عبد الرحمن بن عوف بن عبد عوف
ع : عبد الرحمن بن عوف بن عبد عوف بن عبد الحارث بن زهرة بن كلاب ، أبو محمد القرشي الزهري . أحد العشرة المشهود لهم بالجنة ، وأحد الثمانية الذين سبقوا إلى الإسلام ، وأحد الستة أصحاب الشورى . روى عنه بنوه إبراهيم ، وحميد ، وعمرو ، ومصعب ، وأبو سلمة ، ومالك بن أوس بن الحدثان ، وأنس بن مالك ، ومحمد بن جبير بن مطعم ، وغيلان بن شرحبيل ، وآخرون .
وكان اسمه في الجاهلية عبد عمرو ، وقيل : عبد الكعبة . وكان على ميمنة عمر في قدمته إلى الجابية ، وعلى ميسرته في نوبة سرغ . مولده بعد الفيل بعشر سنين ، وقد أسقط البخاري وغيره عبدا من نسبه .
وقال الهيثم بن كليب وغيره : عبد الحارث في عبد بن الحارث . وعن عبد الرحمن قال : كان اسمي عبد عمرة ، فسماني رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الرحمن . وعن سهلة بنت عاصم قالت : كان عبد الرحمن أبيض ، أعين ، أهدب الأشفار ، أقنى ، طويل النابين الأعليين ، ربما أدمى نابه شفته .
له جمة أسفل أذنيه ، أعنق ، ضخم الكفين . وقال ابن إسحاق : كان عبد الرحمن ساقط الثنيتين ، أهتم أعسر ، أعرج ، كان قد أصيب يوم أحد فهتم ، وجرح عشرين جراحة ، بعضها في رجله فعرج . وعن يعقوب بن عتبة قال : كان طوالا ، حسن الوجه ، رقيق البشرة ، فيه جنأ ، أبيض بحمرة ، لا يغير شيبه .
وقال صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن ، عن أبيه قال : كنا نسير مع عثمان ، فرأى أبي فقال عثمان : ما يستطيع أحد أن يعتد على هذا الشيخ ، فضلا في الهجرتين جميعا . وعن أنس قال : قدم عبد الرحمن المدينة فآخى النبي صلى الله عليه وسلم بينه وبين سعد بن الربيع الخزرجي ، فقال : إن لي زوجتين ، فانظر أيهما شئت حتى أطلقها لتتزوجها وأشاطرك نصف مالي ، فقال : بارك الله لك في أهلك ومالك ، ولكن دلوني على السوق ، فذهب ورجع وقد حصل شيئا . وقد روى أحمد في مسنده من حديث أنس ، أن عبد الرحمن أثرى وكثر ماله حتى قدمت له مرة سبع مائة راحلة تحمل البر والدقيق ، فلما قدمت سمع لها أهل المدينة رجة ، فبلغ ذلك عائشة ، فقالت : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : عبد الرحمن بن عوف لا يدخل الجنة إلا حبوا ، فلما بلغه قال : يا أمه أشهدك أنها بأحمالها وأحلاسها في سبيل الله .
قلت : كان تاجرا سعيدا فتح عليه في التجارة وتمول ، حتى إنه باع مرة أرضا بأربعين ألف دينار فتصدق بها ، وحمل على خمس مائة فرس في سبيل الله ، ثم على خمس مائة راحلة . وفي الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم غاب مرة فقدموا عبد الرحمن يصلي بالناس ، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي بالناس ، فأراد أن يتأخر ، فأومأ إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن اثبت مكانك ، فصلى وصلى رسول الله صلى عليه وسلم خلفه ، وهذه منقبة عظيمة . وقال محمد بن عمرو ، عن أبي سلمة ، عن أبيه قال : رأيت الجنة ، وأني دخلتها حبوا ، ورأيت أنه لا يدخلها إلا الفقراء .
وعن عبد الله بن أبي أوفى قال : شكا عبد الرحمن خالدا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : يا خالد لا تؤذ رجلا من أهل بدر ، فلو أنفقت مثل أُحُدٍ ذهبا لم تدرك عمله . وقال محمد بن عمرو ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : خياركم خياركم لنسائي . قال : فأوصى عبد الرحمن لهن بحديقة قومت بأربع مائة ألف .
وقال عبد الله بن جعفر : حدثتني أم بكر بنت المسور ، أن عبد الرحمن بن عوف باع أرضا له من عثمان بأربعين ألف دينار ، فقسمها في فقراء بني زهرة ، وفي المهاجرين ، وأمهات المؤمنين ، فقالت عائشة : سقى الله ابن عوف من سلسبيل الجنة ، زاد يحيى الحماني فيه عن عبد الله أنها قالت : أما إني سمعت رسول الله صلى الله عليه سلم : لن يحنو عليكن بعدي إلا الصالحون . وقال ابن إسحاق ، عن محمد بن عبد الرحمن بن حصين ، عن عوف بن الحارث ، عن أم سلمة قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأزواجه : إن الذي يحنو عليكن بعدي لهو الصادق البار ، اللهم اسق ابن عوف من سلسبيل الجنة . وعن نيار الأسلمي قال : كان عبد الرحمن ممن يفتي في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وقال يزيد بن هارون : حدثنا المعلى الجزري ، عن ميمون بن مهران ، عن ابن عمر ، أن عبد الرحمن قال لأصحاب الشورى : هل لكم أن أختار لكم وأنفصل منها ؟ قال علي : أنا أول من رضيت ، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إنك أمين في أهل السماء والأرض . وقال ابن لهيعة ، عن يحيى بن سعيد ، عن أبي عبيد بن أزهر ، عن أبيه أن عثمان اشتكى رعافا ، فدعا حمران ، فقال : اكتب لعبد الرحمن العهد من بعدي ، فكتب له ، فانطلق حمران إلى عبد الرحمن ، فقال : لك البشرى ، إن عثمان كتب لك العهد من بعده ، فقام بين القبر والمنبر فقال : اللهم إن كان من تولية عثمان إياي هذا الأمر فأمتني قبل عثمان ، فلم يعش إلا ستة أشهر . وعن سعد بن الحسن قال : كان عبد الرحمن بن عوف لا يعرف من بين عبيده .
وعن الزهري قال : أوصى عبد الرحمن بن عوف لمن شهد بدرا ، فوجدوا مائة ، لكل رجل أربع مائة دينار ، وأوصى بألف فرس في سبيل الله . وقال إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف : سمعت عليا يقول يوم مات أبي : اذهب يا ابن عوف فقد أدركت صفوها وسبقت رنقها . وقال محمد بن سيرين : اقتسم نساء ابن عوف ثمنهن فكان ثلاث مائة وعشرين ألفا .
توفي سنة اثنتين وثلاثين ، وله خمس وسبعون سنة ، ودفن بالبقيع رضي الله عنه .