حق ، والفرار في سبيل الله يوم الزحف ، وعقوق الوالدين ، ورمي المحصنة ، وتعلم السحر ، وأكل الربا ، وأكل مال اليتيم ، وإن العمرة هي الحج الأصغر ، ولا يمس القرآن إلا طاهر ، ولا طلاق قبل إملاك ، ولا عتاق حتى يبتاع ، ولا يصلين أحد منكم في ثوب واحد ليس على منكبية شيء ، ولا يحتبين في ثوب واحد ليس بين فرجه وبين السماء شيء ، ولا يصلين أحدكم في ثوب واحد وشقه باد ، ولا يصلين أحد منكم عاقصا شعره ، وإن من اعتبط مؤمنا قتلا عن بينة فهو قود ، إلا أن يرضى أولياء المقتول ، وإن في النفس الدية مائة من الإبل ، وفي الأنف ، إذا أوعب جدعه الدية ، وفي اللسان الدية ، وفي الشفتين الدية ، وفي البيضتين الدية ، وفي الذكر الدية ، وفي المأمومة ثلث الدية ، وفي الجائفة ثلث الدية وفي الرجل الواحدة نصف الدية ، وفي الصلب الدية ، وفي العينين الدية ، وفي المنقلة خمس عشرة من الإبل ، وفي السن خمس من الإبل ، وفي الموضحة خمس من الإبل ، وإن الرجل يقتل بالمرأة ، وعلى أهل الذهب ألف دينار ، فقرئ الكتاب على أهل اليمن ، ثم بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم معاذ بن جبل إلى اليمن ، وذكر أنه صلى الله عليه وسلم صلى الغداة ، ثم أقبل على الناس بوجهه ، فقال : يا معشر المهاجرين والأنصار ، أيكم ينتدب إلى اليمن ؟ فقام عمر بن الخطاب فقال : أنا يا رسول الله ، فسكت عنه ، ثم قال : يا معشر المهاجرين والأنصار ، أيكم ينتدب إلى اليمن ؟ فقام معاذ بن جبل فقال : أنا يا رسول الله ، فقال : يا معاذ أنت لها ، يا بلال ائتني بعمامتي ، فأتاه بعمامته فعمم بها رأسه ، ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم والمهاجرون والأنصار يشيعون معاذا وهو راكب ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يمشي إلى جانب راحلته ، ثم قال : يا معاذ ، أوصيك بتقوى الله ، وصدق الحديث ، وأداء الأمانة ، وترك الخيانة ، والأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر ، وخفض الجناح ، وحفظ الجار ، ولين الكلام ، ورد السلام ، والتفقه في القرآن ، والجزع من الحساب ، وحب الآخرة على الدنيا يا معاذ ، لا تفسد أرضا ، ولا تشتم مسلما ، ولا تصدق كاذبا ، ولا تكذب صادقا ، ولا تعص إماما ، وإنك تقدم على قوم من أهل الكتاب ، فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة الله ، فإذا عرفوا الله فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوت في يومهم وليلتهم ، فإذا فعلوا ذلك فأخبرهم أن الله تعالى قد فرض عليهم زكاة تؤخذ من أموالهم فترد على فقرائهم ، فإذا أطاعوا بها فخذ منهم وتوق كرائم أموال الناس ، يا معاذ ، إني أحب لك ما أحب لنفسي ، وأكره لك ما أكره لها ، يا معاذ ، إذا أحدثت ذنبا فأحدث له توبة السر بالسر ، والعلانية بالعلانية ، يا معاذ يسر ولا تعسر ، واذكر الله عند كل حجر ومدر ، يشهد لك يوم القيامة ، يا معاذ عد المريض ، وأسرع في حوائج الأرامل والضعفاء ، وجالس المساكين والفقراء ، وأنصف الناس من نفسك ، وقل الحق حيث كان ، ولا يأخذك في الله لومة لائم ، والقني على الحال التي فارقتني عليها ، فقال معاذ : بأبي وأمي أنت يا رسول الله ، لقد حملتني أمرا عظيما فادع الله لي على ما قلدتني عليه ، فدعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ودعه ، وانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وأصحابه ، ثم أردفه بأبي موسى الأشعري ، فلما قدم صنعاء صعد منبرها فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قرأ عليهم عهده ، ثم نزل فأتاه صناديد صنعاء ، فقالوا : يا معاذ ، هذا نزل قد هيأناه لك ، وهذا منزل فرغناه لك ، قال : بهذا أوصاني حبيبي أوصاني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا تأخذك في الله لومة لائم ، وخلع رسول الله صلى الله عليه وسلم معاذ بن جبل من ماله لغرمائه حيث اشتدوا عليه ، وبعثه إلى اليمن وقال : لعل الله يجبرك ، وقدم وفد كلاب على رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة عشر نفرا ، فيهم لبيد بن ربيعة ، ثم بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية مع جماعة من العرب ليس فيهم من المهاجرين أحد ، ولا من الأنصار إلى بني تميم فأغار عليهم ، وسبى منهم النساء والولدان ، وأخذ منهم عشرين رجلا فقدم بهم المدينة فوضع رسول الله صلى الله عليه وسلم لحسان منبرا فقام عليه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الله يؤيد حسانا بروح القدس ، فقال القوم : شاعرهم أشعر من شاعرنا ، وخطيبهم أخطب من خطيبنا ، وقدم وفد الطائف ، ونزلوا دار المغيرة بن شعبة ، وطلبوا الصلح فأمر النبي صلى الله عليه وسلم خالد بن سعيد بن العاص أن يكتب لهم كتاب الصلح ، ومرض عبد الله بن أبي ابن سلول في ليال بقين من شوال ، ومات في ذي القعدة ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يعوده ، فلما مات جاء ابنه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : يا رسول الله ، أعطني قميصك أكفنه فيه ، فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم قميصه ، وأتى قبره فصلى عليه فنزلت الآية : وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ ، وقدم وفد بني فزارة ، وهم بضعة عشر رجلا ، فيهم خارجة بن حصن وقدم وفد بني عذرة ثلاثة عشر رجلا ، ونزلوا على المقداد بن عمرو ، وفرض الله تعالى الحج على من استطاع إليه سبيلا ، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر يحج بالناس من المدينة في ثلاثمائة نفس ، وبعث معه عشرين بدنة مفتولة قلائدها ، ففتلها عائشة بيدها ، وقلدها ، وأشعرها ، وساق أبو بكر لنفسه خمس بدنات ، وحج معه عبد الرحمن بن عوف ، فلما بلغ العرج وثوب بالصبح سمع أبو بكر خلفه رغوة وأراد أن يكبر الصلاة فوقف عن التكبير ، وقال : هذه رغوة ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم الجدعاء ، لقد بدا لرسول الله صلى الله عليه وسلم في الحج ، فلعله أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فنصلي معه ، فإذا علي عليها ، فقال أبو بكر : أمير أم رسول ؟ فقال : لا بل رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسلني ببراءة أقرأها على الناس في مواقف الحج ، فقدموا مكة فقرأ على الناس سورة براءة حتى ختمها ، فلما كان يوم عرفة قام أبو بكر فخطب الناس ، وعرفهم مناسكهم حتى إذا فرغ قام علي فقرأها على الناس حتى ختمها ، فلما كان يوم النحر خطب أبو بكر الناس ، وحدثهم عن إفاضتهم ونحرهم ، ومناسكهم ، فلما فرغ قام علي فقرأ على الناس براءة حتى ختمها لينبذ إلى كل ذي حق حقه ، وذي عهد عهده ، وأن لا يحج بعد هذا العام مشرك ، ولا يطوف بالبيت عريان ، فلما كان يوم النفر الأول قام أبو بكر ، وخطب الناس ، وحدثهم كيف ينفرون ، وكيف يرمون فعلمهم مناسكهم ، فلما فرغ قام علي فقرأ على الناس براءة حتى ختمها ، ثم رجعوا إلى المدينة