حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
تاريخ الإسلام

رؤيا عاتكة

رؤيا عاتكة قال يونس بن بكير ، عن ابن إسحاق ، حدثني حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس ، عن عكرمة ، عن ابن عباس . ( ح ) قال ابن إسحاق : وحدثني يزيد بن رومان ، عن عروة قالا :رأت عاتكة بنت عبد المطلب فيما يرى النائم قبل مقدم ضمضم بن عمرو الغفاري على قريش مكة بثلاث ليال ، رؤيا ، فأصبحت عاتكة فأعظمتها ، فبعثت إلى أخيها العباس فقالت له : يا أخي لقد رأيت الليلة رؤيا ليدخلن منها على قومك شر وبلاء . فقال : وما هي ؟ قالت : رأيت فيما يرى النائم أن رجلا أقبل على بعير له فوقف بالأبطح فقال : انفروا يا آل غدر لمصارعكم في ثلاث ، فاجتمعوا إليه ، ثم أرى بعيره دخل به المسجد واجتمع الناس إليه .

ثم مثل به بعيره فإذا هو على رأس الكعبة ، فقال : انفروا يا آل غدر لمصارعكم في ثلاث . ثم أرى بعيره مثل به على رأس أبي قبيس ، فقال : انفروا يا آل غدر لمصارعكم في ثلاث . ثم أخذ صخرة فأرسلها من رأس الجبل فأقبلت تهوي ، حتى إذا كانت في أسفله ارفضت فما بقيت دار من دور قومك ولا بيت إلا دخل فيه بعضها .

فقال العباس : والله إن هذه لرؤيا ، فاكتميها . فقالت : وأنت فاكتمها ، لئن بلغت هذه قريشا ليؤذننا . فخرج العباس من عندها ، فلقي الوليد بن عتبة - وكان له صديقا - فذكرها له واستكتمه .

فذكرها الوليد لأبيه ، فتحدث بها ، ففشا الحديث . فقال العباس : والله إني لغاد إلى الكعبة لأطوف بها ، فإذا أبو جهل في نفر يتحدثون عن رؤيا عاتكة ، فقال أبو جهل : يا أبا الفضل تعال . فجلست إليه فقال : متى حدثت هذه النبية فيكم ؟ ما رضيتم يا بني عبد المطلب أن ينبأ رجالكم حتى تنبأ نساؤكم ، سنتربص بكم هذه الثلاث التي ذكرت عاتكة ، فإن كان حقا فسيكون ، وإلا كتبنا عليكم كتابا أنكم أكذب أهل بيت في العرب .

قال : فوالله ما كان إليه مني من كبير ، إلا أني أنكرت ما قالت ، وقلت : ما رأت شيئا ولا سمعت بهذا ، فلما أمسيت لم تبق امرأة من بني عبد المطلب إلا أتتني فقلن : صبرتم لهذا الفاسق الخبيث أن يقع في رجالكم ، ثم قد تناول النساء وأنت تسمع ، فلم يكن عندك في ذلك غير . فقلت : قد والله صدقتن وما كان عندي في ذلك من غير إلا أني أنكرت . ولا تعرضن له ، فإن عاد لأكفينه .

فغدوت في اليوم الثالث أتعرض له ليقول شيئا فأشاتمه . فوالله إني لمقبل نحوه ، وكان رجلا حديد الوجه ، حديد النظر ، حديد اللسان ، إذ ولى نحو باب المسجد يشتد . فقلت في نفسي : اللهم العنه ، كل هذا فرقا أن أشاتمه .

وإذا هو قد سمع ما لم أسمع ، صوت ضمضم بن عمرو ، وهو واقف بعيره بالأبطح ؛ قد حول رحله وشق قميصه وجدع بعيره ؛ يقول : يا معشر قريش ، اللطيمة اللطيمة ! أموالكم مع أبي سفيان ، قد عرض لها محمد ، فالغوث الغوث ! فشغله ذلك عني ، وشغلني عنه . فلم يكن إلا الجهاز حتى خرجنا ، فأصاب قريشا ما أصابها يوم بدر . فقالت عاتكة .

ألم تكن الرؤيا بحق وجاءكم بتصديقها فل من القوم هارب فقلتم - ولم أكذب - كذبت وإنما يكذبنا بالصدق من هو كاذب . وقال أبو إسحاق : سمعت البراء يقول : استصغرت أنا وابن عمر يوم بدر . وكنا - أصحاب محمد - نتحدث أن عدة أهل بدر ثلاثمائة وبضعة عشر ، كعدة أصحاب طالوت الذين جازوا معه النهر ، وما جازه إلا مؤمن .

أخرجه البخاري . وقال : سمعت البراء يقول : كان المهاجرون يوم بدر نيفا وثمانين . أخرجه البخاري .

وقال ابن لهيعة : حدثني يزيد بن أبي حبيب ، حدثني أسلم أبو عمران أنه سمع أبا أيوب الأنصاري يقول : قال لنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ونحن بالمدينة : هل لكم أن نخرج فنلقى العير لعل الله يغنمنا ؟ قلنا : نعم . فخرجنا ، فلما سرنا يوما أو يومين أمرنا أن نتعاد ، ففعلنا ، فإذا نحن ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا ، فأخبرناه بعدتنا ، فسر بذلك وحمد الله ، وقال : عدة أصحاب طالوت . وقال ابن وهب : حدثني حيي بن عبد الله ، عن أبي عبد الرحمن الحبلي ، عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خرج يوم بدر بثلاثمائة وخمسة عشر من المقاتلة كما خرج طالوت فدعا لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين خرج فقال : اللهم إنهم حفاة فاحملهم ، اللهم إنهم عراة فاكسهم ، اللهم إنهم جياع فأشبعهم .

ففتح الله لهم ، فانقلبوا وما منهم رجل إلا وقد رجع بجمل أو جملين ، واكتسوا وشبعوا . وقال أبو إسحاق عن البراء قال : لم يكن يوم بدر فارس غير المقداد . وقال أبو إسحاق عن حارثة بن مضرب : إن عليا قال : لقد رأيتنا ليلة بدر وما منا أحد إلا وهو نائم إلا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فإنه يصلي إلى شجرة ويدعو حتى أصبح ، ولقد رأيتنا وما منا أحد فارس يومئذ إلا المقداد .

رواه شعبة عنه . ومن وجه آخر عن علي ، قال : ما كان معنا إلا فرسان . فرس للزبير وفرس للمقداد بن الأسود .

وعن إسماعيل بن أبي خالد ، عن البهي قال : كان يوم بدر مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فارسان ، الزبير على الميمنة ، والمقداد على الميسرة . وقال عروة : كان على الزبير يوم بدر عمامة صفراء ، فنزل جبريل على سيما الزبير . وقال حماد بن سلمة ، عن عاصم ، عن زر ، عن عبد الله قال : كنا يوم بدر نتعاقب ثلاثة على بعير ، فكان علي وأبو لبابة زميلي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .

فكان إذا حانت عقبة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقولان له : اركب حتى نمشي . فيقول : إني لست بأغنى عن الأجر منكما ، ولا أنتما بأقوى على المشي مني . المشهور عند أهل المغازي : مرثد بن أبي مرثد الغنوي بدل أبي لبابة .

فإن أبا لبابة رده النبي - صلى الله عليه وسلم - واستخلفه على المدينة . وقال معمر : سمعت الزهري يقول : لم يشهد بدرا إلا قرشي أو أنصاري أو حليف لهما . وعن الحسن ، قال : كان فيهم اثنا عشر من الموالي .

وقال عمرو العنقزي ، حدثنا إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن حارثة بن مضرب ، عن علي قال : أخذنا رجلين يوم بدر . أحدهما عربي والآخر مولى ، فأفلت العربي وأخذنا المولى؛ مولى لعقبة بن أبي معيط ؛ فقلنا : كم هم ؟ قال : كثير عددهم شديد بأسهم . فجعلنا نضربه .

حتى انتهينا به إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فأبى أن يخبره . فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : كم ينحرون من الجزر ؟ فقال : في كل يوم عشرا . فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : القوم ألف ، لكل جزور مائة .

وقال يونس ، عن ابن إسحاق ، حدثنا عبد الله بن أبي بكر ، أن سعد ابن معاذ قال لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ألا نبني لك عريشا ، فتكون فيه ، وننيخ لك ركائبك ونلقى عدونا ، فإن أظهرنا الله عليهم فذاك ، وإن تكن الأخرى فتجلس على ركائبك وتلحق بمن وراءنا من قومنا . فقد تخلف عنك أقوام ما نحن بأشد لك حبا منهم ، ولو علموا أنك تلقى حربا ما تخلفوا عنك ، ويوادونك وينصرونك . فأثنى عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خيرا ودعا له .

فبني لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - عريش ، فكان فيه وأبو بكر ما معهما غيرهما . وقال البخاري : حدثنا أبو نعيم ، قال : حدثنا إسرائيل ، عن مخارق ، عن طارق بن شهاب ، سمع ابن مسعود يقول : شهدت من المقداد مشهدا لأن أكون صاحبه كان أحب إلي مما عدل به : أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وهو يدعو على المشركين فقال : لا نقول لك كما قال قوم موسى لموسى : فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون ، ولكن نقاتل عن يمينك وعن شمالك ، ومن بين يديك ومن خلفك ، قال : فرأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أشرق لذلك ، وسره . وقال مسلم وأبو داود : حماد بن سلمة ، عن ثابت ، عن أنس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ندب أصحابه فانطلق إلى بدر ، فإذا هم بروايا قريش ، فيها عبد أسود لبني الحجاج ، فأخذه أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - فجعلوا يسألونه : أين أبو سفيان ؟ فيقول : والله مالي بشيء من أمره علم ، ولكن هذه قريش قد جاءت ، فيهم أبو جهل ، وعتبة ، وشيبة ابنا ربيعة ، وأمية بن خلف .

قال : فإذا قال لهم ذلك ضربوه . فيقول : دعوني دعوني أخبركم . فإذا تركوه قال كقوله سواء .

والنبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي وهو يسمع ذلك . فلما انصرف قال : والذي نفسي بيده إنكم لتضربونه إذا صدقكم وتدعونه إذا كذبكم . هذه قريش قد أقبلت لتمنع أبا سفيان .

قال أنس : وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : هذا مصرع فلان غدا ؛ ووضع يده على الأرض . وهذا مصرع فلان ؛ ووضع يده على الأرض ، وهذا مصرع فلان ، ووضع يده على الأرض . قال : والذي نفسي بيده ما جاوز أحد منهم عن موضع يده - صلى الله عليه وسلم - .

قال : فأمر بهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأخذ بأرجلهم ، فسحبوا فألقوا في قليب بدر . صحيح . وقال حماد أيضا ، عن ثابت ، عن أنس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شاور حين بلغه إقبال أبي سفيان .

فتكلم أبو بكر فأعرض عنه ، ثم تكلم عمر فأعرض عنه . فقام سعد بن عبادة - كذا قال ، والمعروف ابن معاذ - فقال : إيانا تريد يا رسول الله ؟ والذي نفسي بيده لو أمرتنا أن نخيضها البحر لأخضناها . ولو أمرتنا أن نضرب أكبادها إلى برك الغماد لفعلنا .

قال : فندب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الناس ، فانطلقوا حتى نزلوا بدرا . وساق الحديث المذكور قبل هذا . أخرجه مسلم .

ورواه أيضا من حديث سليمان بن المغيرة أخصر منه عن ثابت ، عن أنس : حدثنا عمر قال : إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليخبرنا عن مصارع القوم بالأمس : هذا مصرع فلان - إن شاء الله - غدا ، هذا مصرع فلان - إن شاء الله - غدا . فوالذي بعثه بالحق ، ما أخطأوا تلك الحدود ، وجعلوا يصرعون حولها . ثم ألقوا في القليب .

وجاء النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : يا فلان بن فلان ، ويا فلان بن فلان ، هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقا ؟ فإني وجدت ما وعدني ربي حقا . فقلت : يا رسول الله أتكلم أجسادا لا أرواح فيها ؟ فقال : والذي نفسي بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم ، ولكنهم لا يستطيعون أن يردوا علي . وقال شعبة ، عن أبي إسحاق ، عن حارثة ، عن علي قال : ما كان فينا فارس يوم بدر غير المقداد على فرس أبلق ، ولقد رأيتنا وما فينا إلا نائم إلا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تحت سمرة يصلي ويبكي ، حتى أصبح .

وقال أبو علي عبيد الله بن عبد المجيد الحنفي : حدثنا عبيد الله بن عبد الرحمن بن موهب ، قال : أخبرني إسماعيل بن عون بن عبيد الله بن أبي رافع ، عن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب ، عن أبيه ، عن جده ، عن علي قال : لما كان يوم بدر قاتلت شيئا من قتال ، ثم جئت لأنظر إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما فعل ، فجئت فإذا هو ساجد يقول : يا حي يا قيوم ، يا حي يا قيوم ، لا يزيد عليها . فرجعت إلى القتال ، ثم جئت وهو ساجد يقول أيضا . غريب .

وقال الأعمش ، عن أبي إسحاق ، عن أبي عبيدة ، عن عبد الله قال : ما سمعت مناشدا ينشد حقا أشد من مناشدة محمد - صلى الله عليه وسلم - يوم بدر؛ جعل يقول : اللهم إني أنشدك عهدك ووعدك ، اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد ، ثم التفت وكأن شق وجهه القمر؛ فقال : كأنما أنظر إلى مصارع القوم عشية . وقال خالد ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال وهو في قبته يوم بدر : اللهم إني أنشدك عهدك ووعدك ، اللهم إن شئت لم تعبد بعد اليوم أبدا . فأخذ أبو بكر بيده فقال : حسبك حسبك يا رسول الله فقد ألححت على ربك ؛ وهو في الدرع .

فخرج وهو يقول : ﴿سيهزم الجمع ويولون الدبر ٤٥ ، بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر أخرجه البخاري . وقال عكرمة بن عمار : حدثني أبو زميل سماك الحنفي ، قال : حدثني ابن عباس ، عن عمر قال : لما كان يوم بدر نظر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى المشركين وهم ألف ، وأصحابه ثلاثمائة وتسعة عشر رجلا . فاستقبل القبلة ثم مد يديه فجعل يهتف بربه ، مادا يديه مستقبل القبلة حتى سقط رداؤه ، فأتاه أبو بكر فأخذ رداءه فألقاه على منكبيه ، ثم التزمه من ورائه فقال : يا نبي الله كفاك مناشدتك ربك فإنه سينجز لك ما وعدك .

فأنزل الله - عز وجل - ﴿إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين فأمده الله بالملائكة . فحدثني ابن عباس قال : بينما رجل من المسلمين يومئذ يشتد في أثر رجل من المشركين أمامه ، إذ سمع ضربة بالسوط فوقه وصوت الفارس : أقدم حيزوم . إذ نظر إلى المشرك أمامه فخر مستلقيا ، فنظر إليه فإذا هو قد خطم أنفه وشق وجهه كضربة السوط ، فاخضر ذلك أجمع .

فجاء الأنصاري ، فحدث ذاك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : صدقت ، ذلك من مدد السماء الثالثةفقتلوا يومئذ سبعين ، وأسروا سبعين . أخرجه مسلم . وقال سلامة بن روح ، عن عقيل ، حدثني ابن شهاب قال : قال أبو حازم عن سهل بن سعد قال : قال أبو أسيد الساعدي بعدما ذهب بصره : يا ابن أخي ، والله لو كنت أنا وأنت ببدر ، ثم أطلق الله لي بصري لأريتك الشعب الذي خرجت علينا منه الملائكة ، غير شك ولا تمار .

وقال الواقدي : حدثنا ابن أبي حبيبة عن داود بن الحصين ، عن عكرمة ، عن ابن عباس . و حدثنا موسى بن محمد بن إبراهيم ، عن أبيه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : يا أبا بكر أبشر هذا جبريل معتجر بعمامة صفراء آخذ بعنان فرسه بين السماء والأرض . فلما نزل إلى الأرض ، تغيب عني ساعة ثم طلع ، على ثناياه النقع يقول : أتاك نصر الله إذ دعوته .

وقال عكرمة ، عن ابن عباس ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال يوم بدر : هذا جبريل آخذ برأس فرسه ، عليه أداة الحرب . أخرجه البخاري . وقال موسى بن يعقوب الزمعي : حدثني أبو الحويرث ، قال : حدثني محمد بن جبير بن مطعم أنه سمع عليا - رضي الله عنه - ، خطب الناس فقال : بينما أنا أمتح من قليب بدر إذ جاءت ريح شديدة لم أر مثلها ثم ذهبت ، ثم جاءت ريح شديدة كالتي قبلها .

فكانت الريح الأولى جبريل نزل في ألف من الملائكة ، وكانت الثانية ميكائيل نزل في ألف من الملائكة . وجاءت ريح ثالثة كان فيها إسرافيل في ألف . فلما هزم الله أعداءه حملني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على فرسه ، فجرت بي ، فوقعت على عقبي ، فدعوت الله فأمسكت .

فلما استويت عليها طعنت بيدي هذه في القوم حتى اختضب هذا ، وأشار إلى إبطه .غريب . وموسى فيه ضعف . وقوله : حملني على فرسه لا يعرف إلا من هذا الوجه .

وقال يحيى بن بكير . حدثني محمد بن يحيى بن زكريا الحميري ، قال : حدثنا العلاء بن كثير ، قال : حدثني أبو بكر بن عبد الرحمن بن المسور بن مخرمة ، قال : حدثني أبو أمامة بن سهل قال : قال أبي : يا بني لقد رأيتنا يوم بدر وإن أحدنا ليشير بسيفه إلى رأس المشرك فيقع رأسه عن جسده قبل أن يصل إليه السيف . وقال ابن إسحاق : حدثني من لا أتهم ، عن مقسم ، عن ابن عباس قال : كان سيما الملائكة يوم بدر عمائم بيضا قد أرسلوها في ظهورهم ويوم حنين عمائم حمرا .

ولم تقاتل الملائكة في يوم سوى يوم بدر . وكانوا يكونون فيما سواه من الأيام عددا ومددا . وجاء في قوله تعالى : إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا ؛ ذكر الواقدي ، عن إبراهيم بن أبي حبيبة ؛ حدثه عن داود بن الحصين ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، قال : كان الملك يتصور في صورة من يعرفون من الناس ، يثبتونهم ، فيقول : إني قد دنوت منهم فسمعتهم يقولون : لو حملوا علينا ما ثبتنا .

إلى غير ذلك من القول . وقال إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن حارثة ، عن علي قال : لما قدمنا المدينة ، أصبنا من ثمارها فاجتويناها وأصابنا بها وعك . فكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يتخبر عن بدر .

فلما بلغنا أن المشركين قد أقبلوا ، سار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى بدر - وهي بئر - فسبقنا المشركين إليها . فوجدنا فيها رجلين : رجلا من قريش ومولى لعقبة بن أبي معيط . فأما القرشي فانفلت ، وأما مولى عقبة فأخذناه فجعلنا نقول له : كم القوم ؟ فيقول : هم والله كثير عددهم شديد بأسهم .

فجعل المسلمون إذا قال ذلك ضربوه . حتى انتهوا به إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال له : كم القوم ؟ قال : هم والله كثير عددهم شديد بأسهم . فجهد أن يخبره كم هم فأبى .

ثم سأله : كم ينحرون كل يوم من الجزور ؟ فقال : عشرة . فقال نبي الله - صلى الله عليه وسلم - : القوم ألف ، كل جزور بمائة وتبعها . ثم إنه أصابنا من الليل طش من مطر ، فانطلقنا تحت الشجر والحجف نستظل تحتها .

وبات رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يدعو ربه ويقول : اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض . فلما طلع الفجر نادى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : الصلاة جامعة . فجاء الناس من تحت الشجر والحجف والجرف فصلى بنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وحض على القتال .

ثم قال : إن جمع قريش عند هذه الضلع الحمراء من الجبل . فلما دنا القوم منا وضايقناهم إذا رجل منهم يسير في القوم على جمل أحمر ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : يا علي ناد لي حمزة - وكان أقربهم من المشركين - من صاحب الجمل الأحمر ؟ وماذا يقول لهم ؟ ثم قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إن يك في القوم أحد يأمر بخير فعسى أن يكون صاحب الجمل الأحمر ، فجاء حمزة فقال : هو عتبة بن ربيعة ، وهو ينهى عن القتال ويقول : يا قوم إني أرى أقواما مستميتين لا تصلون إليهم وفيكم خير . يا قوم اعصبوها اليوم برأسي وقولوا جبن عتبة ، وقد تعلمون أني لست بأجبنكم .

فسمع بذلك أبو جهل فقال : أنت تقول هذا ؟ والله لو غيرك يقول هذا لأعضضته . قد ملئت جوفك رعبا ، فقال : إياي تعني يا مصفر استه ؟ ستعلم اليوم أينا أجبن ؟ فبرز عتبة وابنه الوليد وأخوه حمية . فقال : من يبارز ؟ فخرج من الأنصار شببة ، فقال عتبة : لا نريد هؤلاء ، ولكن يبارزنا من بني عمنا .

فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : قم يا علي ، قم يا حمزة ، قم يا عبيدة بن الحارث . فقتل الله عتبة ، وشيبة ابني ربيعة ، والوليد بن عتبة . وجرح عبيدة .

فقتلنا منهم سبعين وأسرنا سبعين .فجاء رجل من الأنصار قصير برجل من بني هاشم أسيرا فقال الرجل : إن هذا والله ما أسرني ، ولقد أسرني رجل أجلح من أحسن الناس وجها ، على فرس أبلق ، ما أراه في القوم . فقال الأنصاري : أنا أسرته يا رسول الله . فقال : اسكت ، فقد أيدك الله بملك كريم .قال : فأسر من بني عبد المطلب : العباس ، وعقيل ، ونوفل بن الحارث .

وقال إسحاق بن منصور السلولي : حدثنا إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن أبي عبيدة ، عن عبد الله قال : لقد قلوا في أعيننا يوم بدر ، حتى قلت لرجل إلى جنبي : أتراهم سبعين ؟ قال : أراهم مائة . فأسرنا رجلا فقلت : كم كنتم ؟ قال : ألفا . وقال سلميان بن المغيرة ، عن ثابت ، عن أنس ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال يوم بدر : قوموا إلى جنة عرضها السموات والأرض .

قال : يقول عمير بن الحمام الأنصاري : يا رسول الله عرضها السموات والأرض ؟ فقال : نعم . قال : بخ بخ ! قال : ما يحملك على قولك بخ بخ ؟ قال : لا والله يا رسول الله إلا رجاء أن أكون من أهلها . قال : فإنك من أهلها .

فأخرج تميرات من قرنه فجعل يأكل منهن ، ثم قال : لئن أنا حييت حتى آكل تمراتي هذه إنها لحياة طويلة . فرمى بهن ، ثم قاتل حتى قتل . أخرجه مسلم .

وقال عبد الرحمن بن الغسيل ، عن حمزة بن أبي أسيد ، عن أبيه؛ قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين اصطففنا يوم بدر : إذا أكثبوكم ؛ يعني إذا غشوكم ، فارموهم بالنبل ، واستبقوا نبلكم . أخرجه البخاري . وروى عمر بن عبد الله بن عروة ، عن عروة بن الزبير قال : جعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شعار المهاجرين يوم بدر : يا بني عبد الرحمن ، وشعار الخزرج : يا بني عبد الله ، وشعار الأوس : يا بني عبيد الله .

وسمى خيله : خيل الله . أخبرنا أبو محمد عبد الخالق بن عبد السلام ، وابنة عمه ست الأهل بنت علوان - سنة ثلاث وتسعين - وآخرون قالوا : أخبرنا عبد الرحمن بن إبراهيم الفقيه ، قال : أخبرتنا شهدة بنت أحمد ، قالت : أخبرنا الحسين بن طلحة ، قال : أخبرنا أبو عمر عبد الواحد بن مهدي ، قال : حدثنا الحسين بن إٍسماعيل ، قال : حدثنا محمود بن خداش ، قال : حدثنا هشيم ، قال : أخبرنا أبو هاشم عن أبي مجلز ، عن قيس بن عباد قال : سمعت أبا ذر - رضي الله عنه - يقسم قسما : هذان خصمان اختصموا في ربهم ؛ أنها نزلت في الذين برزوا يوم بدر : حمزة ، وعلي ، وعبيدة بن الحارث - رضي الله عنهم - وعتبة ، وشيبة ابنا ربيعة ، والوليد بن عتبة . أخرجه البخاري عن يعقوب الدورقي وغيره .

ومسلم عن عمرو بن زرارة ، عن هشيم ، عن أبي هاشم يحيى بن دينار الرماني الواسطي ، عن أبي مجلز لاحق بن حميد السدوسي البصري . وهو من الأبدال العوالي . وعبيدة بن الحارث بن المطلب بن عبد مناف بن قصي المطلبي ، أمه ثقفية ، وكان أسن من النبي - صلى الله عليه وسلم - بعشر سنين ، أسلم هو وأبو سلمة بن عبد الأسد وعثمان بن مظعون في وقت .

وهاجر هو وأخواه الطفيل والحصين . وكان عبيدة كبير المنزلة عند النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وكان مربوعا مليحا ، توفي بالصفراء .وهو الذي بارز عتبة بن ربيعة ، فاختلفا ضربتين ، كلاهما أثبت صاحبه ، كما تقدم . وقد جهزه النبي - صلى الله عليه وسلم - في ستين راكبا من المهاجرين أمره عليهم ؛ فكان أول لواء عقده النبي - صلى الله عليه وسلم - لواء عبيدة .

فالتقى بقريش وعليهم أبو سفيان عند ثنية المرة ، فكان أول قتال في الإسلام . قاله محمد بن إسحاق . وقال ابن إسحاق وغيره عن الزهري ، عن عبد الله بن ثعلبة بن صعير أن المستفتح يوم بدر أبو جهل .

قال لما التقى الجمعان : اللهم أقطعنا للرحم وآتانا بما لا نعرف ، فأحنه الغداة . فقتل ، ففيه أنزلت : إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح . وقال معاذ بن معاذ : حدثنا شعبة ، عن عبد الحميد صاحب الزيادي ، سمع أنسا يقول : قال أبو جهل : اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم ، فنزلت : ﴿وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون .

متفق عليه . وعن ابن عباس في قوله : وما لهم ألا يعذبهم الله ، قال : يوم بدربالسيف . قاله عبد الله بن صالح ، عن معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عنه .

وبه عنه في قوله : وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين قال : أقبلت عير أهل مكة تريد الشام - كذا قال - فبلغ أهل المدينة ذلك ، فخرجوا ومعهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يريدون العير . فبلغ ذلك أهل مكة فأسرعوا السير ، فسبقت العير رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وكان الله وعدهم إحدى الطائفتين . وكانوا أن يلقوا العير أحب إليهم ، وأيسر شوكة وأحضر مغنما .

فسار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يريد القوم ، فكره المسلمون مسيرهم لشوكة القوم ، فنزل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والمسلمون ، وبينهم وبين الماء رملة دعصة ، فأصاب المسلمين ضعف شديد ، وألقى الشيطان في قلوبهم القنط يوسوسهم : تزعمون أنكم أولياء الله وفيكم رسوله ، وقد غلبكم المشركون على الماء ، وأنتم كذا . فأنزل الله عليهم مطرا شديدا ، فشرب المسلمون وتطهروا . فأذهب الله عنهم رجز الشيطان .

وصار الرمل - يعني ملبدا - وأمدهم الله بألف من الملائكة . وجاء إبليس في جند من الشياطين ، معه رايته في صورة رجال بني مدلج ، والشيطان في صورة سراقة بن مالك بن جعشم ، فقال للمشركين : لا غالب لكم اليوم من الناس ، وإني جار لكم فلما اصطف القوم قال أبو جهل : اللهم أولانا بالحق فانصره . ورفع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يده فقال : يا رب إنك إن تهلك هذه العصابة فلن تعبد في الأرض أبدا .

فقال له جبريل : خذ قبضة من التراب . فأخذ قبضة من التراب فرمى بها في وجوههم . فما من المشركين من أحد إلا أصاب عينيه ومنخريه وفمه ، فولوا مدبرين .

وأقبل جبريل إلى إبليس ، فلما رآه وكانت يده في يد رجل من المشركين نزع يده وولى مدبرا وشيعته . فقال الرجل : يا سراقة ، أما زعمت أنك لنا جار ؟ قال : إني أرى ما لا ترون ، إني أخاف الله . وقال يوسف بن الماجشون ، أخبرنا صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف ، عن أبيه ، عن جده ، قال : إني لواقف يوم بدر في الصف ، فنظرت عن يميني وشمالي ، فإذا أنا بين غلامين من الأنصار حديثة أسنانهما .

فتمنيت أن أكون بين أضلع منهما . فغمزني أحدهما فقال : يا عم أتعرف أبا جهل ؟ قلت : نعم ، وما حاجتك إليه ؟ قال : أخبرت أنه يسب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، والذي نفسي بيده إن رأيته لا يفارق سوادي سواده حتى يموت الأعجل منا . فتعجبت لذلك .

فغمزني الآخر فقال لي مثلها . فلم أنشب أن نظرت إلى أبي جهل وهو يجول في الناس ، فقلت : ألا تريان ؟ هذا صاحبكما الذي تسألان عنه . فابتدراه بسيفيهما فضرباه حتى قتلاه .

ثم انصرفا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فأخبراه . فقال : أيكما قتله ؟ فقال كل واحد منهما : أنا قتلته . فقال : هل مسحتما سيفيكما ؟ قالا : لا .

قال : فنظر في السيفين ، فقال ، كلاهما قتله . وقضى بسلبه لمعاذ بن عمرو ، والآخر معاذ بن عفراء . متفق عليه .

وقال زهير بن معاوية : حدثنا سليمان التيمي ، حدثني أنس قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : من ينظر ما صنع أبو جهل ؟ فانطلق ابن مسعود فوجده قد ضربه ابنا عفراء حتى برد . قال : أنت أبو جهل ؟ فأخذ بلحيته . فقال : هل فوق رجل قتلتموه ، أو قتله قومه ؟ أخرجه البخاري ومسلم .

وقال إسماعيل بن أبي خالد ، عن قيس ، عن عبد الله أنه أتى أبا جهل فقال : قد أخزاك الله . فقال : هل أعمد من رجل قتلتموه ؟ أخرجه البخاري . وقال عثام بن علي : حدثنا الأعمش ، عن أبي إسحاق ، عن أبي عبيدة ، عن عبد الله قال : انتهيت إلى أبي جهل وهو صريع ، وعليه بيضة ، ومعه سيف جيد ، ومعي سيف رث .

فجعلت أنقف رأسه بسيفي ، وأذكر نقفا كان ينقف رأسي بمكة ، حتى ضعفت يده ، فأخذت سيفه . فرفع رأسه فقال : على من كانت الدبرة ، لنا أو علينا ؟ ألست رويعينا بمكة ؟ قال : فقتلته . ثم أتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - فقلت : قتلت أبا جهل .

فقال : آلله الذي لا إله إلا هو ؟ فاستحلفني ثلاث مرار . ثم قام معي إليهم ، فدعا عليهم . وروي نحوه عن سفيان الثوري ، عن أبي إسحاق .

وفيه : فاستحلفني وقال : الله أكبر ، الحمد لله الذي صدق وعده ، ونصر عبده ، وهزم الأحزاب وحده ، انطلق فأرنيه . فانطلقت فأريته . فقال : هذا فرعون هذه الأمة .

وروي عن أبي إسحاق أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما بلغه قتله خر ساجدا . وقال الواقدي : وقف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على مصرع ابني عفراء فقال : يرحم الله ابني عفراء ، فهما شركاء في قتل فرعون هذه الأمة ورأس أئمة الكفر . فقيل : يا رسول الله ، ومن قتله معهما ؟ قال : الملائكة ، وابن مسعود قد شرك في قتله .

وقال أبو نعيم : حدثنا سلمة بن رجاء ، عن الشعثاء ؛ امرأة من بني أسد ، قالت : دخلت على عبد الله بن أبي أوفى ، فرأيته صلى الضحى ركعتين ، فقالت له امرأته : إنك صليت ركعتين . فقال : إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلى الضحى ركعتين حين بشر بالفتح ، وحين جيء برأس أبي جهل . وقال مجالد ، عن الشعبي أن رجلا قال للنبي - صلى الله عليه وسلم - : إني مررت ببدر ، فرأيت رجلا يخرج من الأرض ، فيضربه رجل بمقمعة حتى يغيب في الأرض ، ثم يخرج ، فيفعل به مثل ذلك مرارا .

فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ذاك أبو جهل بن هشام يعذب إلى يوم القيامة . وقال البخاري ومسلم من حديث ابن أبي عروبة ، عن قتادة قال : ذكر لنا أنس ، عن أبي طلحة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمر يوم بدر بأربعة وعشرين رجلا من صناديد قريش ، فقذفوا في طوي من أطواء بدر خبيث مخبث . وكان إذا ظهر على قوم أقام بالعرصة ثلاث ليال .

فلما كان ببدر اليوم الثالث ، أمر براحلته فشد عليها ، ثم مشى واتبعه أصحابه ، فقالوا : ما نراه إلا ينطلق لبعض حاجته ، حتى قام على شفة الركي فجعل يناديهم بأسمائهم وأسماء آبائهم : يا فلان بن فلان ، ويا فلان بن فلان ، أيسركم أنكم أطعتم الله ورسوله ، فإنا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا ، فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا ؟ فقال عمر : يا رسول الله ، ما تكلم من أجساد لا أرواح لها ؟ فقال : والذي نفسي بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم . قال قتادة : أحياهم الله حتى أسمعهم قوله توبيخا وتصغيرا ونقمة وحسرة وندامة . صحيح .

وقال هشام ، عن أبيه ، عن ابن عمر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقف على قليب بدر فقال : إنهم ليسمعون ما أقول . قال عروة : فبلغ عائشة فقالت : ليس هكذا قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، إنما قال : إنهم ليعلمون أن ما كنت أقول لهم حق . إنهم قد تبوؤوا مقاعدهم من جهنم .

إن الله يقول : إنك لا تسمع الموتى وما أنت بمسمع من في القبور . ﴿إن أنت إلا نذير أخرجه البخاري . ما روت عائشة لا ينافي ما روي ابن عمر وغيره ، فإن علمهم لا يمنع من سماعهم قوله - عليه السلام - ، وأما إنك لا تسمع الموتى ، فحق لأن الله أحياهم ذلك الوقت كما يحيي الميت لسؤال منكر ونكير .

وقال عمرو بن دينار ، عن عطاء ، عن ابن عباس في قوله : بدلوا نعمة الله كفرا ؛ قال : هم كفار قريش . وأحلوا قومهم دار البوار ؛ قال : النار يوم بدر . أخرجه البخاري .

وقال إسرائيل ، عن سماك ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، قال : لما فرغ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من القتلى قيل له : عليك العير ليس دونها شيء . فناداه العباس وهو في الوثاق : إنه لا يصلح لك . قال : لم ؟ قال : لأن الله - عز وجل - وعدك إحدى الطائفتين ، وقد أنجز لك ما وعدك .

هذا إسناد صحيح ، ورواه جعفر بن محمد بن شاكر ، عن أبي نعيم ، عنه . وقال يونس بن بكير ، عن ابن إسحاق ، حدثني خبيب بن عبد الرحمن قال : ضرب خبيب بن عدي يوم بدر فمال شقه ، فتفل عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ولأمه ورده ، فانطبق . أحمد بن الأزهر : حدثنا عبد الرزاق ، عن جعفر بن سليمان ، عن أبي عمران الجوني ، عن أنس أو غيره قال : شهد عمير بن وهب الجمحي بدرا كافرا ، وكان في القتلى .

فمر به رجل فوضع سيفه في بطنه ، فخرج من ظهره . فلما برد عليه الليل لحق بمكة فصح . فاجتمع هو وصفوان بن أمية فقال : لولا عيالي وديني لكنت الذي أقتل محمدا .

فقال صفوان : وكيف تقتله ؟ قال : أنا رجل جريء الصدر جواد لا ألحق ، فأضربه وألحق بالجبل فلا أدرك . قال : عيالك في عيالي ودينك علي . فانطلق فشحذ سيفه وسمه .

وأتى المدينة ، فرآه عمر فقال للصحابة : احفظوا أنفسكم فإني أخاف عميرا إنه رجل فاتك ، ولا أدري ما جاء به . فأطاف المسلمون برسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وجاء عمير ، متقلدا سيفه ، إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : أنعم صباحا . قال : ما جاء بك يا عمير ؟ قال : حاجة .

قال : فما بال السيف ؟ قال : قد حملناها يوم بدر فما أفلحت ولا أنجحت . قال : فما قولك لصفوان وأنت في الحجر ؟ وأخبره بالقصة . فقال عمير : قد كنت تحدثنا عن خبر السماء فنكذبك ، وأراك تعلم خبر الأرض .

أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله . بأبي أنت وأمي ، أعطني منك علما يعلم أهل مكة أني أسلمت . فأعطاه .

فقال عمر : لقد جاء عمير وإنه لأضل من خنزير ، ثم رجع وهو أحب إلي من ولدي . وقال يونس ، عن ابن إسحاق قال : حدثنا عكاشة الذي قاتل بسيفه يوم بدر حتى انقطع في يده ، فأتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأعطاه جذلا من حطب ، فقال : قاتل بهذا . فلما أخذه هزه فعاد سيفا في يده ، طويل القامة شديد المتن أبيض الحديدة .

فقاتل بها ، حتى فتح الله على رسوله ، ثم لم يزل عنده يشهد به المشاهد مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، حتى قتل في قتال أهل الردة وهو عنده . وكان ذلك السيف يسمى القوي . هكذا ذكره ابن إسحاق بلا سند .

وقد رواه الواقدي قال : حدثني عمر بن عثمان الجحشي ، عن أبيه ، عن عمته قالت : قال عكاشة بن محصن : انقطع سيفي يوم بدر ، فأعطاني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عودا ، فإذا هو سيف أبيض طويل . فقاتلت به . وقال الواقدي : حدثني أسامة بن زيد الليثي ، عن داود بن الحصين ، عن جماعة قالوا : انكسر سيف سلمة بن أسلم يوم بدر ، فبقي أعزل لا سلاح معه ، فأعطاه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قضيبا كان في يده من عراجين ، فقال : اضرب به .

فإذا هو سيف جيد . فلم يزل عنده حتى قتل يوم جسر أبي عبيد .

موقع حَـدِيث