سلمان الفارسي
ع : سلمان الفارسي ، أبو عبد الله الرامهرمزي ، وقيل : الأصبهاني . سابق الفرس إلى الإسلام ، خدم النبي - صلى الله عليه وسلم - وصحبه . روى عنه ابن عباس ، وأنس أبو الطفيل ، وأبو عثمان النهدي ، وأبو عمر زاذان ، وجماعة سواهم .
ابن سفيان : حدثنا يعقوب بن سفيان الفسوي ، قال : حدثنا زكريا بن نافع الأرسوفي ، قال : حدثنا السري بن يحيى ، عن سليمان التيمي ، عن أبي عثمان النهدي قال : كان سلمان من أهل رامهرمز ، فجاء راهب إلى جبالها يتعبد ، فكان يأتيه ابن دهقان القرية ، قال : ففطنت له ، فقلت : اذهب بي معك ، فقال : لا ، حتى أستأمره ، فاستأمره ، فقال : جيء به معك ، فكنا نختلف إليه ، حتى فطن لذلك أهل القرية ، فقالوا : يا راهب ، إنك قد جاورتنا فأحسنا جوارك ، وإنا نراك تريد أن تفسد علينا غلماننا ، فاخرج عن أرضنا ، قال : فخرج ، وخرجت معه ، فجعل لا يزداد ارتفاعا في الأرض ، إلا ازداد معرفة وكرامة ، حتى أتى الموصل ، فأتى جبلا من جبالها ، فإذا رهبان سبعة ، كل رجل في غار يتعبد فيه ، يصوم ستة أيام ولياليهن ، حتى إذا كان يوم السابع ، اجتمعوا فأكلوا وتحدثوا . فقلت لصاحبي : اتركني عند هؤلاء إن شئت ، قال : فمضى وقال : إنك لا تطيق ما يطيق هؤلاء ، وكان ملك بالشام يقتل الناس ، فأبى عليهم إلا أن ننطلق ، فقلت : فإني أخرج معك ، قال : فانطلقت معه . فلما انتهينا إلى باب بيت المقدس ، فإذا على باب المسجد رجل مقعد قال : يا عبد الله تصدق علي ، فلم يكن معه شيء يعطيه إياه ، فدخل المسجد فصلى ثلاثة أيام ولياليهن ، ثم إنه انصرف ، فخط خطا وقال : إذا رأيت الظل بلغ هذا الخط فأيقظني ، فنام ، وقال : فرثيت له من طول ما سهر ، فلم أوقظه حتى جاوز الخط ، فاستيقظ فقال : ألم أقل لك ! قلت : إني رثيت لك من طول ما سهرت ، فقال : ويحك إني أستحي من الله أن تمضي ساعة من ليل أو نهار لا أذكره فيها ، ثم خرج ، فقال له المقعد : أنت رجل صالح دخلت وخرجت ولم تصدق علي ، فنظر يمينا وشمالا فلم ير أحدا ، قال : أرني يدك ، قم بإذن الله ، فقام ليس به علة ، فشغلني النظر إليه ، ومضى صاحبي في السكك ، فالتفت فلم أره ، فانطلقت أطلبه .
قال : ومرت رفقة من العراق ، فاحتملوني ، فجاءوا بي إلى المدينة ، فلما قدم النبي - صلى الله عليه وسلم - المدينة قال : ذكرت قولهم : إنه لا يأكل الصدقة ويقبل الهدية ، فجئت بطعام إليه ، فقال : ما هذا ؟ قلت : صدقة ، فقال لأصحابه : كلوا ولم يذقه ، ثم إني رجعت طعيما ، فقال : ما هذا يا سلمان ؟ قلت : هدية ، فأكل ، قلت : يا رسول الله أخبرني عن النصارى ، قال : لا خير فيهم ، فقمت وأنا مثقل ، قال : فرجعت إليه رجعة أخرى ، فقلت له : يا رسول الله أخبرني عن النصارى ، قال : لا خير فهم ولا فيمن يحبهم ، فقمت وأنا مثقل ، فأنزل الله - تعالى - لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى فأرسل إلي فقال : يا سلمان إن صاحبك أو أصحابك من هؤلاء الذين ذكر الله - تعالى - . إسناده جيد ، وزكريا الأرسوفي صدوق إن شاء الله . وقد ذكرنا قصته وكيف تنقل في البلدان في طلب الهدى ، إلى أن وقع في الأسر بالمدينة ، وكيف كاتب مولاه .
قال أبو عبد الرحمن القاسم : إن سلمان زار الشام ، فصلى الإمام الظهر ، ثم خرج ، وخرج الناس يتلقونه كما يتلقى الخليفة ، فلقيناه وقد صلى بأصحابه العصر وهو يمشي ، فوقفنا نسلم عليه ، فلم يبق فينا شريف إلا عرض عليه أن ينزل به ، فقال : جعلت على نفسي مرتي هذه أن أنزل على بشير بن سعد ، وسأل عن أبي الدرداء ، فقالوا : هو مرابط ، قال : أين مرابطكم ؟ قالوا : بيروت ، فتوجه قبله . وقال أبو عثمان النهدي ، عن سلمان ، تداولني بضعة عشر من رب إلى رب . أخرجه البخاري .
وقال يونس بن عبيد ، عن الحسن قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : سلمان سابق الفرس . وقال الواقدي : أول غزوة غزاها سلمان الخندق . وقال شريك : حدثنا أبو ربيعة ، عن ابن بريدة ، عن أبيه قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إن الله يحب من أصحابي أربعة ، وأمرني أن أحبهم : علي ، وأبو ذر ، وسلمان ، والمقداد بن الأسود .
وعن أنس قال : الجنة تشتاق إلى ثلاثة : علي ، وعمار ، وسلمان . رفعه . وعن أبي هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إن الجنة لأشوق إلى سلمان من سلمان إليها .
وقال علي : سلمان أدرك العلم الأول والعلم الآخر ، بحر لا يدرك قعره ، وهو منا أهل البيت . وقال العلاء بن عبد الرحمن ، عن أبيه ، عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تلا هذه الآية : وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ قالوا : يا رسول الله من هؤلاء ؟ فضرب على فخذ سلمان الفارسي ، ثم قال : هذا وقومه ، ولو كان الدين عند الثريا لتناوله رجال من الفرس . وقال الأعمش ، عن أبي صالح قال : بلغ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قول سلمان لأبي الدرداء : إن لأهلك عليك حقا ، فقال : ثكلت سلمان أمه لقد اتسع من العلم .
وقال قتادة : وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ هو سلمان ، وعبد الله بن سلام . وعن علي ، وذكر سلمان فقال : ذاك مثل لقمان الحكيم بحر لا ينزف . وقال أبو إدريس الخولاني ، عن يزيد بن خمير قال : قلنا لمعاذ : أوصنا ، قال : التمسوا العلم عند أربعة : أبي الدرداء ، وسلمان ، وابن مسعود ، وعبد الله بن سلام .
ويروى أن سلمان قال مرة : لو حدثتهم بكل ما أعلم لقالوا : رحم الله قاتل سلمان . وقال حجاج بن فروخ الواسطي - وقد ضعفه النسائي - قال : حدثنا ابن جريج ، عن عطاء ، عن ابن عباس قال : قدم سلمان من غيبة ، فتلقاه عمر ، فقال لسلمان : أرضاك لله عبدا ، قال : فزوجني ، فسكت عنه ، فقال : أترضاني لله عبدا ولا ترضاني لنفسك ، فلما أصبح أتاه قوم عمر ليضرب عن خطبة عمر ، فقال : والله ما حملني على هذا إمرته ولا سلطانه ، ولكن قلت : رجل صالح عسى الله أن يخرج منه ومني نسمة صالحة ، فتزوج في كندة ، فلما جاء ليدخل على أهله ، إذا البيت منجد ، وإذا فيه نسوة ، فقال : أتحولت الكعبة إلى كندة أم حم ، يعني : بيتكم ! أمرني خليلي أبو القاسم - صلى الله عليه وسلم - إذا تزوج أحدنا أن لا يتخذ من المتاع إلا أثاثا كأثاث المسافر ، ولا يتخذ من النساء إلا ما ينكح ، فقام النسوة وخرجن ، وهتكن ما في البيت ، ودخل بأهله فقال : أتطيعيني ؟ قالت : نعم ، قال : إن خليلي - صلى الله عليه وسلم - أمرنا إذا دخل أحدنا على أهله أن يقوم فيصلي ، ويأمرها فتصلي خلفه ، ويدعو وتؤمن ، ففعل وفعلت ، فلما أصبح جلس في كندة ، فقال له رجل : يا أبا عبد الله كيف أصبحت ، كيف رأيت أهلك . فسكت ، فأعاد القول ، فسكت عنه .
ثم قال : ما بال أحدكم يسأل الشيء قد وارته الأبواب والحيطان ، إنما يكفي أحدكم أن يسأل عن الشيء ، أجيب أو سكت عنه . وقال عقبة بن أبي الصهباء : حدثنا ابن سيرين ، قال : حدثنا عبيدة ، أن سلمان الفارسي مر بجسر المدائن غازيا ، وهو أمير الجيش ، وهو ردف رجل من كندة ، على بغل موكوف ، فقال أصحابه : أعطنا اللواء أيها الأمير نحمله ، فيأبى ويقول : أنا أحق من حمله ، حتى قضى غزاته ورجع ، وهو ردف ذلك الرجل ، حتى رجع إلى الكوفة . وعن رجل قال : رأيت سلمان على حمار عري ، وكان رجلا طويل الساقين ، وعليه قميص سنبلاني ، فقلت للصبيان : تنحوا عن الأمير ، فقال : دعهم فإن الخير والشر فيما بعد اليوم .
وقال عطاء بن السائب ، عن ميسرة : إن سلمان كان إذا سجدت له العجم طأطأ رأسه وقال : خشعت لله ، خشعت لله . وقال جرير بن حازم : سمعت شيخا من عبس يحدث عن أبيه قال : أتيت السوق ، فاشتريت علفا بدرهم ، فرأيت رجلا فسخرته ، فحملت عليه العلف ، فمر بقوم فقالوا : نحمل عنك يا أبا عبد الله ، فقلت : من هذا ؟ قالوا : هذا سلمان صاحب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فقلت : لم أعرفك ، فضعه عافاك الله ، فأبى حتى أتى منزلي به . وقال الحسن البصري : كان عطاء سلمان خمسة آلاف ، وكان أميرا على ثلاثين ألفا ، يخطب في عباءة ، يفترش نصفها ويلبس نصفها ، وكان إذا خرج عطاؤه أمضاه ويأكل من سفيف يده .
وقال النعمان بن حميد : رأيت سلمان وهو يعمل الخوص ، فسمعته يقول : أشتري خوصا بدرهم فأعمله فأبيعه بثلاثة دراهم ، فأعيد درهما فيه ، وأنفق درهما على عيالي ، وأتصدق بدرهم ، ولو أن عمر نهاني عنه ما انتهيت ، رواها بعضهم فزاد فيها : فقلت له : فلم تعمل ؟ يعني : لم وليت ، قال : إن عمر أكرهني ، فكتبت إليه فأبى علي مرتين . وكتبت إليه فأوعدني . وقال عبد العزيز بن رفيع ، عن أبي ظبيان ، عن جرير بن عبد الله قال : نزلت بالصفاح في يوم شديد الحر ، فإذا رجل نائم مستظل بشجرة ، معه شيء من الطعام في مزود تحت رأسه ، وقد التف في عباءة .
فأمرت أن يظلل عليه ، ونزلنا ، فانتبه ، فإذا هو سلمان ، فقلت : ما عرفناك ، فقال : يا جرير تواضع في الدنيا ، فإنه من تواضع في الدنيا يرفعه الله يوم القيامة ، ومن يتعظم في الدنيا يضعه الله يوم القيامة . يا جرير لو حرصت على أن تجد عودا يابسا في الجنة لم تجده ، لأن أصول الشجر ذهب وفضة ، وأعلاها الثمار ، يا جرير تدري ما ظلمة النار ؟ قلت : لا ، قال : ظلم الناس بعضهم بعضا . وقال عبد الله بن بريدة : كان سلمان يعمل بيديه ، فإذا أصاب شيئا اشترى به لحما أو سمكا ، ثم يدعو المجذومين فيأكلون معه .
وفي الموطأ عن يحيى بن سعيد ، أن أبا الدرداء كتب إلى سلمان : أن هلم إلى الأرض المقدسة ، فكتب إليه : إن الأرض لا تقدس أحدا ، وإنما يقدس الإنسان عمله ، وقد بلغني أنك جعلت طبيبا ، فإن كنت تبرئ فنعما لك ، وإن كنت متطببا فاحذر أن تقتل إنسانا فتدخل النار ، فكان أبو الدرداء إذا قضى بين اثنين ثم أدبرا عنه نظر إليهما وقال : متطبب والله ، ارجعا إلي أعيدا علي قصتكما . وقال سليمان بن قرم ، عن الأعمش ، عن أبي وائل قال : ذهبت أنا وصاحب لي إلى سلمان فقال : لولا أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهانا عن التكلف لتكلفت لكم ، ثم جاءنا بخبز وملح ، فقال صاحبي : لو كان في ملحنا صعتر ، فبعث سلمان بمطهرته فرهنها ، وجاء بصعتر ، فلما أكلنا قال صاحبي : الحمد لله الذي قنعنا بما رزقنا ، فقال سلمان : لو قنعت لم تكن مطهرتي مرهونة . حبيب بن الشهيد ، عن ابن بريدة ، قال : سلمان يصنع الطعام للمجذومين ، ثم يجلس فيأكل معهم .
وقال أبو عثمان النهدي : كان سلمان لا يفقه كلامه من شدة عجمته ، وكان يسمي الخشب خشبان . وعن ثابت قال : بلغني أن سلمان لم يخلف إلا بضعة وعشرين درهما . قال أبو عبيدة وابن زنجويه : توفي سلمان بالمدائن سنة ست وثلاثين ، زاد ابن زنجويه : قبل الجمل .
وقال الواقدي : توفي في خلافة عثمان . ذكر ما يدل على أنه توفي في خلافة عثمان كما قال الوقدي ؛ فروى جعفر بن سليمان ، عن ثابت ، عن أنس قال : دخل سعد ، وابن مسعود على سلمان عند الموت ، فبكى ، فقيل : ما يبكيك ؟ قال : عهد عهده إلينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم نحفظه : قال : ليكن بلاغ أحدكم كزاد الراكب . وقال خليفة : توفي سنة سبع وثلاثين .
وقيل : عاش مائتين وخمسين سنة ، وأكثر ما قيل : إنه عاش ثلاثمائة وخمسين سنة ، والأول أصح .