سعد بن أبي وقاص
ع : سعد بن أبي وقاص ، مالك بن أهيب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرة ، أبو إسحاق الزهري . أحد العشرة المشهود له بالجنة ، وأحد السابقين الأولين ، كان يقال له : فارس الإسلام ، وهو أول من رمى بسهم في سبيل الله . وكان مقدم الجيوش في فتح العراق ، مجاب الدعوة ، كثير المناقب ، هاجر إلى المدينة قبل مقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وشهد بدرا .
روى عنه بنوه : عامر ومصعب ، وإبراهيم وعمر ومحمد وعائشة بنو سعد ، وبسر بن سعيد ، وسعيد بن المسيب ، وأبو عثمان النهدي ، وعلقمة بن قيس ، وعروة بن الزبير ، وأبو صالح السمان ، وآخرون . وأمه حمنة بنت سفيان بن أمية بن عبد شمس . أسلم وهو ابن تسع عشرة سنة ، وكان قصيرا دحداحا غليظا ، ذا هامة ، شثن الأصابع ، جعد الشعر ، أشعر الجسد ، آدم ، أفطس .
قال سعيد بن المسيب : سمعت سعدا يقول : مكثت سبع ليال ، وإني لثلث الإسلام . وقال قيس بن أبي حازم : قال سعد : ما جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم أبويه لأحد قبلي ، قال لي : يا سعد فداك أبي وأمي . وإني لأول من رمى المشركين بسهم ، ولقد رأيتني مع النبي صلى الله عليه وسلم سابع سبعة ، ما لنا طعام إلا ورق السمر ، حتى إن أحدنا ليضع مثل ما تضع الشاة ، ثم أصبحت بنو أسد تعزرني على الإسلام ، لقد خبت إذن وضل سعيي .
وقال بكير بن مسمار ، عن عامر بن سعد ، عن أبيه : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع له أبويه ، قال : كان رجل من المشركين قد أحرق المسلمين ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ارم فداك أبي وأمي ، قال : فنزعت بسهم ليس فيه نصل ، فأصبت جبهته ، فوقع ، فانكشفت عورته ، فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حتى بدت نواجذه . وعن الزهري ، قال : قتل سعد يوم أحد بسهم رمي به ثلاثة ؛ رموا به فأخذه سعد فرمى به فقتل فرموا به فأخذه سعد الثانية فقتل ، فرموا به فرمى به سعد ثالثا ، فقتل ثالثا ، فعجب الناس من فعله . قال ابن المسيب : كان سعد جيد الرمي .
وقال علي : ما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يجمع أبويه لأحد غير سعد . وقال ابن مسعود : لقد رأيت سعدا يقاتل يوم بدر قتال الفارس في الرجال . وروى عثمان بن عبد الرحمن ، عن الزهري ، قال : بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية فيها سعد بن أبي وقاص إلى رابغ ، وهو من جانب الجحفة ، فانكفأ المشركون على المسلمين ، فحماهم سعد يومئذ بسهامه ، وهذا أول قتال كان في الإسلام ، فقال سعد : ألا هل أتى رسول الله أني حميت صحابتي بصدور نبلي فما يعتد رام في عدو بسهم يا رسول الله قبلي وقال ابن مسعود : اشتركت أنا ، وسعد ، وعمار ، يوم بدر فيما نغنم ، فجاء سعد بأسيرين ، ولم أجيء أنا ولا عمار بشيء .
وعن أبي إسحاق ، قال : كان أشد الصحابة أربعة : عمر ، وعلي ، والزبير ، وسعد . وجاء عن ابن عمر ، وأنس ، وعبد الله بن عمرو ، من وجوه ضعيفة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : أول من يدخل من هذا الباب عليكم رجل من أهل الجنة ، فدخل سعد بن أبي وقاص . وقال سعد : ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي .
نزلت في ستة ، أنا وابن مسعود منهم . أخرجه مسلم . وقال مجالد ، عن الشعبي ، عن جابر ، قال : أقبل سعد بن أبي وقاص ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : هذا خالي ، فليرني امرؤ خاله .
وقال قيس بن أبي حازم : حدثني سعد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : اللهم استجب لسعد إذا دعاك . وقال عبد الملك بن عمير ، عن جابر بن سمرة قال : شكا أهل الكوفة سعدا ، يعني لما كان أميرا عليهم ، إلى عمر فقالوا : إنه لا يحسن يصلي . فقال سعد : أما إني كنت أصلي بهم صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، صلاتي العشاء ، لا أخرم منها ، أركد في الأوليين وأحذف في الأخريين ، فقال : ذاك الظن بك يا أبا إسحاق .
ثم بعث رجالا يسألون عنه ، فكانوا لا يأتون مسجدا من مساجد الكوفة إلا قالوا خيرا ، حتى أتوا مسجدا من مساجد بني عبس ، فقال رجل يقال له : أبو سعدة : أما إذ نشدتمونا بالله ، فإنه كان لا يعدل في القضية ، ولا يقسم بالسوية ، ولا يغزو في السرية ، فقال سعد : اللهم إن كان كاذبا ، فأعم بصره ، وأطل عمره ، وعرضه للفتن . قال عبد الملك : أنا رأيته بعد يتعرض للإماء في السكك ، فإذا سئل كيف أنت ؟ يقول : شيخ كبير فقير مفتون ، أصابتني دعوة سعد . وقال الزبير بن عدي ، عن مصعب بن سعد : إن سعدا خطبهم بالكوفة ، ثم قال : يا أهل الكوفة ، أي أمير كنت لكم ؟ فقام رجل فقال : إن كنت ما علمتك لا تعدل في الرعية ، ولا تقسم بالسوية ، ولا تغزو في السرية .
فقال : اللهم إن كان كاذبا فأعم بصره ، وعجل فقره ، وأطل عمره ، وعرضه للفتن ، قال : فما مات حتى عمي وافتقر وسأل ، وأدرك فتنة المختار فقتل فيها . وقال شعبة ، عن سعد بن إبراهيم ، عن سعيد بن المسيب قال : خرجت جارية لسعد ، وعليها قميص جديد ، فكشفتها الريح ، فشد عمر عليها بالدرة ، وجاء سعد ليمنعه فتناوله بالدرة ، فذهب سعد ليدعو على عمر ، فناوله الدرة وقال : اقتص ، فعفا عن عمر . وقال زياد البكائي عن عبد الملك بن عمير ، عن قبيصة بن جابر قال : قال ابن عمٍّ لنا يوم القادسية : ألم تر أن الله أنزل نصره وسعد بباب القادسية معصم فأبنا وقد آمت نساء كثيرة ونسوة سعد ليس فيهن أيم فبلغ سعدا فقال : اللهم اقطع عني لسانه ، فجاءت نشابة ، فأصابت فاه ، فخرس ، ثم قطعت يده في القتال .
وكان في جسد سعد قروح ، فأخبر الناس بعذره عن القتال . وقال مصعب بن سعد ، وغيره : إن رجلا نال من علي ، فنهاه سعد ، فلم ينته ، فدعا عليه ، فما برح حتى جاء بعير ناد ، فخبطه حتى مات . لها طرق عن سعد .
وقال جرير عن مغيرة ، عن أمه قالت : زرنا آل سعد بن أبي وقاص ، فرأينا جارية كأن طولها شبر . قلت : من هذه ؟ قالوا : ما تعرفينها ، هذه بنت سعد ، غمست يدها في طهوره فقال : قطع الله قرنك ، فما شبت بعد . قد ذكرنا فيما مر لنا أن سعدا جعله عمر أحد الستة أهل الشورى ، وقال : إن أصابت الخلافة سعدا ، وإلا فليستعن به الخليفة بعدي ، فإني لم أعزله من ضعف ولا من خيانة .
وسعد كان ممن اعتزل عليا ومعاوية . قال أيوب ، عن ابن سيرين : نبئت أن سعدا قال : ما أزعم أني بقميصي هذا أحق مني بالخلافة ، قد جاهدت إذ أنا أعرف الجهاد ، ولا أبخع نفسي إن كان رجل خيرا مني ولا أقاتل حتى تأتوني بسيف له عينان ولسان وشفتان ، فيقول هذا مؤمن وهذا كافر . وقال محمد بن الضحاك الحزامي ، عن أبيه : إن عليا رضي الله عنه خطب بعد الحكمين فقال : لله منزل نزله سعد بن مالك وعبد الله بن عمر والله لئن كان ذنبا - يعني اعتزالهما - إنه لصغير مغفور ، ولئن كان حسنا ، إنه لعظيم مشكور .
وقال عمر بن الحكم ، عن عوانة : دخل سعد على معاوية ، فلم يسلم عليه بالإمارة ، فقال معاوية : لو شئت أن تقول غيرها لقلت ، قال : فنحن المؤمنون ولم نؤمرك ، فإنك معجب بما أنت فيه ، والله ما يسرني أني على الذي أنت عليه ، وإني هرقت محجمة دم . وقال محمد بن سيرين : إن سعدا طاف على تسع جوار في ليلة ، ثم أيقظ العاشرة ، فغلبه النوم ، فاستحيت أن توقظه . وقال الزهري : إن سعدا لما حضرته الوفاة ، دعا بخلق جبة من صوف فقال : كفنوني فيها ، فإني لقيت فيها المشركين يوم بدر ، وإنما خبأتها لهذا .
وقال حماد بن سلمة ، عن سماك ، عن مصعب بن سعد قال : كان رأس أبي في حجري ، وهو يقضي ، فبكيت ، فرفع رأسه إلي فقال : أي بني ما يبكيك ؟ قلت : لمكانك وما أرى بك ، قال : لا تبك ، فإن الله لا يعذبني أبدا ، وإني من أهل الجنة . وعن عائشة بنت سعد ، أن أباها أرسل إلى مروان بزكاة عين ماله ، خمسة آلاف ، وخلف يوم مات مائتين وخمسين ألف درهم . قال الزبير بن بكار : كان سعد قد اعتزل في الآخر في قصر بناه بطرف حمراء الأسد .
قال الواقدي ، والمدائني ، وجماعة كثيرة : توفي سنة خمس وخمسين . وقال قعنب بن المحرر : سنة ثمان وخمسين ، وقيل : سنة سبع ، وليس بشيء . وقال ابن سعد : توفي في قصره بالعقيق ، على سبعة أميال من المدينة ، وحمل إلى المدينة ، وصلى عليه مروان ، وله أربع وسبعون سنة .