حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
تاريخ الإسلام

سنة اثنتين وسبعين

سنة اثنتين وسبعين توفي فيها معبد بن خالد الجهني والأحنف بن قيس ، وعبيدة السلماني ، والحارث بن سويد التيمي . وقتل فيها : مصعب بن الزبير . وإبراهيم بن الأشتر .

وعيسى وعروة ولدا مصعب ومسلم بن عمرو الباهلي . وكان مصعب قد سار كعادته إلى الشام إلى قتال عبد الملك بن مروان واستئصاله ، وسار إليه عبد الملك ، فجرت بينهما وقعة هائلة بدير الجاثليق ، ومسكن بالقرب من أوانا . وكان قد كاتب عبد الملك جماعة من الأشراف المائلين إلى بني أمية وغير المائلين يمنيهم ويعدهم إمرة العراق وإمرة أصبهان وغير ذلك ، فأجابوه .

وأما إبراهيم بن الأشتر فلم يجبه ، وأتى بكتابه مصعبا ، وفيه إن بايعه ولاه العراق . وقال لمصعب : قد كتب إلى أصحابك بمثل كتابي فأطعني واضرب أعناقهم ، فقال : إذًا لا تناصحنا عشائرهم ، قال : فأوقرهم حديدا واسجنهم بأبيض كسرى ووكل بهم من إن غلبت ضرب أعناقهم ، وإن نصرت مننت عليهم ، قال : يا أبا النعمان إني لفي شغل عن ذلك ، يرحم الله أبا بحر - يعني الأحنف - إن كان ليحذر غدر العراق . وقال عبد القاهر بن السري : هم أهل العراق بالغدر بمصعب ، فقال قيس بن الهيثم : ويحكم لا تدخلوا أهل الشام عليكم ، فوالله لئن تطعموا بعيشكم لتضيقين عليكم منازلكم بهم .

وكان إبراهيم أشار عليه بقتل زياد بن عمرو ومالك بن مسمع ، فلما التقى الجمعان قلب القوم أترستهم ولحقوا بعبد الملك . وقال الطبري : لما تدانى الجمعان حمل إبراهيم بن الأشتر على محمد بن مروان فأزاله عن موضعه ، ثم هرب عتاب بن ورقاء ، وكان على الخيل مع مصعب . وجعل مصعب كلما قال لمقدم من عسكره : تقدم ، لا يطيعه ، فذكر محمد بن سلام الجمحي ، قال : أخبر عبد الله بن خازم أمير خراسان بمسير مصعب إلى عبد الملك ، فقال : أمعه عمر بن عبيد الله التيمي ؟ قيل : لا ، استعمله على فارس .

قال : فمعه المهلب بن أبي صفرة ؟ قالوا : لا ، استعمله على الموصل قال : فمعه عباد بن الحصين ؟ قيل : لا ، استعمله على البصرة . فقال ابن خازم : وأنا بخراسان ، ثم تمثل : خذيني وجريني ضباع وأبشري بلحم امرئ لم يشهد اليوم ناصره قال الطبري : فقال مصعب لابنه عيسى : اركب بمن معك إلى عمك ابن الزبير ، فأخبره بما صنع أهل العراق ، ودعني فإني مقتول . فقال : والله لا أخبر قريشا عنك أبدا ، ولكن الحقْ بالبصرة فهم على الجماعة والطاعة ، قال : لا تتحدث قريش أني فررت بما صنعت ربيعة من خذلانها ، ولكن : أقاتل ، فإن قتلت فما السيف بعار .

وقال إسماعيل بن أبي المهاجر : أرسل عبد الملك مع أخيه محمد بن مروان إلى مصعب : إني معطيك الأمان يا ابن العم ، فقال مصعب : إن مثلي لا ينصرف عن مثل هذا الموقف إلا غالبا أو مغلوبا . وقيل : إن مصعبا أبى الأمان ، وأنهم أثخنوه بالرمي ، ثم شد عليه زائدة بن قدامة الثقفي ، فطعنه وقال : يا لثارات المختار . وكان ممن قاتل مع مصعب .

وقال عبد الله بن مصعب الزبيري ، عن أبيه ، قال : لما تفرق عن مصعب جنده قيل له : لو اعتصمت ببعض القلاع وكاتبت من بعد عنك كالمهلب وفلان ، فإذا اجتمع لك من ترضاه لقيت القوم فقد ضعفت جدا واختل أصحابك ، فلبس سلاحه وخرج فيمن بقي وهو يتمثل بشعر طريف العنبري الذي كان يعد بألف فارس بخراسان : علام أقول السيف يثقل عاتقي إذا أنا لم أركب به المركب الصعبا سأحميكم حتى أموت ومن يمت كريما فلا لوما عليه ولا عتبا . وروى غسان بن مضر ، عن سعيد بن يزيد ، قال : قال ابن الأشتر لمصعب : ابعث إلى زياد بن عمرو ومالك بن مسمع ووجوه من وجوه أهل البصرة فاضرب أعناقهم ، فإنهم قد أجمعوا على أن يغدروا بك ، فأبى ، فقال ابن الأشتر : فإني أخرج الآن في الخيل ، فإذا قتلت فأنت أعلم . قال : فخرج وقاتل حتى قتل .

وقال الفسوي : قتل مع مصعب ابنه عيسى ، وجرح مسلم بن عمرو الباهلي فقال : احملوني إلى خالد بن يزيد ، فحمل إليه ، فاستأمن له . ووثب عبيد الله بن زياد بن ظبيان على مصعب فقتله عند دير الجاثليق ، وذهب برأسه إلى عبد الملك ، فسجد لله . وكان عبيد الله فاتكا رديا ، فكان يتلهف ويقول : كيف لم أقتل عبد الملك يومئذ حين سجد ، فأكون قد قتلت ملكي العرب .

وقال أبو اليقظان وغيره : طعنه زائدة واحتز رأسه ابن ظبيان . ولابن قيس الرقيات : لقد أورث المصرين حزنا وذلة قتيل بدير الجاثليق مقيم فما قاتلت في الله بكر بن وائل ولا صبرت عند اللقاء تميم وكل ثمالي عند مقتل مصعب غداة دعاهم للوفاء دحيم . وقال ابن سعد : إن مصعبا قال يوما وهو يسير لعروة بن المغيرة بن شعبة : أخبرني عن حسين بن علي كيف صنع حين نزل به ، فأنشأ يحدثه عن صبره ، وإبائه ما عرض عليه ، وكراهيته أن يدخل في طاعة عبيد الله حتى قتل ، قال : فضرب بسوطه على معرفة فرسه وقال : وإن الألى بالطف من آل هاشم تأسوا فسنوا للكرام التأسيا قال : فعرفت والله أنه لا يفر ، وأنه سيصبر حتى يقتل .

وقال : والتقيا بمسكن ، فقال عبد الملك : ويلكم ما أصبهان هذه ؟ قيل : سرة العراق ، قال : قد والله كتب إلي أكثر من ثلاثين من أشراف العراق ، وكلهم يقول : إن خببت بمصعب فلي أصبهان . قال ابن سعد : فكتب إلى كل منهم : أن نعم ، فلما التقوا قال مصعب لربيعة : تقدموا للقتال . فقالوا : هذه مخروءة بين أيدينا فقال : ما تأتون أنتن من المخروءة ، يعني : تخلفكم عن القتال .

وقد كانت ربيعة قبل مجمعة على خذلانه ، فأظهرت ذلك ، فخذله الناس . ولم يتقدم أحد يقاتل دونه ، فلما رأى ذلك قال : المرء ميت ، فلأن يموت كريما أحسن به من أن يضرع إلى من قد وتره ، لا أستعين بربيعة أبدا ولا بأحد من أهل العراق ، ما وجدنا لهم وفاء ، انطلق يا بني إلى عمك فأخبره بما صنع أهل العراق ، ودعني . فإني مقتول ، فقال : والله لا أخبر نساء قريش بصرعتك أبدا ، قال : فإن أردت أن تقاتل فتقدم حتى أحتسبك ، فقاتل حتى قتل ، وتقدم إبراهيم بن الأشتر فقاتل قتالا شديدا حتى أخذته الرماح فقتل ، ومصعب جالس على سرير ، فأقبل إليه نفر ليقتلوه ، فقاتل أشد القتال حتى قتل ، واحتز ابن ظبيان رأسه .

وبايع أهل العراق لعبد الملك ودخلها ، واستخلف على الكوفة أخاه بشر بن مروان . قيل : إن ابن الزبير لما بلغه مقتل أخيه مصعب قام فقال : الحمد لله الذي خلق الخلق ، ثم ذكر مصرع أخيه وقال : ألا إن أهل العراق أهل الغدر والنفاق أسلموه وباعوه ، والله ما نموت على مضاجعنا كما يموت بنو أبي العاص ، فما قتل منهم رجل في زحف ولا نموت إلا قعصا بالرماح ، وتحت ظلال السيوف . وفيها خرج أبو فديك فغلب على البحرين .

وقيل هو الذي قتل نجدة الحروري ، فسار إليه جيش من البصرة ، عليهم أمية بن عبد الله بن خالد الأموي أخو أميرها خالد ، فهزمه أبو فديك ، فكتب عبد الملك بن مروان إلى خالد يعنفه لكونه استعمل أمية على حرب الخوارج ، ولم يستعمل المهلب ، وأمره أن ينهض إليهم بنفسه ، ويستعين برأي المهلب ، ولا يعمل أمرا دونه . وكتب إلى بشر بن مروان يمده بخمسة آلاف ، عليها عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث ، فسار خالد بالناس حتى قدم الأهواز ، وسارت إليه الأزارقة ، فتنازل الجيشان نحوا من عشرين ليلة ، ثم زحف إليهم خالد فأخذوا ينحازون ، فاجترأ عليهم الناس ، وكرت عليهم الخيل ، فولوا مدبرين على حمية ، وقتل منهم خلق ، واتبعهم داود بن قحذم أمير الميسرة وعتاب بن ورقاء ، وجعلوا يتطلبونهم بفارس ، حتى هلكت خيول الجند وجاعوا ، ورجع كثير منهم مشاة . قال الطبري في تاريخه : وفيها كانت وقعت بين ابن خازم أمير خرسان ، وبين بحير بن ورقاء بقرب مرو ، وقتل خلق ، وقتل عبد الله بن خازم في الوقعة ، ولي قتله وكيع بن عميرة ابن الدورقية .

ويقال : اعتور عليه بحير وعمار الجشمي وابن الدورقية وطعنوه فصرعوه ، فقيل لوكيع : كيف قتلته ؟ قال : غلبته بفضل القنا ، ولما صرع قعدت على صدره ، فحاول القيام فلم يقدر ، وقلت : يا ثارات دويلة - وهو أخو وكيع لأمه قتل تلك المدة - قال : فتنخم في وجهي وقال : لعنك الله ، تقتل كبش مضر بأخيك علج لا يسوى كفا من نوى ، فما رأيت أحدا أكثر ريقا منه على تلك الحال عند الموت ثم أقبل بكير بن وساج ، فأراد أخذ رأس عبد الله بن خازم ، فمنعه بحير ، فضربه بكير بعمود وأخذ الرأس ، وقيد بحيرا ، وبعث بالرأس إلى عبد الملك بن مروان . ثم حكى ابن جرير الطبري الخلاف في أن ابن خازم إنما قتل بعد مقتل عبد الله بن الزبير ، وأن رأس ابن الزبير ورد على ابن خازم ، فحلف أن لا يعطي عبد الملك طاعة أبدا ، وأنه دعا بطست فغسل الرأس وكفنه وحنطه ، وصلى عليه ، وبعث به إلى آل الزبير بالمدينة . قلت : ولعله رأس مصعب بن الزبير .

وكان عبد الملك بعث إلى ابن خازم مع سورة النميري : أن لك خراسان سبع سنين على أن تبايعني ، فقال للرسول : لولا أن أضرب بين بني سليم وبني عامر لقتلتك ، ولكن كل هذه الصحيفة ، فأكلها . وفيها سار الحجاج إلى حرب ابن الزبير ، فأول قتال كان بينهما في ذي القعدة ، ودام الحصار أشهرا .

موقع حَـدِيث