أبو الرباب القشيري
أبو الرباب القشيري ، واسمه مطرف بن مالك . بصري من كبار التابعين وثقاتهم . لقي أبا الدرداء ، وكعب الأحبار ، وأبا موسى ، وشهد فتح تستر .
روى عنه : زرارة بن أوفى ، وأبو عثمان النهدي ، ومحمد بن سيرين . فروى محمد عنه قال : دخلنا على أبي الدرداء نعوده ، وهو يومئذ أمير ، وكنت خامس خمسة في الذين ولوا قبض السوس ، فأتاني رجل بكتاب فقال : بيعونيه ، فإنه كتاب الله أحسن أقرأه ولا تحسنون ، فنزعنا دفتيه ، فاشتراه بدرهمين ، فلما كان بعد ذلك خرجنا إلى الشام ، وصحبنا شيخ على حمار بين يديه مصحف يقرأه ويبكي ، فقلت : ما أشبه هذا المصحف بمصحف شأنه كذا وكذا ، فقال : إنه ذاك ، قلت : فأين تريد ؟ قال : أرسل إلي كعب الأحبار عام أول فأتيته ، ثم أرسل إلي ، فهذا وجهي إليه ، قلت : فأنا معك ، فانطلقنا حتى قدمنا الشام ، فقعدنا عند كعب ، فجاء عشرون من اليهود فيهم شيخ كبير يرفع حاجبيه بحريرة فقالوا : أوسعوا أوسعوا ، فأوسعوا ، وركبنا أعناقهم ، فتكلموا فقال كعب : يا نعيم ، أتجيب هؤلاء أو أجيبهم ؟ قال : دعوني حتى أفقه هؤلاء ما قالوا ، ثم أجيبهم ، إن هؤلاء أثنوا على أهل ملتنا خيرا ، ثم قلبوا ألسنتهم ، فزعموا أنَّا بعنا الآخرة بالدنيا ، هلم فلنواثقكم ، فإن جئتم بأهدى مما نحن عليه اتبعناكم ، وإن جئنا بأهدى منه لتتبعنا ، قال : فتواثقوا ، فقال كعب : أرسل إلي ذلك المصحف ، فجيء به ، فقال : أترضون أن يكون هذا بيننا ؟ قالوا : نعم ، لا يحسن أحد يكتب مثله اليوم ، فدفع إلى شاب منهم ، فقرأ كأسرع قارئ ، فلما بلغ إلى مكان منه نظر إلى أصحابه كالرجل يؤذن صاحبه بالشيء ، ثم جمع يديه فقال به ، فنبذه ، فقال كعب : آه ، وأخذه فوضعه في حجره ، فقرأ ، فأتى على آية منه ، فخروا سجدا ، وبقي الشيخ يبكي ، فقيل : وما يبكيك ؟ فقال : وما لي لا أبكي ، رجل عمل في الضلالة كذا وكذا سنة ، ولم أعرف الإسلام حتى كان اليوم . همام : حدثنا قتادة ، عن زرارة ، عن مطرف بن مالك قال : أصبنا دانيال بالسوس في بحر من صفر ، وكان أهل السوس إذا استقوا استخرجوه فاستسقوا به ، وأصبنا معه ريطتي كتان ، وستين جرة مختومة ، ففتحنا جرة ، فوجدنا في كل جرة عشرة آلاف ، وأصبنا معه ربعة فيها كتاب ، وكان معنا أجير نصراني يقال له : نعيم ، فاشتراها بدرهمين .
قال همام : قال قتادة : وحدثني أبو حسان أن أول من وقع عليه رجل يقال له : حرقوص ، فأعطاه موسى الريطتين ومائتي درهم ، ثم إنه طلب أن يرد عليه الريطتين ، فأبى ، فشققهما عمائم ، فكتب أبو موسى في ذلك إلى عمر ، فكتب إليه : إن نبي الله دعا الله أن لا يرثه إلا المسلمون ، فصل عليه وادفنه . قال همام : وحدثنا فرقد قال : حدثنا أبو تميمة أن كتاب عمر جاء : أن اغسله بالسدر وماء الريحان . ثم رجع إلى حديث مطرف قال : فبدا لي أن آتي بيت المقدس ، فبينا أنا في الطريق إذ أنا براكب شبهته بذلك الأجير النصراني ، فقلت : نعيم ؟ قال : نعم ، قلت : ما فعلت نصرانيتك ؟ قال : تحنفت بعدك ، ثم أتينا دمشق ، فلقينا كعبا ، فقال : إذا أتيتم بيت المقدس فاجعلوا الصخرة بينكم وبين القبلة ، ثم انطلقنا ثلاثين ، حتى أتينا أبا الدرداء ، فقالت أم الدرداء لكعب : ألا تعدني على أخيك يقوم الليل ويصوم النهار ، فجعل لها من كل ثلاث ليال ليلة ، ثم انطلقنا حتى أتينا بيت المقدس ، فسمعت اليهود بنعيم وكعب ، فاجتمعوا ، فقال كعب : إن هذا كتاب قديم ، وإنه بلغتكم فاقرأوه ، فقرأه قارئهم ، فأتى على مكان منه ، فضرب به الأرض ، فغضب نعيم ، فأخذه وأمسكه ، ثم قرأ قارئهم حتى أتى على ذلك المكان : ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴾فأسلم منهم اثنان وأربعون حبرا ، وذلك في خلافة معاوية ، ففرض لهم معاوية وأعطاهم .
قال همام : وحدثني بسطام بن مسلم قال : حدثنا معاوية بن قرة ، أنهم تذاكروا ذلك الكتاب ، فمر بهم شهر بن حوشب فقال : على الخبير سقطتم ، إن كعبا لما احتضر قال : ألا رجل أئتمنه على أمانة ؟ فقال رجل : أنا ، فدفع إليه ذلك الكتاب وقال : اركب البحيرة ، فإذا بلغت مكان كذا وكذا فاقذفه ، فخرج من عند كعب فقال : هذا كتاب فيه علم ، ويموت كعب ، لا أفرط به ، فأتى كعبا وقال : فعلت ما أمرتني ، قال : وما رأيت ؟ قال : لم أر شيئا ، فعلم كذبه ، فلم يزل يناشده ويطلب إليه حتى رد عليه الكتاب ، فلما أيقن كعب بالموت قال : ألا رجل يؤدي أمانتي ؟ قال رجل : أنا ، فركب سفينة ، فلما أتى ذلك المكان ذهب ليقذفه ، فانفرج له البحر حتى رأى الأرض ، فقذفه وأتاه فأخبره ، فقال كعب : إنها التوراة كما أنزلها الله على موسى عليه السلام ، ما غيرت ولا بدلت ، ولكن خشيت أن يتكل على ما فيها ، ولكن قولوا : لا إله إلا الله ولقنوها موتاكم . رواه أحمد بن أبي خيثمة في تاريخه ، عن هدبة قال : حدثنا همام .