أبو ذر الغفاري
ع : أبو ذر الغفاري ، اسمه جندب بن جنادة على الصحيح ، وقيل : جندب بن سكن ، وقيل : برير بن عبد الله ، أو ابن جنادة . أحد السابقين الأولين ، يقال : كان خامسا في الإسلام ، ثم انصرف إلى بلاد قومه ، وأقام بها بأمر النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم لما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم هاجر أبو ذر إلى المدينة . وروي أنه كان آدم جسيما ، كث اللحية .
قال أبو داود : لم يشهد أبو ذر بدرا ، وإنما ألحقه عمر مع القراء ، وكان يوازي ابن مسعود في العلم والفضل ، وكان زاهدا أمارا بالمعروف ، لا تأخذه في الله لومة لائم . وعن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ما أقلت الغبراء ولا أظلت الخضراء أصدق لهجة من أبي ذر . حسنه الترمذي من حديث عبد الله بن عمرو .
وعن علي رضي الله عنه ، وسئل عن أبي ذر فقال : وعى علما عجز الناس عنه ، ثم أوكى عليه ، فلم يخرج منه شيئا . وقال النبي صلى الله عليه وسلم : يا أبا ذر إني أراك ضعيفا ، وإني أحب لك ما أحب لنفسي فلا تأمرن على اثنين ، ولا تولين مال يتيم . وقال أبو غسان النهدي : حدثنا مسعود بن سعد ، عن الحسن بن عبيد الله ، عن رياح بن الحارث ، عن ثعلبة ، أن عليا قال : لم يبق اليوم أحد لا يبالي في الله لومة لائم غير أبي ذر ولا نفسي ، ثم ضرب بيده على صدره .
وقال بريدة بن سفيان ، عن محمد بن كعب القرظي ، عن ابن مسعود قال : لما سار رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تبوك ، جعل لا يزال يتخلف الرجل ، فيقولون : يا رسول الله ، تخلف فلان ، فيقول : دعوه فإن يكن فيه خير فسيلحقه الله بكم ، حتى قيل : يا رسول الله ، تخلف أبو ذر ، فقال ماكان يقوله ، فتلوم عليه بعيره ، فلما أبطأ عليه أخذ أبو ذر متاعه فجعله على ظهره ، ثم خرج يتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم ماشيا ، ونظر ناظر من المسلمين ، فقال : إن هذا لرجل يمشي على الطريق ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : كن أبا ذر ، فلما تأمله القوم قالوا : يا رسول الله ، هو والله أبو ذر ، فقال : يرحم الله أبا ذر يمشي وحده ، ويموت وحده ، ويحشر وحده ، فضرب الدهر من ضربه ، وسير أبو ذر إلى الربذة ، فمات بها ، واتفق مرور عبد لله بن مسعود به من الكوفة فصلى عليه وشهده ، ومناقب أبي ذر كثيرة . روى عنه أنس ، وجبير بن نفير ، وزيد بن وهب ، وسعيد بن المسيب ، وأبو سالم الجيشاني سفيان بن هانئ ، والأحنف بن قيس ، وعبد الرحمن بن غنم الأشعري ، وأبو مراوح ، وقيس بن عباد ، وسويد بن غفلة ، وأبو إدريس الخولاني ، وعبد الله بن الصامت ، والمعرور بن سويد ، وأبو عثمان النهدي ، وخلق سواهم . وقد استوعب ابن عساكر في تاريخ دمشق أخباره وأحواله .
قال حسين المعلم ، عن ابن بريدة : كان أبو ذر رجلا أسود ، كث اللحية . كان أبو موسى يكرمه ، ويقول : مرحبا بأخي ، فيقول : لست بأخيك ، إنما كنت أخاك قبل أن تستعمل . ومن أخبار أبي ذر أنه كان شجاعا مقداما .
قال محمد بن سعد : أخبرنا محمد بن عمر ، قال حدثنا ابن أبي سبرة ، عن يحيى بن شبل ، عن خفاف بن إيماء بن رحضة قال : كان أبو ذر رجلا يصيب ، وكان شجاعا ينفرد وحده ويقطع الطريق ، ويغير على الصرم ، كأنه السبع ، ثم إن الله قذف في قلبه الإسلام . فضيل بن مرزوق ، قال : حدثتني جبلة بنت مصفى ، عن حاطب ، قال : قال أبو ذر : ما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا مما صبه جبريل وميكائيل في صدره إلا قد صبه في صدري ، ولا تركت شيئا مما صبه رسول الله صلى الله عليه وسلم في صدري إلا وقد صببته في صدر مالك بن ضمرة . أبو إسحاق السبيعي ، عن هانئ بن هانئ ، سمع عليا يقول : أبو ذر وعاء ملئ علما ، ثم أوكي عليه ، فلم يخرج منه شيء حتى قبض .
شريك ، عن أبي ربيعة الإيادي ، عن ابن بريدة ، عن أبيه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أمرت بحب أربعة لأن الله يحبهم : علي ، وأبي ذر ، وسلمان ، والمقداد . أبو ربيعة هذا خرج له أبو داود وغيره ، قال أبو حاتم : منكر الحديث . عبد الحميد بن بهرام : حدثنا شهر ، حدثتني أسماء أن أبا ذر كان يخدم النبي صلى الله عليه وسلم ، فإذا فرغ من خدمته أوى إلى المسجد ، وكان هو بيته ، فدخل النبي صلى الله عليه وسلم المسجد ليلة فوجده نائما ، فنكته برجله ، فجلس فقال له : ألا أراك نائما ؟ قال : فأين أنام ؟ فجلس إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : كيف أنت إذا أخرجوك منه ؟ قال : ألحق بالشام .
قال : كيف أنت إذا أخرجوك منها ؟ قال : إذا أرجع إلى المسجد فيكون بيتي ومنزلي . قال : فكيف أنت إذا أخرجوك منه الثانية ؟ قال : إذا آخذ سيفي فأقاتل حتى أموت ، قال : فكشر إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : أدلك على خير من ذلك : تنقاد لهم حيث قادوك حتى تلقاني وأنت على ذلك . أخرجه الإمام أحمد .
الأوزاعي قال : حدثني أبو كثير ، عن أبيه ، قال : أتيت أبا ذر ، وقد اجتمعوا عليه عند الجمرة الوسطى يستفتونه ، فأتاه رجل فقال : ألم ينهك أمير المؤمنين عن الفتيا ؟ فرفع رأسه وقال : أرقيب أنت علي ! لو وضعتم الصمصامة على هذه ، ثم ظننت أني أنفذ كلمة سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن تجيزوا علي لأنفذتها . رواه غير واحد عن الأوزاعي . واسم أبي أبي كثير مرثد ، صدوق .
عن ثعلبة بن الحكم ، عن علي قال : لم يبق أحد لا يبالي في الله لومة لائم غير أبي ذر ولا نفسي . ثم ضرب بيده على صدره . الجريري ، عن أبي العلاء بن الشخير ، عن الأحنف ، قال : رأيت أبا ذر قام بالمدينة على ملأ من قريش ، فقال : بشر الكنازين برضف يحمى عليه فيوضع على حلمة ثدي أحدهم حتى يخرج من نغض كتفه ، فما رأيت أحدا رد عليه شيئا ، وذكر الحديث وهو حديث صحيح .
ابن لهيعة قال : حدثنا أبو قبيل : قال : سمعت مالك بن عبد الله الزيادي ، يحدث عن أبي ذر أنه دخل على عثمان ، فقال عثمان : يا كعب ، إن عبد الرحمن توفي وترك مالا فما ترى ؟ قال : إن كان - يعني زكى - فلا بأس ، فرفع أبو ذر عصاه فضرب كعبا ، وقال : سمعت رسول صلى الله عليه وسلم يقول : ما أحب أن لي هذا الجبل ذهبا أنفقه ويتقبل مني أذر خلفي منه ست أواق . أنشدك الله يا عثمان أسمعته مرارا ؟ قال : نعم . جعفر بن برقان ، عن ثابت بن الحجاج ، عن عبد الله بن سيدان قال : تناجى عثمان وأبو ذر حتى ارتفعت أصواتهما ، ثم انصرف أبو ذر مبتسما وقال : سامع مطيع ولو أمرني أن آتي عدن .
وأمره أن يخرج إلى الربذة . الأعمش ، عن ميمون بن مهران ، عن عبد الله بن سيدان ، عن أبي ذر ، قال : لو أمرني عثمان أن أمشي على رأسي لمشيت . وعن أبي جويرية ، عن زيد بن خالد الجهني ، أن أبا ذر قال لعثمان : والله لو أمرتني أن أحبو لحبوت ما استطعت .
أبو عمران الجوني ، عن عبد الله بن الصامت قال : قال أبو ذر لعثمان : يا أمير المؤمنين ، افتح الباب لا تحسبني من قوم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ، يعني الخوارج . العوام بن حوشب قال : حدثني رجل عن شيخ وامرأته من بني ثعلبة ، قالا : نزلنا بالربذة ، فمر بنا شيخ أشعث ، فقالوا : هذا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فاستأذناه أن نغسل رأسه ، فأذن لنا واستأنس بنا ، فبينا نحن كذلك إذ أتاه نفر من أهل العراق ، فقالوا : يا أبا ذر فعل بك هذا الرجل وفعل ، فهل أنت ناصب لك راية ؟ فقال : لا تذلوا السلطان فإنه من أذل السلطان فلا توبة له ، والله لو أن عثمان صلبني على أطول خشبة لسمعت وصبرت ورأيت أن ذلك خير لي . حميد بن هلال ، عن عبد الله بن الصامت ، قالت أم ذر : والله ما سير عثمان أبا ذر - تعني إلى الربذة - ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له : إذا بلغ البناء سلعا فاخرج منها .
ابن شوذب ، عن غالب القطان قال : قلت : يا أبا سعيد أعثمان أخرج أبا ذر ؟ قال : معاذ الله . أبو سعيد هو الحسن . أبو هلال ، عن قتادة ، عن سعيد بن أبي الحسن ، أن أبا ذر كان عطاؤه أربعة آلاف ، فإذا أخذه دعا خادمه فسأله ما يكفيه للسنة فاشتراه ، ثم اشترى فلوسا بما بقي ، وقال : إنه ليس من وعاء ذهب ولا فضة يوكأ عليه إلا وهو يتلظى على صاحبه .
الأوزاعي ، عن يحيى قال : كان لأبي ذر ثلاثون فرسا يحمل عليها ، فكان يحمل على خمسة عشر منها يغزو عليها ويريح بقيتها ، فإذا رجعت حمل على الخمسة عشر الأخرى . ثابت البناني قال : بنى أبو الدرداء مسكنا فمر عليه أبو ذر ، فقال : ما هذا ؟ تعمر دارا أمر الله بخرابها ! ؟ حسين المعلم ، عن ابن بريدة ، قال : كان أبو موسى يكرم أبا ذر ، وكان أبو موسى خفيف اللحم ، قصيرا ، وكان أبو ذر رجلا أسود ، كث الشعر ، فكان أبو موسى ، يقول : مرحبا بأخي ، فيقول : لست بأخيك ، إنما كنت أخاك قبل أن تستعمل . قيل : لم يعش بعده ابن مسعود إلا نحو عشر أيام .
وقال الجريري : حدثنا أبو العلاء بن عبد الله ، عن نعيم بن قعنب قال : أتيت أبا ذر فجاءت امرأته بثريدة ، فقال : كل فإني صائم ، ثم قام يصلي ، ثم انفتل فأكل ، فقلت : إنا لله ما كنت أخاف أن تكذبني ! قال : ما كذبت ، إني صمت من هذا الشهر ثلاثة أيام ، فكتب لي أجره وحل لي الطعام .