حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
تاريخ الإسلام

عدد الشهداء

عدد الشهداء قد مر أن البخاري أخرج من حديث البراء ، أن المشركين أصابوا منا سبعين . وقال حماد بن سلمة ، عن ثابت ، عن أنس ، قال : يا رب السبعين من الأنصار ، سبعين يوم أحد ، وسبعين يوم بئر معونة ، وسبعين يوم مؤتة ، وسبعين يوم اليمامة . وقال عبد الرحمن بن حرملة ، عن سعيد بن المسيب قال : قتل من الأنصار في ثلاثة مواطن سبعون سبعون : يوم أحد ، ويوم اليمامة ، ويوم جسر أبي عبيد .

وقال ابن جريج : أخبرني عمر بن عطاء ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، في قوله تعالى : قد أصبتم مثليها ، قال : قتل المسلمون من المشركين يوم بدر سبعين وأسروا سبعين ، وقتل المشركون يوم أحد من المسلمين سبعين . وأما ابن لهيعة ، عن أبي الأسود ، عن عروة ، فقال : جميع من قتل مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم أحد ، من قريش والأنصار : أربعة ، أو قال : سبعة وأربعون رجلا . وجميع من قتل يوم أحد ، يعني من المشركين تسعة عشر رجلا .

وقال موسى بن عقبة : جميع من استشهد من المسلمين ، من قريش والأنصار سبعة وأربعون رجلا . وقال ابن إسحاق : جميع من استشهد من المسلمين ، من المهاجرين والأنصار ، يوم أحد ، خمسة وستون رجلا . وجميع قتلى المشركين اثنان وعشرون .

قلت : قول من قال سبعين أصح . ويحمل قول أصحاب المغازي هذا على عدد من عرف اسمه من الشهداء ، فإنهم عدوا أسماء الشهداء بأنسابهم . قال ابن إسحاق : استشهد من المهاجرين : حمزة ، وعبد الله بن جحش بن رئاب الأسدي ، حليف بني عبد شمس ، وهو ابن عمة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وقد دفن مع حمزة في قبر واحد .

ومصعب بن عمير ، وعثمان بن عثمان ، ولقبه شماس ، وهو عثمان بن عثمان بن الشريد بن سويد بن هرمي بن عامر بن مخزوم القرشي المخزومي ، ابن أخت عتبة بن ربيعة ، هاجر إلى الحبشة وشهد بدرا . ولقب شماسا لملاحته . ومن الأنصار : عمرو بن معاذ بن النعمان الأوسي ، أخو سعد ، وابن أخيه الحارث بن أوس بن معاذ ، والحارث بن أنيس بن رافع ، وعمارة بن زياد بن السكن ، وسلمة ، وعمرو ، ابنا ثابت بن وقش .

وعمهما : رفاعة بن وقش ، وصيفي بن قيظي ، وأخوه : حباب ، وعباد بن سهل ، وعبيد بن التيهان ، وحبيب بن زيد ، وإياس بن أوس ، الأشهيلون . واليمان أبو حذيفة ، حليف لهم . ويزيد بن حاطب بن أمية الظفري ، وأبو سفيان بن الحارث بن قيس ، وغسيل الملائكة حنظلة بن أبي عامر الراهب ، ومالك بن أمية ؛ وعوف بن عمرو ، وأبو حية بن عمرو بن ثابت ، وعبد الله بن جبير بن النعمان ، أمير الرماة ، وأنس بن قتادة ، وخيثمة والد سعد بن خيثمة ، وحليفه : عبد الله بن سلمة العجلاني ، وسبيع بن حاطب بن الحارث ، وحليفه : مالك بن أوس ، وعمير بن عدي الخطمي .

وكلهم من الأوس . واستشهد من الخزرج : عمرو بن قيس النجاري ، وابنه : قيس ، وثابت بن عمرو بن زيد ، وعامر بن مخلد ، وأبو هبيرة بن الحارث بن علقمة ، وعمرو بن مطرف ، وإياس بن عدي ، وأوس ، أخو حسان بن ثابت . وهو والد شداد بن أوس ، وأنس بن النضر بن ضمضم ، وقيس بن مخلد .

وعشرتهم من بني النجار . وعبد لهم اسمه : كيسان ، وسليم بن الحارث ، ونعمان بن عبد عمرو ، وهما من بني دينار بن الحارث . ومن بني الحارث بن الخزرج : خارجة بن زيد بن أبي زهير ، وسعد بن الربيع بن عمرو بن أبي زهير ، وأوس بن أرقم بن زيد ، أخو زيد بن أرقم .

ومن بني خدرة : مالك بن سنان ، وسعيد بن سويد ، وعتبة بن ربيع . ومن بني ساعدة : ثعلبة بن سعد بن مالك . وثقف بن فروة ، وعبد الله بن عمرو بن وهب .

وضمرة ، حليف لهم من جهينة . ومن بني عوف بن الخزرج ، ثم من بني سالم : عمرو بن إياس ، ونوفل بن عبد الله ، وعبادة بن الحسحاس ، والعباس بن عبادة بن نضلة . والنعمان بن مالك .

والمجذر بن ذياد البلوي ، حليف لهم . ومن بني الحبلى : رفاعة بن عمرو . ومن بني سواد بن مالك : مالك بن إياس .

ومن بني سلمة : عبد الله بن عمرو بن حرام ، وعمرو بن الجموح بن زيد بن حرام . وكانا متواخيين وصهرين ، فدفنا في قبر واحد . وخلاد بن عمرو بن الجموح .

ومولاه أسير ، أبو أيمن ، مولى عمرو . ومن بني سواد بن غنم : سليم بن عمرو بن حديدة . ومولاه عنترة ، وسهيل بن قيس .

ومن بني زريق : ذكوان بن عبد قيس ، وعبيد بن المعلى بن لوذان . قال ابن إسحاق : وزعم عاصم بن عمر بن قتادة أن ثابت بن وقش قتل يومئذ مع ابنيه . وذكر الواقدي جماعة قتلوا سوى من ذكرنا .

وقال البكائي : قال ابن إسحاق عن محمود بن لبيد قال : لما خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى أحد رفع حسيل بن جابر - والد حذيفة بن اليمان - وثابت بن وقش في الآطام مع النساء والصبيان ، فقال أحدهما لصاحبه - وهما شيخان كبيران - : لا أبا لك ، ما ننتظر ؟ فوالله ما بقي لواحد منا من عمره إلا ظمء حمار ، إنما نحن هامة اليوم أو غد ، أفلا نأخذ أسيافنا ثم نلحق برسول الله - صلى الله عليه وسلم - لعل الله يرزقنا الشهادة مع رسوله ؟ فخرجا حتى دخلا في الناس ، ولم يعلم بهما . فأما ثابت فقتله المشركون ، وأما حسيل فقتله المسلمون ولا يعرفونه . قال : وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة قال : كان فينا رجل أتي لا يدرى ممن هو ، يقال له قزمان .

وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول إذا ذكر له : إنه لمن أهل النار . فلما كان يوم أحد قتل وحده ثمانية أو سبعة من المشركين وكان ذا بأس ، فأثبتته الجراحة ، فاحتمل إلى دار بني ظفر ، فجعلوا يقولون له : والله لقد أبليت اليوم يا قزمان ، فأبشر . قال : بماذا أبشر ؟ والله إن قاتلت إلا عن أحساب قومي ، ولولا ذلك لما قاتلت .

فلما اشتدت عليه جراحته أخذ سهما فقتل به نفسه . قال ابن إسحاق : وكان ممن قتل يومئذ مخيريق ، وكان أحد بني ثعلبة بن العيطون ، قال لما كان يوم أحد : يا معشر يهود ، والله لقد علمتم أن نصر محمد عليكم لحق . قالوا : إن اليوم يوم السبت .

قال : لا سبت . فأخذ سيفه وعدته وقال : إن أصبت فمالي لمحمد يصنع فيه ما شاء . ثم غدا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقاتل معه حتى قتل .

فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيما بلغنا : مخيريق خير يهود . ووقعت هند بنت عتبة والنسوة اللاتي معها يمثلن بالقتلى ، يجدعن الآذان والآنف ، حتى اتخذت هند من آذان الرجال وآنفهم خدما ، وبقرت عن كبد حمزة فلاكتها ، فلم تستطيع أن تسيغها فلفظتها . ثم علت على صخرة مشرفة ، فصرخت بأعلى صوتها : نحن جزيناكم بيوم بدر والحرب بعد الحرب ذات سعر ما كان عن عتبة لي من صبر ولا أخي ، وعمه وبكري .

شفيت صدري وقضيت نذري شفيت وحشي غليل صدري . وقتل من المشركين ، - على ما ذكر ابن إسحاق - أحد عشر رجلا من بني عبد الدار ، وهم : طلحة ، وأبو سعيد ، وعثمان : بنو أبي طلحة عبد الله بن عبد العزى . ومولاهم : صؤاب ، وبنو طلحة المذكور : مسافع ، والحارث ، والجلاس ، وكلاب .

وأبو زيد بن عمير أخو مصعب بن عمير ، وابن عمه : أرطاة بن شرحبيل بن هاشم ، وابن عمهم : قاسط بن شريح ، ومن بني أسد : عبد الله بن حميد بن زهير الأسدي ، وسباع بن عبد العزى الخزاعي حليف بني أسد . وأربعة من بني مخزوم : أخو أم سلمة ؛ هشام بن أبي أمية بن المغيرة ، والوليد بن العاص بن هشام بن المغيرة ، وأبو أمية بن أبي حذيفة بن المغيرة ، وحليفهم : خالد بن الأعلم . ومن بني زهرة : أبو الحكم بن الأخنس بن شريق ، حليف لهم .

ومن بني جمح : أبي بن خلف . وأبو عزة عمرو بن عبد الله بن عمير . أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بضرب عنقه صبرا ، وذلك أنه أسر يوم بدر ، وأطلقه النبي - صلى الله عليه وسلم - بلا فداء لفقره ، وأخذ عليه أن لا يعين عليه .

فنقض العهد وأسر يوم أحد ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : والله لا تمسح عارضيك بمكة تقول خدعت محمدا مرتين . وأمر به فضربت عنقه . وقيل لم يؤسر سواه .

ومن بني عامر بن لؤي : عبيد بن جابر . وشيبة بن مالك . وقال سليمان بن بلال ، عن عبد الأعلى بن عبد الله بن أبي فروة ، عن قطن بن وهب ، عن عبيد بن عمير ، عن أبي هريرة ، ورواه حاتم بن إسماعيل ، عن عبد الأعلى - فأرسله مرة وأسنده مرة - عن أبي ذر عوض أبي هريرة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - حين انصرف من أحد مر على مصعب بن عمير وهو مقتول - على طريقه - فوقف عليه ودعا له ، ثم قرأ : ﴿من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا .

ثم قال : أشهد أن هؤلاء شهداء عند الله يوم القيامة ، فأتوهم وزوروهم ، والذي نفسي بيده لا يسلم عليهم أحد إلى يوم القيامة إلا ردوا عليه السلام . وقال ابن إسحاق : حدثني محمد بن جعفر بن الزبير ، وحدثنيه بريدة بن سفيان ، عن محمد بن كعب قال : لما رأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما بحمزة من المثل - جدع أنفه ولعب به - قال : لولا أن تجزع صفية وتكون سنة من بعدي ما غيب حتى يكون في بطون السباع وحواصل الطير . وحدثني بريدة ، عن محمد بن كعب قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : لئن ظفرت بقريش لأمثلن بثلاثين منهم .

فلما رأى أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما به من الجزع قالوا : لئن ظفرنا بهم لنمثلن بهم مثلة لم يمثلها أحد من العرب بأحد ، فأنزل الله تعالى : وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ، إلى آخر السورة . فعفا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . وروى ابن إسحاق عن شيوخه الذين روى عنهم قصة أحد ، أن صفية أقبلت لتنظر إلى حمزة - وهو أخوها لأبويها - فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لابنها الزبير : القها فأرجعها ، لا ترى ما بأخيها .

فلقيها فقال : أي أمه ، إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يأمرك أن ترجعي . قالت : ولم ؟ فقد بلغني أنه مثل بأخي ، وذلك في الله ، فما أرضانا بما كان من ذلك ، فلأحتسبن ولأصبرن إن شاء الله . فجاء الزبير فأخبره قولها ، قال : فخل سبيلها .

فأتته ، فنظرت إليه واسترجعت واستغفرت له ثم أمر به فدفن . وقال أبو بكر بن عياش ، عن يزيد بن أبي زياد ، عن مقسم ، عن ابن عباس قال : لما قتل حمزة أقبلت صفية ، فلقيت عليا والزبير ، فأرياها أنهما لا يدريان . فجاءت النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : فإني أخاف على عقلها .

فوضع يده على صدرها ودعا لها ، فاسترجعت وبكت . ثم جاء فقام عليه وقد مثل به فقال : لولا جزع النساء لتركته حتى يحشر من حواصل الطير وبطون السباع . ثم أمر بالقتلى فجعل يصلي عليهم سبع تكبيرات ، ويرفعون ويترك حمزة ، ثم يجاء بسبعة فيكبر عليهم سبعا ، حتى فرغ منهم .

وحديث جابر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يصل عليهم أصح . وفي الصحيحين من حديث عقبة بن عامر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى على قتلى أحد صلاته على الميت . فالله أعلم .

عثمان بن عمر ، وروح بن عبادة ، بإسناد الحاكم في المستدرك إليهما ؛ حدثنا أسامة بن زيد ، عن الزهري ، عن أنس قال : لما كان يوم أحد ، مر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بحمزة وقد جدع ومثل به ، فقال : لولا أن تجد صفية تركته حتى يحشره الله من بطون الطير والسباع . فكفنه في نمرة . ولم يصل على أحد من الشهداء غيره .

الحديث . وقال يحيى الحماني : حدثنا قيس - هو ابن الربيع - عن ابن أبي ليلى ، عن الحكم ، عن مقسم ، عن ابن عباس ، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم قتل حمزة ومثل به : لئن ظفرت بقريش لأمثلن بسبعين منهم فنزلت : وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به الآية . فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : بل نصبر يا رب .

إسناده ضعيف من قبل قيس . وقد روى نحوه حجاج بن منهال ، وغيره ، عن صالح المري - وهو ضعيف - عن سليمان التيمي ، عن أبي عثمان النهدي ، عن أبي هريرة . وزاد : فنظر إلى منظر لم ينظر إلى شيء قط أوجع لقلبه منه .

أخبرنا محمد بن محمد بن صاعد القاضي ؛ قال : أخبرنا الحسن بن أحمد الزاهد ببيت المقدس سنة تسع وعشرين وستمائة ، قال : أخبرنا أحمد بن محمد السلفي ، قال : أخبرنا أبو بكر أحمد بن علي ، قال : أخبرنا الحسن بن أحمد بن إبراهيم ، قال : أخبرنا عبد الله بن جعفر الفارسي ، قال : حدثنا يعقوب الفسوي ، قال : حدثنا عبد الله بن عثمان ، قال : حدثنا عيسى بن عبيد الكندي ، قال : حدثني ربيع بن أنس ، قال : حدثني أبو العالية ، عن أبي بن كعب أنه أصيب من الأنصار يوم أحد أربعة وستون ، وأصيب من المهاجرين ستة ؛ منهم حمزة . فمثلوا بقتلاهم . فقالت الأنصار : لئن أصبنا منهم يوما من الدهر لنربين عليهم .

فلما كان يوم فتح مكة نادى رجل لا يعرف : لا قريش بعد اليوم ، مرتين ، فأنزل الله على نبيه - صلى الله عليه وسلم - : وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به . الآية . فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : كفوا عن القوم .

وقال يونس بن بكير ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه قال : جاءت صفية يوم أحد ومعها ثوبان لحمزة ، فلما رآها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كره أن ترى حمزة على حاله ، فبعث إليها الزبير يحبسها وأخذ الثوبين . وكان إلى جنب حمزة قتيل من الأنصار ، فكرهوا أن يتخيروا لحمزة ، فقال : أسهموا بينهما ، فأيهما طار له أجود الثوبين فهو له . فأسهموا بينهما ، فكفن حمزة في ثوب والأنصاري في ثوب .

وقال يونس ، عن ابن إسحاق : حدثني الزهري ، عن عبد الله بن ثعلبة بن صعير قال : لما أشرف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على قتلى أحد قال : أنا الشهيد على هؤلاء ، ما من جريح يجرح في الله إلا بعث يوم القيامة وجرحه يثعب دما ، اللون لون الدم والريح ريح المسك ، انظروا أكثرهم جمعا للقرآن فاجعلوه أمام صاحبه في القبر . فكانوا يدفنون الاثنين والثلاثة في القبر . قال ابن إسحاق : وحدثني والدي ، عن رجال من بني سلمة ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال حين أصيب عمرو بن الجموح ، وعبد الله بن عمرو بن حرام : اجمعوا بينهما ، فإنهما كانا متصافيين في الدنيا .

قال أبي : فحدثني أشياخ من الأنصار قالوا : لما ضرب معاوية عينه التي مرت على قبور الشهداء ، واستصرخنا عليهم وقد انفجرت عليهما في قبرهما ، فأخرجناهما وعليهما بردتان قد غطي بهما وجوههما . وعلى أقدامهما شيء من نبات الأرض ، فأخرجناهما كأنهما يتثنيان تثنيا كأنما دفنا بالأمس . وهذا هو عمرو بن الجموح بن زيد بن حرام بن كعب بن غنم الأنصاري السلمي ، سيد بني سلمة .

قال ابن سعد وغيره : شهد بدراً . وابنه معاذ بن عمرو بن الجموح هو الذي قطع رجل أبي جهل ، وقضى النبي - صلى الله عليه وسلم - بسلبه لمعاذ . وكان عمرو بن الجموح زوج أخت عبد الله بن عمرو بن حرام .

ثابت البناني ، عن عكرمة قال : كان مناف في بيت عمرو بن الجموح . فلما قدم مصعب بن عمير المدينة ، بعث إليهم عمرو : ما هذا الذي جئتمونا به ؟ قالوا : إن شئت جئنا وأسمعناك ، فواعدهم فجاؤوا ، فقرأ عليه ﴿الر تلك آيات الكتاب المبين ، فقرأ ما شاء الله أن يقرأ . فقال : إن لنا مؤامرة في قومنا - وكان سيد بني سلمة - فخرجوا ، فدخل على مناف فقال : يا مناف ، تعلم والله ما يريد القوم غيرك ، فهل عندك من نكير ؟ - قال : فقلده سيفاً ، وخرج فقام أهله فأخذوا السيف ، فجاء فوجدهم أخذوا السيف فقال : يا مناف أين السيف ويحك ، إن العنز لتمنع استها ، والله ما أرى في أبي جعار غداً من خير .

ثم قال لهم : إني ذاهب إلى مالي فاستوصوا بمناف خيراً . فذهب فكسروا مناف وربطوه مع كلب ميت . فلما جاء رأى مناف ، فبعث إلى قومه فجاؤوه فقال : ألستم على ما أنا عليه - قالوا : بلى ، أنت سيدنا ، قال : فإني أشهدكم أني قد آمنت بمحمد .

فلما كان يوم أحد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : قوموا إلى جنة عرضها السماوات والأرض فقام وهو أعرج ، فقاتل حتى قتل . أبو صالح ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : نعم الرجل عمرو بن الجموح . وروى محمد بن مسلم ، عن عمرو بن دينار ، وروى فطر بن خليفة ، عن حبيب بن أبي ثابت وغيرهما ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : يا بني سلمة من سيدكم ؟ قالوا : الجد بن قيس ، وإنا لنبخله .

قال : وأي داء أدوى من البخل ؟! بل سيدكم الجعد الأبيض عمرو بن الجموح . وقد قال الواقدي : لم يشهد بدراً ، ولما أراد الخروج إلى أحد منعه بنوه وقالوا : قد عذرك الله وبك عرج ، فأتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فأخبره فقال : أما أنت فقد عذرك الله . وقال لبنيه : لا تمنعوه لعل الله يرزقه الشهادة .

فخرج فاستشهد هو وابنه خلاد . إسرائيل ، عن سعيد بن مسروق ، عن أبي الضحى ، أن عمرو بن الجموح قال لبنيه : منعتموني الجنة يوم بدر ، والله لئن بقيت لأدخلن الجنة . فكان يوم أحد في الرعيل الأول .

وقال حماد بن زيد ، عن أيوب ، عن أبي الزبير ، عن جابر قال : استصرخنا إلى قتلانا يوم أحد ، وذلك حين أجرى معاوية العين ، فأتيناهم فأخرجناهم تتثنى أطرافهم رطابا ، على رأس أربعين سنة . قال حماد : وزادني صاحب لي في الحديث : فأصاب قدم حمزة فانثعب دما . وقال ابن عيينة ، عن الأسود ، عن نبيح العنزي ، عن جابر ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمر بقتلى أحد أن يردوا إلى مصارعهم .

وقال أبو عوانة : حدثنا الأسود بن قيس ، عن نبيح العنزي ، عن جابر ، قال : خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى المشركين لقتالهم . فقال لي أبي : ما عليك أن تكون في النظارة حتى تعلم إلى ما يصير أمرنا ، فوالله لولا أني أترك بنات لي بعدي لأحببت أن تقتل بين يدي . فبينما أنا في النظارين إذ جاءت عمتي بأبي وخالي عادلتهما على ناضح ، فدخلت بهما المدينة ، لتدفنهما في مقابرنا ، فجاء رجل ينادي : ألا إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يأمركم أن ترجعوا بالقتلى فتدفنوها في مصارعها .

فبينما أنا في خلافة معاوية ، إذ جاءني رجل فقال : يا جابر ، قد والله أثار أباك عمال معاوية فبدت طائفة منه . قال : فأتيته فوجدته على النحو الذي تركته ، لم يتغير منه شيء إلا ما لم يدع القتيل فواريته . وقال حسين المعلم ، عن عطاء ، عن جابر قال : لما حضر أحد قال أبي : ما أراني إلا مقتولا ، وإني لا أترك بعدي أعز علي منك غير نفس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وإن علي دينا فاقض واستوص بأخواتك خيرا .

فأصبحنا فكان أول قتيل ، فدفنت معه آخر في قبر ، ثم لم تطب نفسي أن أتركه مع آخر ، فاستخرجته بعد ستة أشهر ، فإذا هو كيوم وضعته هنية غير أذنه . أخرجه البخاري . وقال الزهري ، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك ، عن جابر ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يجمع بين الرجلين من قتلى أحد في ثوب ، ثم يقول : أيهما أكثر أخذا للقرآن ؟ فإذا أشير له إلى أحدهما قدمه في اللحد .

وقال : أنا شهيد على هؤلاء يوم القيامة . وأمر بدفنهم بدمائهم ولم يصل عليهم ، ولم يغسلوا . أخرجه البخاري عن قتيبة ، عن الليث ، عنه .

وقال أيوب ، عن حميد بن هلال ، عن هشام بن عامر قال : قالوا يوم أحد : يا رسول الله قد أصابنا قرح وجهد فكيف تأمر ؟ قال : احفروا وأوسعوا وأعمقوا واجعلوا الاثنين والثلاثة في القبر ، وقدموا أكثرهم قرآنا . ومنهم من يقول : حميد بن هلال ، عن سعد بن هشام بن عامر ، عن أبيه . وقال شعبة ، عن ابن المنكدر : سمعت جابرا يقول : لما قتل أبي جعلت أبكي وأكشف الثوب عنه ، وجعل أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - ينهوني ، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا ينهاني ، وقال لا تبكيه ، أو ما تبكيه ، فما زالت الملائكة تظله بأجنحتها حتى رفعتموه .

أخرجاه . وأخرج البخاري من حديث جابر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمر بدفن قتلى أحد في دمائهم ولم يغسلوا ولم يصل عليهم . وكان يجمع بين الرجلين في الثوب الواحد ، ثم يقول : أيهم أكثر أخذا للقرآن ؟ فإذا أشير له إلى أحدهما قدمه في اللحد .

وقال علي بن المديني : حدثنا موسى بن إبراهيم الأنصاري ، سمع طلحة بن خراش ، قال : سمعت جابر بن عبد الله قال : نظر إلي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : ما لي أراك مهتما ؟ قلت : يا رسول الله قتل أبي وترك دينا وعيالا . فقال : ألا أخبرك ؟ ما كلم الله أحدا إلا من وراء حجاب ، وإنه كلم أباك كفاحا ، فقال له : يا عبدي سلني أعطك . فقال : أسألك أن تردني إلى الدنيا فأقتل فيك ثانيا .

فقال : إنه قد سبق مني أنهم إليها لا يرجعون . قال : يا رب فأبلغ من ورائي ، فأنزل الله عز وجل : ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء الآية . ويروى نحوه عن عروة ، عن عائشة .

وكان أبو جابر من سادة الأنصار شهد بدرا ، وهو أحد النقباء ليلة العقبة ، وهو عبد الله بن عمرو بن حرام بن ثعلبة بن حرام بن كعب بن غنم بن كعب بن سلمة . وأمه الرباب بنت قيس من بني سلمة . شهد معه العقبة ولده جابر .

وقال إبراهيم بن سعد ، عن أبيه ، عن جده قال : أتي ابن عوف بطعام فقال : قتل مصعب بن عمير - وكان خيرا مني - فلم يوجد له إلا بردة يكفن فيها ، ما أظننا إلا قد عجلت لنا طيباتنا في حياتنا الدنيا . أخرجه البخاري . وقال الأعمش ، عن أبي وائل ، عن خباب قال : هاجرنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نبتغي وجه الله ، فوجب أجرنا على الله ، فمنا من ذهب لم يأكل من أجره ، وكان منهم مصعب بن عمير ، قتل يوم أحد ، ولم يكن له إلا نمرة ، كنا إذا غطينا رأسه خرجت رجلاه ، وإذا غطينا رجليه خرج رأسه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : غطوا بها رأسه واجعلوا على رجليه من الإذخر .

ومنا من أينعت له ثمرته فهو يهدبها . متفق عليه . وقال يونس ، عن ابن إسحاق : حدثني عبد الواحد بن أبي عون ، عن إسماعيل بن محمد بن سعد بن أبي وقاص ، قال : كانت امرأة من الأنصار من بني ذبيان قد أصيب زوجها وأخوها يوم أحد .

فلما نعوا لها قالت : ما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قالوا : خيرا ، يا أم فلان . فقالت : أرونيه حتى أنظر إليه . فأشاروا لها إليه ، حتى إذا رأته قالت : كل مصيبة بعدك جلل ؛ أي هين .

ويكون في غير ذا بمعنى عظيم . وعن أبي برزة أن جليبيبا كان من الأنصار . فقال النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم لرجل : زوجني ابنتك .

قال : نعم ونعمة عين . قال : لست أريده لنفسي . قال : فلمن ؟ قال : لجليبيب .

قال : حتى أستأمر أمها . فأتاها فأجابت : لرسول الله صلى الله عليه وسلم - قال : إنما يريد ابنتك لجليبيب . قالت : ألجليبيب ؟ لا لعمر الله لا أزوجه .

فلما قام أبوها ليأتي النبي صلى الله عليه وسلم . قالت الفتاة من خدرها لأبويها : من خطبني ؟ قالا : رسول الله قالت : أفتردون عليه أمره ؟ ادفعوني إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه لن يضيعني . فذهب أبوها إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : شأنك بها .

فزوجها جليبيبا ، ودعا لهما . فبينما رسول الله صلى الله عليه وسلم في مغزى له قال : هل تفقدون من أحد ؟ قالوا : نفقد فلانا ونفقد فلانا . قال : لكني أفقد جليبيبا ، فاطلبوه ، فنظروا فوجدوه إلى جنب سبعة قد قتلهم ، ثم قتلوه .

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : هذا مني وأنا منه . قتل سبعة ثم قتلوه . فوضعوه على ساعديه ثم حفروا له ، ما له سرير إلا ساعدَا رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى وضعه في قبره .

قال ثابت البناني : فما في الأنصار أنفق منها . أخرجه مسلم من حديث حماد بن سلمة ، عن ثابت ، عن كنانة بن نعيم ، عن أبي برزة . وقال الأعمش ، عن عبد الله بن مرة ، عن مسروق : سألنا عبد الله بن مسعود عن قوله تعالى : ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا ، قال : أما إنا قد سألنا عن ذلك ، فقال : أرواحهم في جوف طير خضر تسرح في الجنة حيث شاءت ، ثم تأوي إلى قناديل معلقة بالعرش .

قال : فبينما هم كذلك إذ اطلع عليهم ربك اطلاعة فقال : سلوني ما شئتم . فقالوا : يا ربنا وما نسألك ؟ ونحن نسرح في الجنة في أيها شئنا ، فلما رأوا أن لا يتركوا من أن يسألوا قالوا : نسألك أن ترد أرواحنا إلى أجسادنا في الدنيا فنقتل في سبيلك . فلما رأى أنهم لا يسألون إلا هذا ، تركوا .

أخرجه مسلم . وقال عبد الله بن إدريس ، عن محمد بن إسحاق ، عن إسماعيل بن أمية ، عن أبي الزبير ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : لما أصيب إخوانكم بأحد ، جعل الله أرواحهم في أجواف طير خضر ترد أنهار الجنة وتأكل من ثمارها ، وتأوي إلى قناديل من ذهب معلقة في ظل العرش . فلما وجدوا طيب مأكلهم ومشربهم ومقيلهم ، قالوا : من يبلغ إخواننا عنا أنا أحياء في الجنة نرزق ، لئلا ينكلوا عند الحرب ولا يزهدوا في الجهاد .

قال الله تعالى : أنا أبلغهم عنكم ، فأنزلت : ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا . وقال يونس عن ابن إسحاق : حدثني عاصم بن عمر بن قتادة ، عن عبد الرحمن بن جابر بن عبد الله ، عن أبيه : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إذا ذكر أصحاب أحد : أما والله لوددت أني غودرت مع أصحاب نحص الجبل ، يقول : قتلت معهم . وقال الليث ، عن يزيد بن أبي حبيب ، عن أبي الخير ، عن عقبة بن عامر ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج يوما فصلى على أهل أحد صلاته على الميت ، ثم انصرف إلى المنبر فقال : إني فرطكم وأنا شهيد عليكم .

الحديث أخرجه البخاري . وروى العطاف بن خالد : حدثني عبد الأعلى بن عبد الله بن أبي فروة ، عن أبيه ؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم زار قبور الشهداء بأحد . وروى عبد العزيز بن عمران بن موسى : عن عباد بن أبي صالح ، عن أبيه ، عن أبي هريرة قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتي قبور الشهداء ، فإذا أتى فرضة الشعب يقول : ال﴿سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار .

وكان يفعله أبو بكر ثم عمر بعده ثم عثمان . وذكر نحو هذا الحديث الواقدي في مغازيه بلا سند . وقال أبو حسان الزيادي : ومات في شوال يوم جمعة عمرُو بن مالك الأنصاري أحد بني النجار ، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أحد فصلى عليه في موضع الجبان .

وكان أول من فعل به ذلك .

موقع حَـدِيث