حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
تاريخ الإسلام

سنة سبع وستين

سنة سبع وستين فيها توفي عدي بن حاتم ، والمختار بن أبي عبيد الكذاب ، وعمر وعبيد الله ابنا علي بن أبي طالب ، وزائدة بن عمير الثقفي ، ومحمد بن الأشعث بن قيس الكندي ؛ قتل هؤلاء الأربعة في حرب المختار ، وقتل عبيد الله وأمراؤه في أول العام . ذكر وقعة الخازر : في المحرم ، وقيل : كانت يوم عاشوراء ، بين إبراهيم بن الأشتر ، وكان في ثمانية آلاف من الكوفيين ، وبين عبيد الله بن زياد ، وكان في أربعين ألفا من الشاميين ، فسار ابن الأشتر في هذا الوقت مسرعا يريد أهل الشام قبل أن يدخلوا أرض العراق ، فسبقهم ودخل الموصل ، فالتقوا على خمسة فراسخ من الموصل بالخازر ، وكان ابن الأشتر قد عبأ جيشه ، وبقي لا يسير إلا على تعبئة ، فلما تقاربوا أرسل عمير بن الحباب السلمي إلى ابن الأشتر : إني معك . قال : وكان بالجزيرة خلق من قيس وهم أهل خلاف لمروان ، وجند مروان يومئذ كلب ، وسيدهم ابن بحدل ، ثم أتاه عمير ليلا فبايعه ، وأخبره أنه على ميسرة ابن زياد ، ووعده أن ينهزم بالناس ، فقال ابن الأشتر : ما رأيك ؛ أخندق على نفسي ؟ قال : لا تفعل ، إنا لله ! هل يريد القوم إلا هذه ؟ إن طاولوك وماطلوك فهو خير لهم ، هم أضعافكم ، ولكن ناجز القوم ، فإنهم قد ملئوا منكم رعبا ، وإن شاموا أصحابك وقاتلوهم يوما بعد يوم أنسوا بهم واجترءوا عليهم ، فقال : الآن علمت أنك ناصح لي ، والرأي ما رأيت ، وإن صاحبي بهذا الرأي أمرني .

ثم انصرف عمير ، وأتقن ابن الأشتر أمره ولم ينم ، وصلى بأصحابه بغلس ، ثم زحف بهم حتى أشرف على تل مشرف على القوم فجلس عليه ، وإذا بهم لم يتحرك منهم أحد ، فقاموا على دهش وفشل ، وساق ابن الأشتر على أمرائه يوصيهم ويقول : يا أنصار الدين وشيعة الحق ، هذا عبيد الله بن مرجانة قاتل الحسين ، حال بينه وبين الفرات أن يشرب منه هو وأولاده ونساؤه ، ومنعه أن ينصرف إلى بلده ، ومنعه أن يأتي ابن عمه يزيد فيصالحه حتى قتله ، فوالله ما عمل فرعون مثله ، وقد جاءكم الله به ، وإني لأرجو أن يشفي صدوركم ويسفك دمه على أيديكم ، ثم نزل تحت رايته ، فزحف إليه عبيد الله بن زياد ، وعلى ميمنته الحصين بن نمير ، وعلى ميسرته عمير بن الحباب ، وعلى الخيل شرحبيل بن ذي الكلاع ، فحمل الحصين على ميسرة ابن الأشتر فحطمها ، وقتل مقدمها علي بن مالك الجشمي ، فأخذ رايته قرة بن علي فقتل أيضا ، فانهزمت الميسرة وتحيزت مع ابن الأشتر ، فحمل وجعل يقول لصاحب رايته : انغمس برايتك فيهم ، ثم يشد ابن الأشتر ، فلا يضرب بسيفه رجلا إلا صرعه ، واقتتلوا قتالا شديدا ، وكثرت القتلى ، فانهزم أهل الشام ، فقال ابن الأشتر : قتلت رجلا وجدت منه رائحة المسك ، شرقت يداه وغربت رجلاه ، تحت راية منفردة على جنب النهر ، فالتمسوه فإذا هو عبيد الله بن زياد ، قد ضربه فقده نصفين ، وحمل شريك التغلبي على الحصين بن نمير فاعتنقا ، فقتل أصحاب شريك حصينا ، ثم تبعهم أصحاب ابن الأشتر ، فكان من غرق في الخازر أكثر ممن قتل . ثم إن إبراهيم بن الأشتر دخل الموصل ، واستعمل عليها وعلى نصيبين ودارا وسنجار ، وبعث برؤوس عبيد الله والحصين وشرحبيل بن ذي الكلاع إلى المختار ، فأرسلها فنصبت بمكة . وممن قتل مع إبراهيم هبيرة بن يريم ، وممن قتله المختار حبيب بن صهبان الأسدي ومحمد بن عمار بن ياسر بالكوفة .

وفيها وجه المختار أربعة آلاف فارس عليهم أبو عبد الله الجدلي وعقبة بن طارق ، فكلم الجدلي عبد الله بن الزبير في محمد ابن الحنفية ، وأخرجوه من الشعب ، ولم يقدر ابن الزبير على منعهم ، وأقاموا في خدمة محمد ثمانية أشهر ، حتى قتل المختار وسار محمد إلى الشام . فأما ابن الزبير فإنه غضب على المختار ، وبعث لحربه أخاه مصعب بن الزبير وولاه جميع العراق ، فقدم محمد بن الأشعث بن قيس وشبث بن ربعي إلى البصرة يستنصران على المختار ، فسير المختار إلى البصرة أحمر بن شميط وأبا عمرة كيسان في جيش من الكوفة حتى نزلوا المذار ، فسار إليهم مصعب بأهل البصرة ، وعلى ميمنته وميسرته المهلب بن أبي صفرة الأزدي وعمر بن عبيد الله التيمي ، فحمل عليهم المهلب فألجأهم إلى دجلة ، ورموا بخيولهم في الماء وانهزموا ، فاتبعوهم حتى أدخلوهم الكوفة ، وقتل أحمر بن شميط وكيسان ، وقتل من عسكر مصعب محمد بن الأشعث وعبيد الله بن علي بن أبي طالب ، ودخل أهل البصرة الكوفة فحصروا المختار في قصر الإمارة ، فكان يخرج في رجاله فيقاتل ويعود إلى القصر ، حتى قتله طريف وطراف - أخوان من بني حنيفة - في رمضان ، وأتيا برأسه إلى مصعب ، فأعطاهما ثلاثين ألفا ، وقتل بين الطائفتين سبعمائة . ويقال : كان المختار في عشرين ألفا فقتل أكثرهم ، والله أعلم .

وقتل مصعب خلقا بدار الإمارة غدرا بعد أن أمنهم ، وقتل عمرة بنت النعمان بن بشير الأنصاري امرأة المختار صبرا ، لأنها شهدت في المختار أنه عبد صالح . وبلغنا من وجه آخر أن طائفة من أهل الكوفة لما بلغهم مجيء مصعب تسربوا إليه إلى البصرة ، منهم شبث بن ربعي وتحته بغلة قد قطع ذنبها وأذنها ، وشق قباءه ، وهو ينادي : يا غوثاه ، وجاء أشراف أهل الكوفة وأخبروا مصعبا بما جرى ، وبوثوب عبيدهم وغلمانهم عليهم مع المختار ، ثم قدم عليهم محمد بن الأشعث ، ولم يكن شهد وقعة الكوفة ، بل كان في قصر له بقرب القادسية ، فأكرمه مصعب وأدناه لشرفه ، ثم كتب إلى المهلب بن أبي صفرة - وكان عامل فارس - ليقدم ، فتوانى عنه ، فبعث مصعب خلفه محمد بن الأشعث ، فقال له المهلب : مثلك يأتي بريدا ؟ قال : إني والله ما أنا بريد أحد ، غير أن نساءنا وأبناءنا غلبنا عليهم عبداؤنا وموالينا ، فأقبل المهلب بجيوش وأموال عظيمة ، وهيئة ليس بها أحد من أهل البصرة ، ولما انهزم جيش المختار انهد لذلك ، وقال لنجي له : ما من الموت بد ، وحبذا مصارع الكرام ، ثم حصن القصر ، ودام الحصار أياما ، وفي أواخر الأمر كان المختار يخرج فيقاتل هو وأصحابه قتالا ضعيفا ، ثم جهدوا وقل عليهم القوت والماء ، وكان نساؤهم يجئن بالشيء اليسير خفية ، فضايقهم جيش مصعب ، وفتشوا النساء ، فقال المختار : ويحكم ! انزلوا بنا نقاتل حتى نقتل كراما ، وما أنا بآيس إن صدقتموهم أن تنصروا ، فضعفوا ، فقال : أما أنا فلا والله لا أعطي بيدي ، فاملس عبد الله بن جعدة بن هبيرة المخزومي فاختبأ ، وأرسل المختار إلى امرأته بنت سمرة بن جندب ، فأرسلت إليه بطيب كثير ، ثم اغتسل وتحنط وتطيب ، ثم خرج حوله تسعة عشر رجلا ، فيهم السائب بن مالك الأشعري خليفته على الكوفة ، فقال للسائب : ما ترى ؟ قال : أنا أرى أم الله يرى ؟ قال : بل الله يرى ، ويحك ! أحمق أنت ؟ إنما أنا رجل من العرب ، رأيت ابن الزبير انتزى على الحجاز ، ورأيت نجدة انتزى على اليمامة ، ورأيت مروان انتزى على الشام ، فلم أكن بدونهم ، فأخذت هذه البلاد فكنت كأحدهم ، إلا أني طلبت بثأر أهل البيت ، فقاتل على حسبك إن لم يكن لك نية ، قال : إنا لله ! وما كنت أصنع بحسبي ؟ وقال لهم المختار : أتؤمنوني ؟ قالوا : لا ، إلا على الحكم . قال : لا أحكم في نفسي ، ثم قاتل حتى قتل ، ثم أمكن أهل القصر من أنفسهم ، فبعث إليه مصعب عباد بن الحصين ، فكان يخرجهم مكتفين ، ثم قتل سائرهم .

فقيل : إن رجلا منهم قال لمصعب : الحمد لله الذي ابتلانا بالإسار وابتلاك أن تعفو عنا ، وهما منزلتان إحداهما رضا الله والأخرى سخطه ، من عفا عفا الله عنه ، ومن عاقب لم يأمن القصاص ، يا ابن الزبير نحن أهل قبلتكم وعلى ملتكم ، لسنا تركا ولا ديلما ، فإن خالفنا إخواننا من أهل المصر ، فإما أن نكون أصبنا وأخطأوا ، وإما أن نكون أخطأنا وأصابوا فاقتتلنا كما اقتتل أهل الشام بينهم ، ثم اصطلحوا واجتمعوا ، وقد ملكتم فاسجحوا ، وقد قدرتم فاعفوا ، فرق لهم مصعب ، وأرد أن يخلي سبيلهم ، فقام عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث فقال : تخلي سبيلهم ؟ اخترنا أو اخترهم ، ووثب محمد بن عبد الرحمن الهمداني فقال : قتل أبي وخمسمائة من همدان وأشراف العشيرة ثم تخليهم ؟ ووثب أهل كل بيت ، فأمر بقتلهم ، فنادوا : لا تقتلنا واجعلنا مقدمتك إلى أهل الشام غدا ، فوالله ما بك عنا غنى ، فإن ظفرنا فلكم ، وإن قتلنا لم نقتل حتى نرقهم لكم ، فأبى ، فقال مسافر بن سعيد : ما تقول لله غدا إذا قدمت عليه وقد قتلت أمة من المسلمين صبرا حكموك في دمائهم أن لا تقتل نفسا مسلمة بغير نفس ، فإن كنا قتلنا عدة رجال منكم فاقتلوا عدة منا وخلوا سبيل الباقي ، فلم يستمع له ، ثم أمر بكف المختار ، فقطعت وسمرت إلى جانب المسجد ، وبعث عماله إلى البلاد ، وكتب إلى ابن الأشتر يدعوه إلى طاعته ويقول : إن أجبتني فلك الشام وأعنة الخيل . وكتب عبد الملك بن مروان أيضا إلى ابن الأشتر : إن بايعتني فلك العراق ، ثم استشار أصحابه فترددوا ، ثم قال : لا أؤثر على مصري وعشيرتي أحدا ، ثم سار إلى مصعب . قال أبو غسان مالك بن إسماعيل : حدثنا إسحاق بن سعيد ، عن سعيد قال : جاء مصعب إلى ابن عمر - يعني لما وفد على أخيه ابن الزبير - فقال : أي عم ، أسألك عن قوم خلعوا الطاعة وقاتلوا ، حتى إذا غلبوا تحصنوا وسألوا الأمان فأعطوا ، ثم قتلوا بعد ، قال : وكم العدد ؟ قال : خمسة آلاف ، قال : فسبح ابن عمر ، ثم قال : عمرك الله يا مصعب ، لو أن امرءا أتى ماشية للزبير فذبح منها خمسة آلاف شاة في غداة ، أكنت تعده مسرفا ؟ قال : نعم ، قال : فتراه إسرافا في البهائم وقتلت من وحد الله ، أما كان فيهم مستكره أو جاهل ترجى توبته ؟! أصب يا ابن أخي من الماء البارد ما استطعت في دنياك .

وكان المختار محسنا إلى ابن عمر ، يبعث إليه بالجوائز والعطايا لأنه كان زوج أخت المختار صفية بنت أبي عبيد ، وكان أبوهما أبو عبيد الثقفي رجلا صالحا ، استشهد يوم جسر أبي عبيد ، والجسر مضاف إليه ، وبقي ولداه بالمدينة . فقال ابن سعد : حدثنا محمد بن عمر قال : حدثنا عبد الله بن جعفر ، عن أم بكر بنت المسور . وعن رباح بن مسلم ، عن أبيه .

وإسماعيل بن إبراهيم المخزومي ، عن أبيه ؛ قالوا : قدم أبو عبيد من الطائف ، وندب عمر الناس إلى أرض العراق ، فخرج أبو عبيد إليها فقتل ، وبقي المختار بالمدينة ، وكان غلاما يعرف بالانقطاع إلى بني هاشم ، ثم خرج في آخر خلافة معاوية إلى البصرة ، فأقام بها يظهر ذكر الحسين ، فأخبر بذلك عبيد الله بن زياد ، فأخذه وجلده مائة ، ودرعه عباءة وبعث به إلى الطائف ، فلم يزل بها حتى قام ابن الزبير فقدم عليه . وقال الطبري في تاريخه : كانت الشيعة تكره المختار لما كان منه في أمر الحسن بن علي يوم طعن ، ولما قدم مسلم بن عقيل الكوفة بين يدي الحسين نزل دار المختار ، فبايعه وناصحه دكان بأبيض المدائن ، فخرج ابن عقيل يوم خرج والمختار في قرية له ، فجاءه خبر ابن عقيل أنه ظهر بالكوفة ، ولم يكن خروجه على ميعاد من أصحابه ، إنما خرج لما بلغه أن هانئ بن عروة قد ضرب وحبس ، فأقبل المختار في مواليه وقت المغرب ، فلما رأى الوهن نزل تحت راية عبيد الله بن زياد ، فقال : إنما جئت لتنصر مسلم بن عقيل ، فقال : كلا ، فلم يقبل منه ، وضربه بقضيب شتر عينه ، وسجنه . ثم إن عبد الله بن عمر كتب فيه إلى يزيد لما بكت صفية أخت المختار على زوجها ابن عمر ، فكتب : إن ابن زياد حبس المختار ، وهو صهري ، وأنا أحب أن يعافى ويصلح ، قال : فكتب يزيد إلى عبيد الله فأخرجه ، وقال : إن أقمت بالكوفة بعد ثلاث برئت منك الذمة ، فأتى الحجاز ، واجتمع بابن الزبير ، فحضه على أن يبايع الناس ، فلم يسمع منه ، فغاب عنه بالطائف نحو سنة ، ثم قدم عليه فرحب به وتحادثا ، ثم إن المختار خطب وقال : إني جئت لأبايعك على أن لا تقضي الأمور دوني ، وإذا ظهرت استعنت بي على أفضل عملك ، فقال ابن الزبير : أبايعك على كتاب الله وسنة نبيه ، فقال المختار : شر غلماني أنت مبايعه على هذا ، مالي في هذا حظ ، فبايعه ابن الزبير على ما طلب ، وشهد معه حصار حصين بن نمير له ، وأبلى بلاء حسنا ، وأنكى في عسكر الشام .

ثم بعد ذلك جاءته الأخبار أن الكوفة كغنم بلا راع ، وكان رأي ابن الزبير أن لا يستعمله ، فمضى بلا أمر إلى الكوفة ، ودخلها متجملا في الزينة والثياب الفاخرة ، وجعل كلما مر على أحد من الشيعة الأشراف قال : أبشر بالنصر واليسر ، ثم يعدهم أن يجتمع بهم في داره ، قال : ثم أظهر لهم أن المهدي محمد ابن الوصي - يعني ابن الحنفية - بعثني إليكم ظهيرا وأمينا ووزيرا وأميرا ، وأمرني بقتال قتلة الحسين والطلب بدماء أهل البيت ، فهويته طائفة ، ثم حبسه متولي الكوفة عبد الله بن يزيد ، ثم إنه قويت أنصاره واستفحل شره ، وأباد طائفة من قتلة الحسين ، واقتص الله من الظلمة بالفجرة ، ثم سلط على المختار مصعبا ، ثم سلط على مصعب عبد الملك : أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ واستعمل مصعب على أذربيجان والجزيرة المهلب بن أبي صفرة الأزدي .

موقع حَـدِيث