إسلام ملوك اليمن
إسلام ملوك اليمن قال : وقدم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كتاب ملوك حمير؛ مقدمه من تبوك ، ورسولهم إليه بإسلامهم : الحارث بن عبد كلال ، ونعيم بن عبد كلال ، والنعمان قيل ذي رعين ، ومعافر ، وهمدان . وبعث إليه ذو يزن ، مالك بن مرة الرهاوي بإسلامهم . فكتب إليهم النبي - صلى الله عليه وسلم - كتابا يذكر فيه فريضة الصدقة .
وأرسل إليهم معاذ بن جبل في جماعة ، وقال لهم : إني قد أرسلت إليكم من صالحي أهلي ، وأولي دينهم وأولي علمهم ، وآمركم بهم خيرا ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته . وقال إبراهيم بن يوسف بن أبي إسحاق السبيعي ، عن أبيه ، عن جده ، عن البراء ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - بعث خالد بن الوليد إلى أهل اليمن ، يدعوهم إلى الإسلام . قال البراء : فكنت فيمن خرج مع خالد ، فأقمنا ستة أشهر يدعوهم إلى الإسلام فلم يجيبوه .
ثم إن النبي - صلى الله عليه وسلم - بعث عليا - رضي الله عنه - ، فأمره أن يقفل خالدا ، إلا رجل كان يمم مع خالد أحب أن يعقب مع علي فليعقب معه . فكنت فيمن عقب مع علي . فلما دنونا من القوم خرجوا إلينا ، فصلى بنا علي ، ثم صفنا صفا واحدا ، ثم تقدم بين أيدينا وقرأ عليهم كتاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأسلمت همدان جمعا .
فكتب علي إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بإسلامهم ، فلما قرأ الكتاب خر ساجدا ثم رفع رأسه فقال : السلام على همدان ، السلام على همدان . هذا حديث صحيح أخرج البخاري بعضه بهذا الإسناد . وقال الأعمش ، عن عمرو بن مرة ، عن أبي البختري ، عن علي : بعثني النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى اليمن .
فقلت : يا رسول الله ، تبعثني وأنا شاب أقضي بينهم ولا علم لي بالقضاء ؟ فضرب بيده في صدري وقال : اللهم اهد قلبه وثبت لسانه . فما شككت في قضاء بين اثنين . أخرجه ابن ماجه .
وقال محمد بن علي ، وعطاء ، عن جابر ، أن عليا قدم من اليمن على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حجة الوداع . متفق عليه من حديث عطاء . وقال شعبة ، وغيره ، عن سعيد بن أبي بردة ، عن أبيه ، عن أبي موسى؛ أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعثه ومعاذ بن جبل إلى اليمن ، فقال : يسرا ولا تعسرا ، وبشرا ولا تنفرا ، وتطاوعا .
متفق عليه ، ومن أوجه أخر بأطول من هذا . وفي الصحيح للبخاري ، من حديث طارق بن شهاب ، عن أبي موسى ، قال : بعثني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى أرض قومي . قال : فجئته وهو منيخ بالأبطح ، فسلمت عليه .
فقال : أحججت يا عبد الله بن قيس ؟ قلت : نعم . قال : كيف قلت ؟ قال : قلت : لبيك إهلالا كإهلالك . فقال : أسقت هديا ؟ قلت : لم أسق هديا .
قال : فطف بالبيت واسع ثم حل . ففعلت . وذكر الحديث .
أما معاذ فالأشبه أنه لم يرجع من اليمن حتى توفي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . وقال ابن إسحاق : حدثني عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم ، عن أبيه ، قال : هذا كتاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عندنا ، الذي كتبه لعمرو بن حزم ، حين بعثه إلى اليمن يفقه أهلها ويعلمهم السنة ويأخذ صدقاتهم ، فكتب له كتابا وعهدا وأمره فيه أمره : ﴿بسم الله الرحمن الرحيم ﴾. هذا كتاب من الله ورسوله .
يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود . عهدا من رسول الله – صلى الله عليه وسلم - لعمرو بن حزم حين بعثه إلى اليمن . أمره بتقوى الله في أمره كله .
ف﴿إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون ﴾. وأمره أن يأخذ الحق كما أمره ، وأن يبشر الناس بالخير ، ويأمرهم به ، ويعلم الناس القرآن ، ويفقههم فيه ، ولا يمس القرآن أحد إلا وهو طاهر ، ويخبر الناس بالذي لهم ، والذي عليهم ، ويلين لهم في الحق ، ويشتد عليهم في الظلم ، فإن الله كره الظلم ونهى عنه ، وقال : ألا لعنة الله على الظالمين . ويبشر الناس بالجنة وبعملها ، وينذر الناس من النار وعملها ، ويستألف الناس حتى يفقهوا في الدين ، ويعلم الناس معالم الحج وسننه وفرائضه وما أمر الله به ، والحج الأكبر والحج الأصغر ، فالحج الأصغر العمرة .
وينهى الناس أن يصلي الرجل في ثوب واحد صغير ، إلا أن يكون واسعا فيخالف بين طرفيه على عاتقيه ، وينهى أن يحتبي الرجل في ثوب واحد ويفضي إلى السماء بفرجه . ولا يعقد شعر رأسه إذا عفى في قفاه . وينهى الناس إن كان بينهم هيج أن يدعوا إلى القبائل والعشائر ، وليكن دعاؤهم إلى الله وحده لا شريك له .
فمن لم يدع إلى الله عز وجل ، ودعا إلى العشائر والقبائل فليعطفوا بالسيف حتى يكون دعاؤهم إلى الله وحده لا شريك له . ويأمر الناس بإسباغ الوضوء ؛ وجوههم وأيديهم إلى المرافق ، وأرجلهم إلى الكعبين ، وأن يمسحوا رؤوسهم كما أمر الله ، وأمروا بالصلاة لوقتها ، وإتمام الركوع والخشوع ، وأن يغلس بالصبح ، ويهجر بالهاجرة حين تميل الشمس ، وصلاة العصر والشمس في الأرض مدبرة ، والمغرب حين يقبل الليل ، لا تؤخر حتى تبدو النجوم في السماء ، والعشاء أول الليل . وأمره بالسعي إلى الجمعة إذا نودي بها ، والغسل عند الرواح إليها .
وأمره أن يأخذ من المغانم خمس الله عز وجل ، وما كتب على المؤمنين في الصدقة من العقار فيما سقى الغيل وفيما سقت السماء العشر ، وفيما سقت الغرب فنصف العشر . ثم ذكر زكاة الإبل والبقر ، مختصرا . قال : وعلى كل حالم ، ذكر أو أنثى ، حر أو عبد ، من اليهود والنصارى ، دينار واف أو عرضه من الثياب .
فمن أدى ذلك كان له ذمة الله وذمة رسوله ، ومن منع ذلك فإنه عدو الله ورسوله والمؤمنين . وقد روى سليمان بن داود ، عن الزهري ، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم ، عن أبيه ، عن جده ، نحو هذا الحديث موصولا؛ بزيادات كثيرة في الزكاة ، ونقص عما ذكرنا في السنن . وقال أبو اليمان : حدثنا صفوان بن عمرو ، عن راشد بن سعد ، عن عاصم بن حميد السكوني : أن معاذا لما بعثه النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى اليمن ، فخرج النبي - صلى الله عليه وسلم - يوصيه ، ومعاذ راكب ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - يمشي تحت راحلته ، فلما فرغ قال : يا معاذ ، إنك عسى أن لا تلقاني بعد عامي هذا ، ولعلك أن تمر بمسجدي وقبري .
فبكى معاذ جشعا لفراق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : لا تبك يا معاذ ، البكاء من الشيطان . وقال ابن إسحاق : حدثني محمد بن جعفر بن الزبير قال : لما قدم وفد نجران على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دخلوا عليه مسجده بعد العصر فحانت صلاتهم ، فقاموا يصلون في مسجده ، فأراد الناس منعهم . فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : دعوهم .
فاستقبلوا المشرق فصلوا صلاتهم . وقال ابن إسحاق : حدثني بريدة بن سفيان ، عن ابن البيلماني ، عن كرز بن علقمة ، قال : قدم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفد نصارى نجران ؛ ستون راكبا ، منهم أربعة وعشرون من أشرافهم ، منهم : العاقب أمير القوم وذو رأيهم ، صاحب مشورتهم ، والذين لا يصدرون إلا عن رأيه وأمره ؛ واسمه عبد المسيح . والسيد ثمالهم وصاحب رحلهم ومجتمعهم ؛ واسمه الأيهم .
وأبو حارثة بن علقمة ، أحد بكر بن وائل؛ أسقفهم وحبرهم وإمامهم وصاحب مدراسهم . وكان أبو حارثة قد شرف فيهم ودرس كتبهم حتى حسن علمه في دينهم . وكانت ملوك الروم من أهل النصرانية قد شرفوه ومولوه وبنوا له الكنائس .
فلما توجهوا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من نجران ، جلس أبو حارثة على بغلة له موجها إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإلى جنبه أخ له ؛ يقال له : كرز بن علقمة؛ يسايره ، إذ عثرت بغلة أبي حارثة ، فقال له كرز : تعس الأبعد؛ يريد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . فقال له أبو حارثة : بل أنت تعست . فقال له : لم يا أخي ؟ فقال : والله إنه للنبي الذي كنا ننتظره .
قال له كرز : فما يمنعك وأنت تعلم هذا ؟ قال : ما صنع بنا هؤلاء القوم؛ شرفونا ومولونا ، وقد أبوا إلا خلافه ، ولو فعلت نزعوا منا كل ما ترى . فأضمر عليها أخوه كرز بن علقمة حتى أسلم بعد ذلك . قال ابن إسحاق : وحدثني محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت ، قال : حدثني سعيد بن جبير ، أو عكرمة ، عن ابن عباس قال : اجتمعت نصارى نجران وأحبار يهود عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فتنازعوا ، فقالت الأحبار : ما كان إبراهيم إلا يهوديا ، وقالت النصارى : ما كان إلا نصرانيا .
فأنزل الله فيهم : يا أهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده الآيات . فقال أبو رافع القرظي : أتريد منا يا محمد أن نعبدك كما تعبد النصارى عيسى ابن مريم ؟ فقال رجل من نجران يقال له الربيس : وذلك تريد يا محمد وإليه تدعو ؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : معاذ الله أن آمر بعبادة غير الله . فنزلت ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم إلى قوله من الشاهدين .
الآيات . وقال إسرائيل وغيره ، عن أبي إسحاق ، عن صلة ، عن ابن مسعود ، ورواه شعبة ، وسفيان ، عن أبي إسحاق فقالا حذيفة بدل ابن مسعود : إن السيد والعاقب أتيا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأراد أن يلاعنهما ، فقال أحدهما لصاحبه : لا تلاعنه ، فوالله لئن كان نبيا فلاعنته لا نفلح نحن ولا عقبنا من بعدنا . قالوا له : نعطيك ما سألت ، فابعث معنا رجلا أمينا .
ولا تبعث معنا إلا أمينا . فقال : لأبعثن معكم رجلا أمينا حق أمين . فاستشرف لها أصحابه .
فقال : قم ، يا أبا عبيدة بن الجراح . فلما قام قال : هذا أمين هذه الأمة . أخرجه البخاري من حديث حذيفة .
وقال إدريس الأودي ، عن سماك بن حرب ، عن علقمة بن وائل ، عن المغيرة بن شعبة قال : بعثني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى نجران . فقالوا فيما قالوا : أرأيت ما تقرؤون : يا أخت هارون وقد كان بين عيسى وموسى ما قد علمتم ؟ قال : فأتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - فأخبرته ، فقال : أفلا أخبرتهم أنهم كانوا يسمون بأسماء أنبيائهم والصالحين قبلهم . أخرجه مسلم .
وقال ابن إسحاق : بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خالد بن الوليد في شهر ربيع الآخر ، أو جمادى الأولى ، سنة عشر ، إلى بني الحارث بن كعب بنجران ، وأمره أن يدعوهم إلى الإسلام ، قبل أن يقاتلهم ، ثلاثا . فخرج خالد حتى قدم عليهم ، فبعث الركبان يضربون في كل وجه ويدعون إلى الإسلام ، ويقولون : أيها الناس ، أسلموا تسلموا . فأسلم الناس ، فأقام خالد يعلمهم الإسلام ، وكتب إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بذلك .
ثم قدم وفدهم مع خالد إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومن أعيانهم : قيس بن الحصين ذو الغصة ، ويزيد بن عبد المدان ، ويزيد بن المحجل . قال : فأمر عليهم النبي - صلى الله عليه وسلم - قيسا . وقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - بعث إليهم ، بعد أن ولى وفدهم ، عمرو بن حزم ليفقههم ويعلمهم السنة ، ويأخذ منهم صدقاتهم .
وفي عاشر ربيع الأول توفي إبراهيم ابن النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو ابن سنة ونصف . وغسله الفضل بن العباس . ونزل قبره الفضل وأسامة بن زيد فيما قيل .
وكان أبيض مسمنا ، كثير الشبه بوالده - صلى الله عليه وسلم - . وقال ثابت ، عن أنس ، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ولد لي الليلة غلام فسميته بأبي إبراهيم ففيه دليل على تسمية الولد ليلية مولده . ثم دفعه إلى أم سيف؛ يعني امرأة قين بالمدينة يقال له أبو سيف .
قال أنس : فانطلق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بابنه وانطلقت معه ، فدخل فدعا بالصبي فضمه إليه ، وقال ما شاء الله أن يقول . قال أنس : فلقد رأيت إبراهيم بين يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يكيد بنفسه ، فدمعت عينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال : تدمع العين ويحزن القلب ولا نقول إلا ما يرضي الرب . والله يا إبراهيم إنا بك لمحزونون .
أخرجه مسلم والبخاري تعليقا مجزوما به . وقال شعبة ، عن عدي بن ثابت ، عن البراء ، قال : لما توفي إبراهيم ابن رسول الله قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إن له مرضعا تتم رضاعه في الجنة . أخرجه البخاري .
وقال جعفر بن محمد الصادق ، عن أبيه ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى على ابنه إبراهيم حين مات . وفيها : مات أبو عامر الراهب ، الذي كان عند هرقل عظيم الروم . وفيها : ماتت بوران بنت كسرى ملكة الفرس ، وملكوا بعدها أختها آزرمن .
قاله أبو عبيدة . وفي أواخر ذي القعدة : ولد محمد بن أبي بكر الصديق ، ولدته أسماء بنت عميس ، بذي الحليفة ، وهي مع النبي - صلى الله عليه وسلم - . قال جابر بن عبد الله : خرجنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى أتينا ذا الحليفة ، فولدت أسماء بنت عميس محمد بن أبي بكر ، فأرسلت إليه : كيف أصنع ؟ فقال : اغتسلي واستثفري بثوب وأحرمي .
وفيها : ولد محمد بن عمرو بن حزم ، بنجران ، وأبوه بها .