حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
تاريخ الإسلام

حجة الوداع

حجة الوداع قال جعفر بن محمد الصادق ، عن أبيه ، عن جابر ، قال : أذن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الناس بالحج ، فاجتمع في المدينة بشر كثير . فخرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لخمس بقين من ذي القعدة ، أو لأربع ، فلما كان بذي الحليفة ولدت أسماء بنت عميس محمد بن أبي بكر الصديق ، فأرسلت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : كيف أصنع ؟ فقال : اغتسلي واستثفري بثوب . وصلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في المسجد ، وركب القصواء حتى استوت به على البيداء ، فنظرت إلى مد بصري ، بين يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من راكب وماش ، وعن يمينه مثل ذلك ، وعن يساره مثل ذلك ، ومن خلفه مثل ذلك .

فأهل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالتوحيد ، وأهل الناس بهذا الذي يهلون به ، فلم يرد عليهم شيئا منه . ولزم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تلبيته . ولسنا ننوي إلا الحج ، لسنا نعرف العمرة ، حتى أتينا البيت معه استلم الركن فرمل ثلاثا ومشى أربعا ، ثم تقدم إلى مقام إبراهيم فقرأ : واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى فجعل المقام بينه وبين البيت .

قال جعفر : فكان أبي يقول : - لا أعلمه ذكره إلا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - - كان يقرأ في الركعتين ﴿قل هو الله أحد و ﴿قل يا أيها الكافرون ثم رجع إلى البيت فاستلم الركن ، ثم خرج من الباب إلى الصفا ، حتى إذا دنا من الصفا قرأ : إن الصفا والمروة من شعائر الله ، أبدأ بما بدأ الله به ، فبدأ بالصفا فرقي عليه ، حتى إذا رأى البيت فكبر وهلل وقال : لا إله إلا الله وحده ، لا شريك له ، له الملك وله الحمد ، يحيي ويميت ، وهو على كل شيء قدير . لا إله إلا الله وحده ، أنجز وعده ، ونصر عبده ، وهزم الأحزاب وحده . ثم دعا بين ذلك ، فقال مثل ذلك ثلاث مرات .

ثم نزل إلى المروة ، حتى إذا انصبت قدماه رمل في بطن الوادي ، حتى إذا صعد مشى حتى أتى المروة ، فعلا عليها وفعل كما فعل على الصفا . فلما كان آخر الطواف على المروة قال : إني لو استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي وجعلتها عمرة . فمن كان منكم ليس معه هدي فليحلل وليجعلها عمرة .

فحل الناس كلهم وقصروا ، إلا النبي - صلى الله عليه وسلم - ومن كان معه الهدي . فقام سراقة بن مالك بن جعشم فقال : يا رسول الله ألعامنا هذا أم للأبد ؟ قال : فشبك أصابعه وقال : دخلت العمرة في الحج هكذا مرتين ، لا ؛ بل لأبد الأبد . وقدم علي - رضي الله عنه - من اليمن ببدن إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فوجد فاطمة ممن حل ولبست ثيابا صبيغا واكتحلت ، فأنكر عليها .

فقالت : أبي أمرني بهذا . فكان علي يقول بالعراق : فذهبت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - محرشا بالذي صنعته ، مستفتيا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : صدقت ، صدقت . ماذا قلت حين فرضت الحج ؟ قال : قلت : اللهم إني أهل بما أهل به رسولك .

قال : فإن معي الهدي فلا تحلل . قال : فكان الهدي الذي جاء معه ، والهدي الذي أتى به النبي - صلى الله عليه وسلم - من المدينة مائة . ثم حل الناس وقصروا ، إلا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومن معه هدي .

فلما كان يوم التروية وجهوا إلى منى ، أهلوا بالحج ، وركب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فصلى بمنى الظهر والعصر والمغرب والعشاء والصبح . ثم مكث قليلا حتى طلعت الشمس ، وأمر بقبة من شعر فضربت له بنمرة ، فسار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا تشك قريش إلا أنه واقف عند المشعر الحرام ، كما كانت قريش تصنع في الجاهلية ، فأجازه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى أتى عرفة ، فوجد القبة فنزل بها ، حتى إذا زاغت الشمس أمر بالقصواء فرحلت له ، فركب حتى أتى بطن الوادي ، فخطب الناس فقال : إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام ، كحرمة يومكم هذا ، في شهركم هذا ، في بلدكم هذا . ألا وإن كل شيء من أمر الجاهلية موضوع تحت قدمي ، ودماء الجاهلية موضوعة .

وأول دم أضعه من دمائنا دم ربيعة بن الحارث؛ كان مسترضعا في بني سعد فقتلته هذيل . وربا الجاهلية موضوع كله ، فاتقوا الله في النساء ، فإنكم أخذتموهن بأمانة الله ، واستحللتم فروجهن بكلمة الله ، وإن لكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم من تكرهونه ، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربا غير مبرح . ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف .

وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به؛ كتاب الله تعالى . وأنتم مسؤولون عني ، فما أنتم قائلون ؟ قالوا : نشهد أن قد بلغت وأديت ونصحت . فقال : بإصبعه السبابة ، يرفعها إلى السماء وينكبها إلى الناس : اللهم اشهد؛ ثلاث مرات .

ثم أذن بلال ، ثم أقام فصلى الظهر ، ثم أقام فصلى العصر ، ولم يصل بينهما شيئا . ثم ركب حتى أتى الموقف ، فجعل بطن ناقته إلى الصخرات ، وجعل حبل المشاة بين يديه ، واستقبل القبلة فلم يزل واقفا حتى غربت الشمس ، وذهبت الصفرة قليلا حين غاب القرص ، وأردف أسامة بن زيد خلفه فدفع وقد شنق للقصواء الزمام ، حتى إن رأسها ليصيب مورك رحله ، ويقول بيده : أيها الناس ، السكينة السكينة ، كلما أتى حبلا من الحبال أرخى لها قليلا حتى تصعد . حتى أتى المزدلفة ، فصلى بها المغرب والعشاء بأذان وإقامتين ، ولم يصل بينهما شيئا .

ثم اضطجع حتى طلع الفجر ، فصلى الفجر حين تبين له الصبح بأذان وإقامة . ثم ركب القصواء حتى أتى المشعر الحرام فرقي عليه فحمد الله وكبره وهلله . فلم يزل واقفا حتى أسفر جدا ، ثم دفع قبل أن تطلع الشمس ، وأردف الفضل بن عباس ، وكان رجلا حسن الشعر وسيما .

فلما دفع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مر الظعن يجرين ، فطفق الفضل ينظر إليهن ، فوضع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يده على وجه الفضل ، فصرف الفضل وجهه من الشق الآخر ، فحول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يده على وجه الفضل . حتى إذا أتى محسرا حرك قليلا ، ثم سلك الطريق الوسطى التي تخرجك على الجمرة الكبرى ، حتى أتى الجمرة التي عند المسجد ، فرمى بسبع حصيات ، يكبر مع كل حصاة منها مثل حصى الخذف رمى من بطن الوادي . ثم انصرف إلى المنحر ، فنحر ثلاثا وستين بدنة ، وأعطى عليا ، - رضي الله عنه - فنحر ما غبر وأشركه في هديه .

ثم أمر من كل بدنة ببضعة فجعلت في قدر ، وطبخت ، فأكلا من لحمها وشربا من مرقها . ثم أفاض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى البيت ، فصلى بمكة الظهر ، فأتى على بني عبد المطلب يسقون من بئر زمزم ، فقال : انزعوا بني عبد المطلب ، فلولا أن يغلبكم الناس على سقايتكم لنزعت معكم . فناولوه دلوا فشرب منه .

أخرجه مسلم ، دون قوله : يحيى ويميت . وقال شعبة ، عن قتادة ، عن أبي حسان الأعرج ، عن ابن عباس : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما أتى ذا الحليفة أشعر بدنة من جانب سنامها الأيمن ، ثم سلت عنها الدم ، وأهل بالحج . أخرجه مسلم .

وقال أيمن بن نابل ، حدثني قدامة بن عبد الله ، قال : رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يرمي جمرة العقبة على ناقة حمراء؛ وفي رواية صهباء ؛ لا ضرب ولا طرد ولا إليك إليك . حديث حسن . وقال ثور بن يزيد ، عن راشد بن سعد ، عن عبد الله بن لحي ، عن عبد الله بن قرط قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أفضل الأيام عند الله يوم النحر ، ثم يوم القر ، يستقر فيه الناس ، وهو الذي يلي يوم النحر .

قدم إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بدنات ، خمس أو ست ، فطفقن يزدلفن إليه بأيتهن يبدأ ، فلما وجبت جنوبها قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كلمة خفية لم أفهمها ، فقلت للذي إلى جنبي : ما قال ؟ قال : قال : من شاء اقتطع . حديث حسن . وقال هشام ، عن ابن سيرين ، عن أنس ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رمى الجمرة ، ثم رجع إلى منزله بمنى ، فذبح ، ثم دعا بالحلاق فأخذ بشق رأسه الأيمن فحلقه ، فجعل يقسمه الشعرة والشعرتين ، ثم أخذ بشق رأسه الأيسر فحلقه ، ثم قال : ها هنا أبو طلحة ؟ فدفعه إلى أبي طلحة .

رواه مسلم . وقال أبان العطار ، حدثنا يحيى ، قال : حدثني أبو سلمة ، أن محمد بن عبد الله بن زيد حدثه ، أن أباه شهد المنحر عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقسم بين أصحابه ضحايا ، فلم يصبه ولا رفيقه . قال : فحلق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رأسه في ثوبه فأعطاه ، فقسم منه على رجال ، وقلم أظفاره فأعطى صاحبه .

فإنه لمخضوب عندنا بالحناء والكتم . وقال علي بن الجعد : حدثنا الربيع بن صبيح ، عن يزيد الرقاشي ، عن أنس ، قال : حج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على رحل رث وقطيفة تساوي ، أو لا تساوي ، أربعة دراهم . وقال : اللهم حجة لا رياء فيها ولا سمعة .

يزيد ضعيف . وقال أبو عميس ، عن قيس بن مسلم ، عن طارق بن شهاب ، قال : جاء رجل من اليهود إلى عمر - رضي الله عنه - ، فقال : يا أمير المؤمنين ، آية في كتابكم تقرؤونها لو علينا معشر اليهود نزلت لاتخذنا ذلك اليوم عيدا . قال : أي آية ؟ قال : اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا .

فقال : إني لأعلم اليوم الذي نزلت فيه ، والمكان الذي نزلت فيه : نزلت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعرفات في يوم جمعة . متفق عليه . وقال حماد بن سلمة ، عن عمار بن أبي عمار ، قال : كنت عند ابن عباس وعنده يهودي ، فقرأ : اليوم أكملت لكم دينكم الآية .

فقال اليهودي : لو أنزلت علينا لاتخذنا يومها عيدا . فقال ابن عباس : فإنها نزلت في يوم عيد ؛ يوم جمعة ، يوم عرفة . صحيح على شرط مسلم .

وقال ابن جريج ، عن أبي الزبير ، أخبره أنه سمع جابرا يقول : رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - يرمي الجمرة على راحلته يوم النحر ، ويقول : خذوا مناسككم ، فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه . أخرجه مسلم . وقال إسماعيل بن أبي أويس : حدثني أبي ، عن ثور بن زيد ، عن عكرمة ، عن ابن عباس : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خطب الناس في حجة الوداع فقال : إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم ، ولكنه رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحاقرون من أعمالكم ، فاحذروه .

أيها الناس : إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به لن تضلوا أبدا ، كتاب الله وسنة نبيه . إن كل مسلم أخو المسلم ، المسلمون إخوة ، ولا يحل لامرئ من مال أخيه إلا ما أعطاه عن طيب نفس ، ولا تظلموا ، ولا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض . وقال يونس بن بكير ، عن ابن إسحاق : حدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير ، عن أبيه ، قال : وكان ربيعة بن أمية بن خلف الجمحي هو الذي يصرخ يوم عرفة تحت لبة ناقة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .

قال له : اصرخ : أيها الناس - وكان صيتا - هل تدرون أي شهر هذا ؟ فصرخ ، فقالوا : نعم ، الشهر الحرام . قال : فإن الله حرم عليكم دماءكم وأموالكم إلى أن تلقوا ربكم كحرمة شهركم هذا . وذكر الحديث .

وقال الزهري ، من حديث الأوزاعي ، عنه ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين أراد أن ينفر من منى قال : إنا نازلون غدا إن شاء الله بالمحصب بخيف بني كنانة ، حيث تقاسموا على الكفر . وذلك أن قريشا تقاسموا على بني هاشم وعلى بني المطلب أن لا يناكحوهم ولا يخالطوهم حتى يسلموا إليهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . اتفقا عليه .

وقال أفلح بن حميد ، عن القاسم ، عن عائشة قالت : خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليالي الحج . قالت : فلما تفرقنا من منى نزلنا المحصب . وذكر الحديث .

متفق عليه . وقال أبو إسحاق السبيعي ، عن زيد بن أرقم : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - غزا تسع عشرة غزوة ، وحج بعد ما هاجر حجة الوداع ، لم يحج بعدها . قال أبو إسحاق من قبله : وواحدة بمكة .

اتفقا عليه . ويروى عن ابن عباس أنه كان يكره أن يقال : حجة الوداع ، ويقول : حجة الإسلام . وقال زيد بن الحباب : حدثنا سفيان ، عن جعفر بن محمد ، عن أبيه ، عن جابر : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - حج ثلاث حجج قبل أن يهاجر ، وحجة بعد ما هاجر معها عمرة ، وساق ستا وثلاثين بدنة ، وجاء علي بتمامها من اليمن ، فيها جمل لأبي جهل في أنفه برة من فضة ، فنحرها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .

تفرد به زيد . وقيل : إنه أخطأ ، وإنما يروى عن سفيان ، عن أبي إسحاق ، عن مجاهد ؛ مرسلا . قال أبو بكر البيهقي : قوله : وحجة معها عمرة فإنما يقول ذلك أنس - رضي الله عنه - ، ومن ذهب من الصحابة إلى أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قرن ، فأما من ذهب إلى أنه أفرد ، فإنه لا يكاد تصح عنده هذه اللفظة لما في إسناده من الاختلاف وغيره .

وقال وكيع ، عن سفيان ، عن ابن جريج ، عن مجاهد قال : حج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثلاث حجج ؛ حجتين وهو بمكة قبل الهجرة ، وحجة الوداع ، والله أعلم . وفي آخر السنة : كان ظهور الأسود العنسي ، وسيأتي ذكره .

موقع حَـدِيث